السياسة ليست عملاً أخلاقياً. لا يعني ذلك أنّها حكماً عمل غير أخلاقي. الافراط في المقاربة الأخلاقوية للمسائل السياسية يستتبع، حكماً، إفراطاً في ضرب القوانين، أي ما يفصل بين السياسة وبين الأخلاق.
حين يتضخم مفهوم للسياسة أو للأخلاق بشكل زائد عن حدّه، يصير الواصل الفاصل بينهما، أي القانون، من الهشاشة بمقدار.
وحين تفهم السياسة على أنها تطبيق الأخلاق، أو حين تفهم الأخلاق على أنها سياسات عامة، تزداد هذه الهشاشة.
ليس هناك في هذا خصوصية عربية، وان تكن هناك طفرة عربية. فعوائد حذف السياسة باسم الأخلاق، وحذف الأخلاق باسم السياسة، تقضم مرجعية القانون من جميع الجهات في وقت واحد.
في لبنان اليوم، وليس في لبنان فقط، شواهد على هذه المشكلة. من قاعدة أساسية للخروج بخطاب سياسي واجتماعي متقدّم في مواكبة غضب الناس على سياسات الاستهتار والعفن الرسمية المزمنة، جرى تغليب الاكتفاء بالتبسيط الاخلاقوي للموضوعات، واختزال البنية الاجتماعية للبلد، والسياق السياسي الممتد والراهن، إلى «رسوم متحركة» بين شخصيات خيّرة وشخصيات شريرة.
بعض من هذا راجع بالضرورة إلى التخليط بشكل عشوائي، بل هستيري أحياناً، بين الأخلاق والقوانين والسياسات، أو محاولة فرض وجهة النظر الغوغائية.
والغوغائية، في هذا السياق، هي الدائرة التي ترى إلى الأخلاق والقانون والسياسة كشيء مختلط ببعضه بعضاً. والأدهى من ذلك اولئك الذين يتسمون بماركسية لا يفقهون فيها شيئاً جدياً فيخلطون بين الأخلاق والقانون والسياسة «والعلم»، وهذا منتهى «الوثوقية التامة».
في لبنان اليوم فعلاً لعبة محيرة. الكل يسارع لرفض التخوين والتشهير ضدّه حين يخوّن، ولاستعادة العبارة الشهيرة «المتهم بريء حتى ادانته» لحاجة او لغير حاجة. لكن نفس الأشخاص سيجدون انفسهم ينطقون، واحياناً بحرفيتها، بأشياء من قبيل «المتهم مذنب حتى يثبت براءته». هذا طبيعي جداً ما لم يعط ما للقانون للقانون، وطالما ظل القانون حجة شعاراتية لتعطيل القانون.
ذهنية تهميش القوانين باسم الدفاع عنها ملفتة. من جهة يقال ان المعركة ليست سياسية بين فريقين سياسيين، بل هي معركة قانونية، بين من يخرق القانون، لفساد أو تجاوز سلطة، الخ، وبين من يفضح هذا الخرق. لكن المفارقة هنا انها معركة قانونية خارج المحاكم.
السلطة كذلك الأمر، تعتبرها مسألة الدفاع عن القانون. تريد الزج بما بقي لاسم القانون من رصيد عملي في لبنان ضد نقمة شعبية مسؤول عنها بشكل أساسي الاستهتار الحكومي المزمن بملفات كثيرة، ابرزها ملف النفايات.
وطبعاً، القوانين ليست متعلّقة بمصادر شرعية من هم في السلطة. القوانين قوانين لأنها تفترض مستقلة عن شرعية تمثيل أو حكم أو استمرار من اختير لتطبيقها. لكن، انعدام الشرعية في السلطة يستتبع بالنتيجة مزيداً من ضرب واقع الحضور القانوني في البلد، خصوصاً إذا ما تحصن بمقولة «تطبيق القانون» بوجه احتجاجات قد تتخذ منحى خشونة في لحظات بعينها، لكنها كلها في اطار السلمية.
لا قضاء في الشارع. لا برلمان في الشارع. لا حكومة. أياً كانت درجة اهتراء شرعية من في الحكم فهذا لا ينقل الشرعية الدستورية إلى خارج المؤسسات. هذا هو المفتقد الأساسي في النقاشات العربية منذ الربيع، واللبنانية الآن. الميادين قوتها في الضغط لتجاوز تعطيل ما للمؤسسات، أو بلادة ما. لكنها لا يمكنها ان تحل مكان المؤسسات، وحتى وهي تطالب بقيام مؤسسات جديدة، فان الاستسهال في طلب الجديد يرتد في احيان كثيرة بشكل عكسي. الأمور تأخذ وقتاً، وعي ذلك هو وعي الحاجة إلى القانون.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة