حروب الماء غياب الاستراتيجية العربية

هل للعرب ما يحميهم من الأزمات الخطيرة التي بدأت تلوح في الأفق؟ ظهرت تجلياتها بشكل أوضح أكثر في العشرين سنة الأخيرة، وستتفاقم في العشر سنوات المقبلة؟ هل بلور العرب فرديا أو جماعيا استراتيجية حقيقية لحماية شعوبهم من العطش وأراضيهم من الجفاف والموت وممتلكاتهم من الضياع، بما في ذلك الزراعة والثروة الحيوانية؟ هل لديهم الوسائل لحماية أنفسهم من هذا الخطر الداهم، الذي سيدفع بمناطق كاملة إلى الموت، ولا قوة تستطيع أن توقف هذا الخراب.
ليس غريبا أن نقول، ولا سابقا لأوانه، إن الكثير من العرب سيموتون عطشا وبلدانهم ليست فقيرة، قبل حروب الفرقة والصراعات التي استتبت نهائيا، الإثنية والعرقية والجهوية والطائفية. الماء نادر، وما يمتلكه العرب يسحب منهم بشكل معلن أو سري. في الجزائر مخزون مائي كبير في الجنوب، وضخم. لكن استخراجه يحتاج إلى تصور حقيقي، ونية كبيرة في العمل، ما تزال غائبة إلى اليوم. وربما تكون الجزائر قد ضيعت فرصتها في استخراجه، في عز الطفرة النفطية. لأن الماء مسألة حيوية تسبق كل الأعمال الاقتصادية.
ولا مبالغة إذا قلنا إنه أكثر أهمية حتى من النفط. إن ما قام به الرئيس القذافي في ذلك الوقت من جر المياه الصحراوية نحو النهر الاصطناعي، كلف الخزينة الليبية أكثر 25 مليار دولار، وهو سعر خيالي لكنه مكسب للشعب الليبي في النهاية، يمكن اليوم إذا فكرنا في مشروع شبيه، أن نقول الضعف أو أكثر. نظرا للتبدلات الاقتصادية والتحولات الخطيرة التي يدفع العالم العربي ثمنها غاليا.
لا غرابة في أن البلدان العربية، في حاجة ماسة للمياه في شمالها وجنوبها. بعض الساسة مضحكون عندما يغلفون فشلهم بالقول إنهم لم يحفروا في أعماق الأرض لأنه ليس من حق هذا الجيل أن يستهلك كل شيء، المياه والنفط، ولا يترك شيئا للأجيال الصاعدة بكل رهاناتها الصعبة والقاسية.
لأن مثل هذه المشاريع الحيوية، هي ما يحمي البلاد العربية من الانهيارات المحتملة ومن المآزق الخطيرة. إذ لا يعقل انه بعد نصف قرن من الاستقلال، وأكثر، ما يزال الناس يركضون في الجنوب الجزائري أو السودان وسوريا اليوم، ومصر، وليبيا، وغيرها، بدلاهم بحثا عن قطرة ماء، في وقت تحسنت فيه الحاجة المائية كثيرا في الشمال الجزائري لكن الجنوب يظل عطشا ووسائله لاستخراج المياه، قديمة وعاجزة. اعتماد المغرب مثلا على السدود الصغيرة للري، مهم ويحل مشكلات كبيرة وعويصة للفلاحين الصغار، لكن هذا لا يضعه خارج الحاجة. طبعا أقل بكثير مما سيحد من إمكانات الاستهلاك. ستكبر الحاجة المائية في الوقت القريب في المشرق وبلدان الخليج حيث منابع الماء قليلة جدا بسبب المناخ الصحراوي الجاف، وأيضا الأطماع الجهوية الكبيرة. الأخطر من هذا كله، هو غياب رؤية عربية مشتركة. أكبر من هذا كله، لا يوجد أي تنسيق لحلول مستعجلة ستفرضها الفترة المقبلة. لننظر عن قرب ماذا سيحدث في السنوات المقبلة، وهذا ليس سيناريو مجنون ولكنه كلام وثقه العديد من العلماء في دراساتهم للمنطقة. مياه النيل التاريخية التي تتقاسمها دول عدة هي السودان ومصر ودولة المنبع إثيوبيا وغيرها، قد تحمل معها احتمالات الحروب المقبلة. إثيوبيا، بمساعدة تقنية وفنية ولوجيستية وحتى هندسية ومالية إسرائيلية، تبني واحدا من أكبر السدود العالمية، سد النهضة الذي سيكون خيرا على إثيوبيا ودول الجوار، وهذا حقها الطبيعي، ولكنه لن يكون خيرا على العرب الذين لم يفعلوا شيئا تجاه إثيوبيا، للحفاظ على هذا الكم من التدفق الحالي. لم يستثمروا مليما واحدا في إثيوبيا على الرغم من النداءات الطبيعية، مع انه استثمار حيوي على الأمد المتوسط والطويل.
إسرائيل لا تفعل هذا لوجه الخير، لكنها تعرف أن في المستقبل القريب سيكون الماء هو عصب الاستقرار في المنطقة. واستولت على المياه اللبنانية في مزارع شبعا، ونهر الأردن الذي لم يبق فيه للأردن شيء كبير. لتعيش المنطقة كلها تحت الإرادة الإسرائيلية، على الأمد القصير والمتوسط، وسيتحول الماء إلى سلاح حيوي ولكن أيضا استراتيجي. نهر الأردن، شبعا، المياه الجوفية في فلسطين، ألا يدفع هذا إلى بعض التفكير الجاد. كل المياه جرتها إسرائيل نحوها ونحو ما يخدم مصالحها. هل هي الصدفة؟ لا أعتقد، وإلا فهي صدفة تشتغل من طرف واحد. لماذا لم يكن حائط العار الذي مزق فلسطين حائطا مستقيما بالمسطرة كما فعل سايكس وبيكو عندما مزقا بلاد الشام طولا وعرضا. إسرائيل درست ما تحت الأرض من مدخرات وغنى نفطيا، ومنها الماء لتجعل من الخط الفاصل حدوديا، ثعبانيا. يكاد يبدو الأمر عبثيا، لكن الماء من الخيارات الأهم في الثقافة السياسية الإسرائيلية. وهو أمر يدل على أن الأقوام الأخرى تستعمل الوسائل العلمية لمعرفة الأرض وما يتخفى تحتها، إلا العرب طبعا، وكأن العناية الإلهية ستعوض كل شيء عندما تجف الأرض والزرع. دول الخليج العربي التي تعاني طبيعيا من هذه الندرة المائية، وجدت الحلول العاجلة للتخفيف من ثقل المشكلة. فقد شيدت العشرات من مراكز تحلية المياه، على السواحل البحرية. وهو أمر مهم ويدخل في الاستراتيجية الآنية وقريبة المدى. ويمكن للمال النفطي أن يحل هذه المعضلة بشراء هذه المصانع التي أصبح اقتناؤها ليس معقدا. لكن التفكير الأسلم والضامن لاستمرار الحياة في تلك المنطقة هو نقل التكنولوجيا والسيطرة عليها كليا ونهائيا. يحتاج العرب إلى ضرورة التحكم في إنشاء هذه المصانع محليا بالقدرات المحلية. إذ من الصعب الاستمرار تحت رحمة الآخر الاستعماري.
ويمكن للعرب وقتها أن يقايضوا هذه التكنولوجيا كما فعلت الصين والهند وباكستان وإندونيسيا، بنفطهم وبما يملكون من خيرات تحت أرضية. الغرب الاستعماري يسير وفق المصلحة وليس شيئا آخر. الضغط بهذا السلاح المتوفر، الذي بدأ يتضاءل ويفقد سلطانه، مهم جدا. السنوات المقبلة قد لا تكون في صالح هذه المقايضة، في ظل التفكك العربي وموته المبرمج. اليمن السعيد لن يكون سعيدا بجفافه الكلي، إذ إن مدينة مثل تعز ستموت عطشا في العشر سنوات المقبلة، غير التدمير الحربي الذي تعانيه اليوم. وهناك الكثير من المدن العربية الأخرى التي ارتسمت فيها علامات الموت.
ما يحتم تفكيرا دقيقا في استراتيجية للمواجهة، وهو أمر للأسف غير وارد في الأجندات الاقتصادية والسياسية العربية. التفكير في الحماية أمر حيوي جدا. عدو اليوم المسلح بالتقدم لن يبعث الطائرات المقاتلة لتحطيم العرب وتفكيك كيانهم. يكفيه أن يضرب مصانع الماء ومولدات الكهرباء الضخمة، لتموت أكبر وأجمل مدينة عربية؟ وتتحول في ثانية واحدة المصاعد التي تخترق الأبراج الكبيرة والمدهشة بهندستها، إلى كتل فولاذية صدئة وحارقة لا حياة فيها. لا كهرباء معناه لا هواء للتنفس، لا مكيفات، ولا حياة.
الدولة التي لا تصلح من تلقاء نفسها ما يكسر أو يدمر لها، هي دولة تحمل موتها المؤجل في كفيها. كل هذه الرهانات الخطيرة والحيوية ـ يظل المسؤول العربي خارج ذلك كله ومستمتعا بخطاب يتكرر باللغة نفسها وبالخيـــــبة نفسها أيضا. ولا يفكر أبدا في الآتي القريب والمليء بالمخاطر والمزالق الاجتماعية، كأنه ليس معنيا، وكأنه ليس هنا، في عمق عصر يناديه ويؤشر إلى المخاطر المقبلة.

واسيني الأعرج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية