مجزرة الحجاج بين السياسة وسوء التنظيم

■ بعد مرور سبعة أيام على مجزرة الحجاج في مشعر منى، مازالت مشاعر الصدمة والذهول تخيم على عائلاتهم، بعد أن تحول العيد إلى مأتم كبير. ومازال العالم في انتظار نتائج التحقيق الذي تعهدت به السلطات السعودية منذ اليوم الأول. ومازالت اعداد الضحايا في ازدياد، حتى زادت عن الألف، فيما يؤكد البعض أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر كثيرا.
ومازالت عشرات او مئات الجثث مجهولة الهوية مخزنة في سيارات مبردة، مخصصة اصلا لنقل اللحوم، قرب مستشفى المعيصم، حسب تصريحات لشهود عيان ومسؤوليين بينهم قنصل مصر في جدة لإحدى القنوات المصرية مساء الاربعاء.
ومازالت مئات العائلات لا تعرف شيئا عن مصير الحجاج المفقودين. ومازالت الاتهامات بالتسييس، أو سوء التنـظــــيم ناهيك عن بعض المؤامرات المثيرة للاشمئزاز سيدة الموقف في ظل استمرار الصمت والغموض والفوضى.
ومن منطلق احترام الروح الإنسانية، وتضامنا مع أهالي الحجاج، سواء كانوا من القتلى او المصابين او المفقودين من كل الجنسيات، اولا واخيرا، نطرح هذه الاسئلة المشروعة:
– اولا: عندما تمنح المملكة العربية السعودية تأشيرات للحجاج، ألا يعني هذا انها تمنحهم عهدا بالامان والرعاية؟ وحتى إذا صدقنا جدلا، التصريحات الرسمية السعودية المبكرة التي اتهمت الحجاج بـ»بخرق قواعد السير»(..) لماذا لم تقم السلطات المعنية بتصحيح ذلك «الخرق» في الوقت المناسب، خاصة في وجود ثلاثمئة ألف شخص يساعدون في تنظيم الحج كما تقول الرياض؟ الواقع أن محاولات التنصل من المسؤولية، سواء كان ذلك عبر توجيه اللوم إلى الضحية، او «الفتوى» التي اعتبرت أن ما حدث «قضاء وقدر لا يمكن رده»، إنما اضاف الاهانة إلى الجرح، وعمق المأزق السعودي.
ثانيا- في هذا العصر الرقمي، لم يعد ممكنا إخفاء الحقيقة، كما حدث في كوارث سابقة مشابهة، بل وفي المكان نفسه أثناء شعائر الحج. وإذا كانت السلطات السعودية تشكك في صحة فيديو يصور إغلاق الطرق، باعتباره جزءا من «مؤامرة إيرانية»، فماذا عن هذه الشهادات التي نقلتها وكالة رويترز عن حجاج من مختلف الجنسيات:
– قال شهود عيان إنهم رأوا أفراد أمن يسدون طريقا يؤدي لمنطقة رمي الجمار، مع استمرار تدفق أمواج البشر على المنطقة. وقال آخرون إنهم حوصروا بين مجموعات الحجاج المتحركة في اتجاهين معاكسين.
وقال شهيد علي وهو حاج باكستاني عمره 50 عاما «بدأت الشرطة تصيح فينا: توقفوا.. توقفوا، ثم شكلت سلسلة بشرية وأغلقت الطريق الرئيسي ولم تسمح للحجاج بتخطي تلك النقطة.»
– وقال أله ساماليا داباي يومبي وهو حاكم منطقة في نيجيريا شهد الواقعة، إنه رأى جنودا سعوديين وعربات عسكرية تغلق أحد الطرق، ما حال دون مرور مجموعته. وخلفه ظل آلاف الحجاج يتوافدون على المكان وهم لا يعرفون بأمر الطريق المغلق. وأضاف أن الناس بدأوا يتساقطون نتيجة الإنهاك ودرجة حرارة بلغت 47 درجة مئوية. قال «الحجاج كانوا أشبه بالسردين… اضطررنا للقفز على جثث المتوفين للوصول إلى مكان آمن نسبيا.»
– يبدو أن السلطات لم تنتبه إلى أن التقاطع الذي يلتقي فيه طريق رئيسي بشارع جانبي يمثل نقطة خطر. فالشارع 223 يخلو من الكاميرات التي قدمتها شركة كراودفيجن وهي شركة بريطانية تقدم تكنولوجيا تحليلية لمساعدة السلطات السعودية على الحد من مخاطر وقوع حوادث، بسبب التزاحم في مشاعر الحج، حسبما ورد في رسالة أرسلتها بالبريد الإلكتروني.
ثالثا- هل البحث عن أسباب المجزرة «تسييس للحج» حقا؟ أم أنه حتمي لتفادي تكرارها؟ وهل من مصلحة دول مثل مصر وإندونيسيا ونيجيريا أن توتر علاقاتها مع السعودية؟ أم انها تريد فقط استعادة جثث حجاجها ومعرفة أسباب مقتلهم؟ وحتى إيران صاحبة العدد الأكبر من الضحايا، هل كانت تحتاج إلى مجزرة كهذه لتصعد سياسيا مع السعودية إن ارادت ذلك؟ ثم من يعزي من؟ ومــن يعــــتذر لمن؟ للأســـف الشديد أن بعض المسؤولين المصريين كانوا أحرص على أن يشكروا السعودية (..) منهم على أن يواسوا ابناء شــــعبهم أو يساعدوهم في العــــثور على ذويهم الموجودين بين «اكوام السردين»، حسب وصفـــهم، لايام حتى بدأت ملامحهم في الاختفاء، ما يزيد من صعوبة التعرف عليهم.
نعم من المفهوم أن يكون النظام المصري الممتن للسعودية بسبب المساعدات حريصا على العلاقات معها، ولكن هل يجب أن يكون هذا على حساب كرامة شعبه؟ وكيف لمؤسسة مثل الازهر أن تستبق التحقيقات وترفض توجيه أي لوم للسعودية؟ وعلى أي دليل شرعي يستند شيخ الازهر، ومن يتحمل في رأيه مسؤولية كل هذه الارواح.
وأخيرا، لن نفقد الأمل في أن تتخذ السلطات السعودية القرار الصحيح بتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية الكاملة عن هذه المجزرة، وأن تبادر بالاعتذار وتقديم العزاء لكل أهالي الضحايا، والأهم الاستعانة بخبرات تقنية حديثة بمساعدة دولية لتفادي كوارث كهذه، لم تعد موجودة في عالم اليوم.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية