■ قبل سبعين عاما عندما كان دخان الحرب الكونية الثانية لم ينطفئ بعد، اجتمع ممثلو 50 دولة في مدينة سان فرنسيسكو وآلوا على أنفسهم «أن يجنبوا الأجيال المقبلة ويلات الحرب، التي خلال جيل واحد، جلبت على الإنسانية مرتين ما يعجز عنه الوصف» فأنشأوا منظمة دولية لمعالجة النزاعات بالطرق السلمية وللمساهمة في تنمية الدول صغيرها وكبيرها ولحماية حقوق الإنسان لكل البشر، بدون أي تمييز قائم على اللغة أو الدين أو الجنس أو العرق.
كيف كان العالم وكيف أصبح؟ تحديات عام 1945 تختلف عن تحديات اليوم وإن كانت النزاعات المسلحة أرضية مشتركة للعصرين، إلا أن هناك تحديات مستجدة لم تكن ذات أهمية آنذاك، مثل قضايا المناخ والبيئة والهجرة والتصحر والمخدرات والجريمة المنظمة والعنف ضد المرأة وحقوق السكان الأصليين والتمييز والعنصرية وغير ذلك من التحديات العديدة. فهل نجحت المنظمة التي زاد عدد أعضائها أربعة أضعاف تقريباعما كانت عليه عند إنشائها، في تحقيق الأهداف التي إنشئت من أجلها؟ على هذه الخلفية انطلقت في مقر المنظمة الدولية بنيويورك أعمال الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي شهدت أكبر تجمع في التاريخ لرؤساء الدول والحكومات والزعماء، لما تحمله هذه المناسبة من أهمية تاريخية من جهة، ولأنها جمعت إلى جانب المناقشة العامة عددا من الاجتماعات على مستوى القمة لمناقشة العديد من المسائل كالإرهاب مثلا.
سبعون سنة تغيرت الدنيا كثيرا وتغيرت معها أولويات المجتمع الدولي. كان في ذهن الموقعين على الميثاق آنذاك الخطر الأساسي الذي تمثله الحروب ومحاولة تسوية الصراعات بالطرق السلمية بعيدا عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها. لكن الأمم المتحدة في هذا المجال فشلت في احتواء العديد من الحروب الصغيرة والكبيرة، التي لم ينطفئ أوارها منذ اليوم الأول، فما إن تخمد في منطقة إلا وتشتعل في منطقة أخرى، وقد يكون المشهد اليوم بعد سبعين سنة أكثر مأساوية ودموية، خاصة في منطقتنا العربية، التي تخلفت عن ركب الحضارة والتقدم والاستقرار والنهضة. لكن مهمة المنظمة الدولية ليست مقصورة على احتواء الصراعات المسلحة وحل النزاعات بالطرق السلمية، حيث سجلت عجزا كبيرا. فالمهمتان الأخريان اللتان لا تقلان أهمية عن الأولى، هما التنمية وحماية حقوق الإنسان، فعالم ما بعد الحرب الثانية بحاجة إلى استقرار وتنمية شاملة تخرج البلاد الفقيرة من معاناتها وتخلفها، في ظل حماية الإنسان من الاضطهاد والقهر والاحتلال والفقر والتشرد والأمراض، وهذا يتطلب أيضا حماية البيئة من التدهور والتآكل، بالإضافة إلى حماية الموارد الطبيعية وتوزيعها بطريقة عادلة، تضمن عدم اختلال الموازين لصالح الأغنياء ضد مصالح الفقراء. ولو راجعنا إنجازات الأمم المتحدة ووضعناها على الميزان لوجدنا أنها فشلت في مسألة حماية الأمن والسلم الدوليين، ولكنها نجحت في كثير من الأهداف التنموية وثبتت مجموعة من المعاهدات الدولية التي ساهمت في إنهاء الاستعمار وحماية حقوق الإنسان وحقوق الطفل والسكان الأصليين واللاجئين والعمال المهاجرين وحقوق المرأة والتعليم والصحة ونشر وعي شامل في مسألة حماية البيئة ونزع الألغام ووقف التجارب النووية وخفض نسبة التسلح وغيرها الكثير. وباختصار نقول: لو لم تكن الأمم المتحدة موجودة لكان الوضع العالمي أسوأ بكثير فسيتحكم الأقوياء في مصير هذا العالم بدون رادع أو مرجعية قانونية أو أخلاقية أو نظام مساءلة.
وسنحاول في هذا المقال ومقالات لاحقة أن نقدم للقراء صورة عن أعمال هذه الدورة الأهم في تاريخ المنظمة الدولية.
المشهد الدولي عشية الدورة السبعين
تنعقد هذه الدورة للجمعية العامة، التي هي أقرب للبرلمان الدولي، وهناك 60 مليونا بين مشرد ولاجئ في عالم اليوم، قسم كبير منهم شرد أو هجر من وطنه في السنوات الثلاث الأخيرة، بعد تفاقم الصراعات المحلية أو تفاقم الأوضاع الاقتصادية، بحيث بدأت سفن المهاجرين واللاجئين تعبر المتوسط بطريقة غير آمنة، أدت إلى مصرع نحو 3000 إنسان منذ بداية العام. إن مشهد اقتلاع شعوب بحالها لم يشهد له العالم مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية. هناك الآن نحو 100 مليون إنسان بحاجة إلى مساعدات طارئة لـ»حماية الحياة»، أي واحد من بين كل 70 شخصا و700 مليون فقير معدم وملايين يموتون سنويا من الأمراض المعدية أو من قلة التغذية. الصراعات المسلحة والنزاعات عبر الحدود وداخلها منتشرة في نحو 16 بلدا من اليمن إلى ليبيا ومن سوريا والعراق إلى جمهورية أفريقيا الوسطى وشمال نيجيريا والصومال ومالي والكونغو وتشاد والسودان وجنوب السودان وأفغانستان وباكستان وكشمير وناغورنو كاراباخ وأوكرانيا وأوسيتا وأبخازيا وكوسوفو والقادم أعظم، إذا لم تتغير أساليب المنظمة الدولية في التصدي لتلك النزاعات.
قمة التنمية المستدامة
بدأت أعمال الدورة السبعين بكلمة شاملة للبابا فرنسيس، التي انحاز فيها للفقراء والمهمشين والضعفاء، وتبعها فورا مؤتمر على مستوى القمة لاعتماد أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر. فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بحضور 193 دولة، رسميا أجندة التنمية المستدامة 2030، التي تضم 17 هدفا تنمويا جديدا، تمثل رؤية شاملة ومتكاملة وتحويلية لتجعل الحياة على كوكبنا أسهل وأفضل. ووصف الأمين العام، بان كي مون، برنامج التنمية المستدامة للسنوات الخمس عشرة المقبلة بأنها «الأجندة الجديدة التي يتعهد فيها قادة جميع الشعوب في كل مكان القضاء على الفقر بجميع أشكاله – هي خطة لكوكب الأرض، عالمنا المشترك». وجاءت كلمة الأمين قبيل اعتماد الجمعية العامة الأجندة الجديدة المسماة «تحويل عالمنا: جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة»، ويتضمن الجدول 17 هدفا و169غاية أهمها القضاء على الفقر ومكافحة عدم المساواة ومعالجة المناخ على مدى الخمس عشرة سنة المقبلة. وترمي الأهداف للبناء على إنجازات الأهداف الإنمائية للألفية التي إعتمدت عام 2000 وتتابع تنفيذ ما لم ينفذ وتعديل وتوسيع هذا الأهداف لتصبح أكثر عالمية.
فلسطين غابت عن كلمات الوفود وحضرت عالميا في رفع العلم
لقد لاحظنا في هذه الدورة تغييبا متعمدا للقضية الفلسطينية من جدول أعمال الدورة السبعين للجمعية العامة، ومن كلمات العديد من الوفود، خاصة الدول الكبرى، حيث لم يشر إلى القضية الفلسطينية لا الرئيس الأمريكي أوباما ولا الرئيس الروسي بوتين. يختلفان على كثير من القضايا إلا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فيتنافسان على من يريد إرضاءها والانصياع لمشيئتها. وغابت الحرارة في الحديث عن فلسطين عن كلمات كثير من الوفود العربية، بينما اختار المغرب ألا يتطرق لفلسطين لا من قريب ولا من بعيد. طبعا هناك كلمات من عدد من الوفود منها كلمة الشيخ تميم أمير قطر ورئيس الوزراء التركي والرئيس الأندونيسي التي أكدت أن القضية الفلسطينية ما زالت القضية المركزية، وأن عدم حلها يشكل وصمة عار في جبين الدول التي تعطل هذا الحل.
لنقرأ ما قاله الرئيس المصري الذي مر على قضية فلسطين مرورا عابرا بعد أن تحدث عن جميع القضايا مثل الإرهاب وليبيا واليمن وسوريا والعراق واللاجئين والهجرة . قال «إن تسوية تلك القضية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية سوف يقضي على أهم عوامل عدم استقرار المنطقة… ولعلكم تتفقون معي على أنه لا بد من تسوية تلك القضية بدون إبطاء حتى تتفرغ شعوب المنطقة لبناء مستقبلها».
الأهم من هذه الكلمات هي مراسم رفع العلم الفلسطيني، الذي شارك فيه الأمين العام بان كي مون ورئيس الجمعية العامة وعدد كبير من الوزراء ومجموعة من زعماء العالم ظهر الأربعاء 30 سبتمبر. ولم أشهد تجمع وسائل الإعلام مثلما حدث في مراسم رفع العلم. لقد كانت الساحة التي خصصت للمراسم في حديقة الورد مكتظة بالدبلوماسيين والموظفين والصحافيين بشكل غير مسبوق. وكم كان جميلا صوت الزغاريد التي أطلقتها بعض النساء الفلسطينيات إبتهاجا بالمناسبة. صحيح الخطوة رمزية لكنها مهمة فلا يوحد مشاعر أبناء الشعب الواحد أكثر من رؤية علم البلاد يرفرف عاليا.
سوريا والإرهاب ومصير النظام
احتلت القضية السورية موقعا مهما تقريبا في كل كلمات الوفود والأنشطة والاجتماعات الثنائية والجماعية في مقر الأمم المتحدة. وتدور كثير من المباحثات حول التوصل إلى صيغة توافقية بين مجموعتين من الدول الكبرى حول تفسير «المرحلة الانتقالية» ومكان نظام بشار الأسد فيها.
وتؤكد مصادر دبلوماسية مطلعة لـ»القدس العربي»، أن المباحثات الجارية بين الأطراف الفاعلة تهدف إلى إيجاد «صيغة وسطية يتم من خلالها نقل السلطة في سورية لحكومة انتقالية بوجود ومساعدة نظام بشار الأسد. وهذا الموقف الذي تتبناه بعض الحكومات الأوروبية بهدف إيجاد جسور بين الموقفين الروسي المتشبث ببقاء الأسد والأمريكي المصر على رحيله. ويبدو أن ألمانيا بدأت تتقبل فكرة بقاء نظام الأسد في المرحلة الانتقالية خوفا من انهيار المؤسسات والنظام ككل.
لقد بدأت دول عدة تتعامل مع فكرة بقاء الأسد ولو لمرحلة انتقالية من أجل التخفيف من حدة التصادم مع روسيا، وخوفاً من تبعات انهيار كامل للنظام السوري، لذلك يتم العمل على خطة جديدة في هذا السياق تضمن عدم وجود فراغ سياسي ما بعد الأسد بحيث يسلم السلطة لحكومة انتقالية. وللحديث بقية.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام