ثلاث صور، ثلاثة فيديوهات شغلت العالم بالقدر نفسه تقريباً، وسوف يصعب نسيانها؛ إيلان الطفل السوري الغريق، الميت على الشاطئ. مدرب كرة القدم محتضناً ولده عند الحدود المجرية، فيما مصورة صحافية مجرية تقوم بركله وإيقاعهما أرضاً. وأخيراً، صورة الطفل، زياد، ابن ذلك المدرب الذي بدا مذعوراً تماماً على الحدود، لنجده يدخل الملاعب الإسبانية الخضراء من أوسع أبوابها، بعد أن اصطحبه إليها نجم كرة القدم الشهير رونالدو.
بدا الطفل وكأنه طفل آخر تماماً. تحول الولد المذعور إلى ملك الملاعب، كما لو أنه يحلم، كما لو أننا نحلم؛ الفرح، ملابس الرياضة البيضاء، أرض الملعب الخضراء والواسعة، صيحات المتفرجين، كاميراتهم، ولا في الأحلام .
كأن العالم راح ينتقم لنفسه، أو أنه أراد ترميم صورته التي تكسرت بعد صورة إيلان، الطفل الميت والملقى في وجه العالم على الشاطئ.
قصة حب سورية
بثت قناة «سي أن أن بالعربي» تقريراً مصوراً عن فيلم لمخرج الأفلام الوثائقية شون مكاليستر بدأ تصويره في دمشق قبيل اندلاع الثورة في سوريا. الفيلم يسلط الضوء على قصة حب نبتت في أحد معتقلات النظام، عبر ثقب في الجدار بين شاب فلسطيني سوري اسمه عامر، وسورية اسمها رغدة. يخرج عامر ورغدة من المعتقل فيتزوجان وينجبان طفلين.
حين يلتقي المخرج مكاليستر بعامر، فيما كان يبحث عن فكرة لفيلم أراد تصويره عن سوريا، يجد في حكاية ذلك الحب «سوريا» التي يريد تصويرها. قصة حب نبت في المعتقل، وراء القضبان، وأينع في سجن سوريا الكبير.
لكن المخرج يتعرض للاعتقال مع بدء الثورة في سوريا، الأمر الذي يتيح له التعرف عن قرب على أساليب التعذيب، وعلى أحوال المعذبين، والأهم أن ذلك سيجعله جزءاً من حكاية الفيلم.
سيطلق سراح المخرج، وسيغادر عامر ورغدة البلاد، ليحطا الرحال في أرض اللجوء فرنسا.
هنا سيقول تقرير «سي أن أن بالعربي» عبارته التي يصعب أن نحدد إن كانت تعكس فعلاً ما يقوله الفيلم، أم أنها تأويل القناة الخاص، وربما توظيفها الخاص للفيلم وحكايته. يقول التقرير»ومنحت العائلة حق اللجوء في فرنسا»، ويضيف «بسبب تلك الخطوة، وبسبب بعد المسافة بينهما وبين الثورة السورية، بدأت علاقة عامر ورغدة بالتفكك، وكانت العلاقة وخيمة على الأسرة». وصولاً إلى «وفي وقت لا يزال فيه مئات الآلاف من السوريين يفرون إلى أوروبا تسلط قصة هذه العائلة الضوء على التحديات التي تواجه الأسر السورية بعد وصولها إلى الشواطئ الأوروبية».
استنتاج غير مفهوم من قبل تقرير القناة.
يهجر الأزواج زوجاتهم لألف سبب وسبب، وكذلك الزوجات، فلماذا لم يجد التقرير سبباً لطلاق الزوجين، بل ومشاجراتهم كما يقول، سوى اللجوء، والبعد عن الثورة، وتحديات الوصول إلى البلاد الجديدة. هل هي مقولات لتأكيد استحالة العيش والاندماج، هل هو ترهيب للاجئين ليس لديهم خيار آخر في مواجهة الموت؟
حتى لو كان الفيلم هو من يقول ذلك، لماذا على القناة أن تتبنى هذا الاستنتاج من دون نقاش؟ لذلك يصعب أن نصدق أن التقرير التلفزيوني بريء من أجندات وأهداف، ليس من بينها أن يهدأ بال اللاجئين.
لعبة لجوء
لاجئ سوري في تركيا صمم لعبة الكترونية مستوحاة من الرحلات الخطرة للاجئين السوريين، وفيها تأخذ الشخصية، بطلة اللعبة، الحقيبة وتعطي ما تملكه من أموال للمهرب، ثم ركوب البحر، وصولاً إلى اليونان، وبعدها هنغاريا ومغامرة الهروب من حراس الحدود، وصولاً إلى مخيم للجوء في أوروبا.
فكرة اللعبة لا تخلو من سخرية، خصوصاً حين تختتم بتقديم مشهد وشخصية تقلد بشار الأسد كيف يتحدث وكيف يضحك وهو يعطي تعليمات اللعبة.
ربما لم يخطر ببال سمير المطفي، وهذا هو اسم مخترع اللعبة، أن عليه إضافة صحافية مجرية تركل أبطال اللعبة، ولم يخطر في باله طرقات أخرى للتهريب، عبر ليبيا ومصر وأفريقيا وسواها. الطرقات كثيرة، والموت كثير، ويبدو أن الألعاب لا تستنفد، ما دام الموت السوري لا يستنفد هو الآخر.
غياب السينما
يتساءل متابعون لشؤون الدراما والسينما في سوريا عن التحول الطارئ في «مهرجان الاسكندرية السينمائي» الأخير، فقبل ثلاث سنوات فقط كانت الثورة السورية ضيف شرف في المهرجان، تضامناً مع الشعب السوري الثائر الذي يتعرض للمذابح. فيما اليوم يستضيف المهرجان مدير «المؤسسة العام للسينما» في سوريا، محمد الأحمد، من ممثلي النظام البارزين، وديانا جبور مديرة «مؤسسة الإنتاج التلفزيوني» الرسمية، وتدرج أفلام وتحصل على جوائز، يتباهى أصحابها بمواقف معادية لثورة السوريين. أهو جنوح سياسي لابعاد صوت المعارضين السوريين عن محافل الفن كما يبعدون الآن عن الظهور على المحطات والتلفزات الحكومية المصرية إلا ما ندر.
يصعب رؤية ذلك إلا كإشارة سياسية لمحاولات إعادة تأهيل النظام. واضح طبعاً موقف نظام السيسي من الثورة السورية عبر ذلك، ولكن المهرجان أيضاً يدفع للتساؤل عما أنتجه سوريو الثورة، فما من فيلم روائي أنتج يستحق أن يكافح من أجل موقع في المهرجان، أو مهرجانات أخرى. أليست أربع سنوات من الثورة، وقصص لا تحصى صالحة للسينما، كافية للخروج بفيلم واحد، وبمؤسسة إنتاج سينمائي مغايرة وبديلة؟
هذا في وقت تشهد الفعاليات الإبداعية تراجعاً كبيراً. كأن اليأس ضرب المبدعين، أو أنهم انشغلوا بترتيب أماكن لجوئهم، والأهم هو غياب المؤسسة الجديرة باحتضان أعمال ومواهب، وترتيب أجندات تخدم أحلام السوريين.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى