العلمي/العاميّ: في كيمياء الشعر

..أَيُّها الموت انتظر! حتى أُعِدَّ
حقيبتي: فرشاةَ أسناني، وصابوني
وماكنة الحلاقةِ، والكولونيا، والثيابَ
هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ؟ وهل
تتبدَّلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء،
أم تبقى كما هِي في الخريف وفي
الشتاء؟
محمود درويش «الجداريّة»

شاعت في الشعر العربي الحديث، مفردات وعبارات ومصطلحات «علميّة» و«عامّية» مبذولة؛ يذهب في ظنّ كثير منّا أنّها ليست من لغة الشعر في شيء. وهذه ظاهرة تعزّز من وجاهة الرأي القائل بأنّه لا تقابل، بين اللغة العادية واللغة الشعريّة. فهاتان العبارتان، لغة عادية ولغة شعريّة، وهْمان وفكرتان مجرّدتان خلْو من المعنى كما يقول ميشونيك.
ولهذا نفضّل مثله أن يكون الكلام على القصيد قبل أن يكون على الشعر، ذلك أنّ كلمة شعر تحمل أكثر من معنى مختلف. وعليه فنحن لا ندري أنّنا عندما نستعمل هذه الكلمة «شعر»، نقول أشياء كثيرة في الآن ذاته. في حين أنّنا إذا تكلّمنا عن القصيدة أو القصائد، فإنّما نتحدّث عن شيء محسوس عينيّ. إنّ الشعر كلّية، ويمكن أن يكون أشياء كثيرة: معنى الشعر الأكثر حسّية هو ما نسمّيه «كمّية» أو مخزونا: الشعر العربي، الشعر الإسباني، الشعر الفرنسي، الشعر الإيطالي، شعر القرن العشرين؛ فهو مجموع القصائد التي كُتبتْ، وبعبارة أخرى فإنّ الشعر هو قبل كلّ شيء ما تصنعه القصائد. لنقلْ إنّه فعاليّة القصائد.
هذه الظاهرة قديمة، فقد عاب ابن سنان على أبي تمّام، لفظة علميّة مثل «كيمياء»، وعدّها من «الألفاظ العامّية المبتذلة، وليست من كلام الخاصّة، ولا يحسن نظم مثلها». جاء ذلك تعقيبا على قول أبي تمّام:
ليزدكَ وجدا بالسّماحةِ ما تَرى من كِيمِياءِ المجدِ تَغْنَ وتَغنَمِ
وقال أبو العبّاس أحمد بن عبد الله بن عمّار في الرّسالة المنسوبة إليه مشنّعا: «تالله ما يدري كثير من العقلاء ما أراد ولا يتكلّم بهذا إلاّ من يجب أن يحظر عليه ماله، ويطال في المرستان حبسه وعلاجه». ولكنّ آخرين مثل الصولي والتّبريزي شرحوا اللّفظة، ولم يروا فيها ما يعيب. قال: «كيمياء كلّ شيء جوهره». وأمّا الصّولي فلم يقف بالبيت كما لو أنّها ظاهرٌ لا يحتاج إلى فضل إيضاح وإبانة، أو هي مأنوسة لديه. وقد وردت لفظة «كيمياء» في مدحيّة أخرى لأبي تمّام:
مازال يمتحن العلى ويرُوضُها حتّى اتّقته بكيمياءِ السّؤددِ
وحملها الصولي على معنى «أعطته كنوزها وخالصها»، وأضاف: «وهذا مثل». ولم يعقّبّ عليها بغير ذلك. وليس هذا بمستغرب من الصّولي، وهو الذي نبّه على تطوّر لغة المحدثين وأشار إلى أنّ ألفاظهم كالمتنقّلة منذ عهد بشّار، إلى معان أبدع وألفاظ أقرب وكلام أرقّ، ووردت هذه الكلمة أيضا في قصيدته التي يخاطب بها علي بن الجهم يستنجز له وعدا:
فإمّا جاز منّي الشّعر فيهمْ وإمّا جاز منكَ الكِيمياءُ
ولكن من اللاّفت حقّاّ أن يسوّغ الآمدي المنتصر للبحتري، هذا الاستعمال، ولا يرى فيه ما يشين الشّاعر. قال: «قد أنكر عليه قوم «كيمياء السّؤدد»، واستهجنوه، وليس عندي بمنكر، لأنّه أراد بكيمياء السّؤدد،أي سرّ السّؤدد، الذي هو أخلصه وأجوده».
إنّ لهذه الكلمة «كيمياء» شأنا في النّصّ غيره في القراءة، وهي إنّما تُكتنه في سياق التّعبير الاستعاريّ الذي ينتظمها. ومن وظائف الاستعارة توسيع معنى لفظ أو اصطلاح هو عادة وقف على فئة خاصّة من النّاس. فلفظة (كيمياء) هي من اللّغة العلميّة التي يعيد الشّاعر «تحيينها»، شأنها شأن ألفاظ واصطلاحات علميّة كثيرة الدّوران في شعر أبي تمّام. على أنّنا لا نستغرب أن يختلفوا بشأن لفظة مثل «كيمياء»؛ لسببين على الأقلّ:
أوّلهما أنّ هذه الألفاظ مخصوصة بمعان دقيقة موضوعة لها. وكلّ منها قائم بنفسه، متحقّق بحقيقته، فإذا انتقلت إلى سياق استعاريّ، اضطربت دلالتها، وربّما ضاعت هي نفسها، وبضياعها يضيع عالم اليقين اللّغويّ، وكأنّ استبدال السّياق ضرب من المسخ، ينسخ تأثير الكلمة أو يسلبها قوّتها الإيحائية. وثانيهما أنّ لفظة «كيمياء» نفسها قد اختلفت الآراء فيها وفي أصلها. فهي عند البعض لفظة عربيّة أصيلة، مشتقّة من «كمى الشيء وتكمّاه: ستره». وهي عند آخرين لفظة أعجميّة معربة عن الفارسيّة أو العبرانيّة. ونقل الصّفدي أنّ أصلها العبراني هو»كيم به» وتعني أنّها من اللّه.
أمّا عند أبي تمّام، فإنّ استعمال لفظة كهذه، ممّا يوائم مذهب الصّنعة الذي اشتهر به، ومن كيمياء اللغة نفسها. ذلك أنّ «علم» الكيمياء القديم قام على أساس تحويل المعادن الرّخيصة إلى معادن نفيسة. ويعرّفه ابن خلدون بأنّه، «علم ينظر في المادّة التي يتمّ بها تكوين الذّهب والفضّة بالصّناعة»؛ أي من غير معادنهما أو بواسطة ما اصطلحوا على تسميته بـ»الإكسير» أو «حجر الفلاسفة»، مستندين إلى فكرة مفادها أنّ المعادن المنطرقة كلّها نوع واحد، وأنّ مردّ اختلافها إلى الكيفيّات الموجودة فيها من حيث هي أعراض متغيّرة. وقد شاعت هذه «الصّنعة» عند القدامى، من الذين اشتغلوا بالكيمياء ونسجوا الأساطير حول نشأتها. ولكن ظهر منهم من أنكرها وقال باستحالة وجودها.
فلعلّ شغف أبي تمّام بهذه اللّفظة، من شغفه بفكرة النّوع أو الجوهر الواحد للمادّة والأعراض المتغيّرة فيها، من جهة، وهي التي أدار عليها لغته وشعره، وبأسلوب الرّمز والإلغاز في بناء الصّورة خاصّة، من أخرى. وهو الأسلوب الذي توخّاه حكماء الكيمياء القديمة في عرض نظريّتهم، ولكن برموز واصطلاحات خاصّة بهم، أو هي من المتّفق عليه عندهم. وقد نظموا بعضها شعرا كما فعلوا في علوم أخرى مثل علم النّحو.
هذه الظّاهرة التي نسمّيها بـ«الكلام المبذول» أو «كثير الاستعمال»- على قلق التّسميةـ إذ لا نملك مصطلحا آخر يفي بالمرام، قد تكون من أهمّ الظّواهر التي تسترعي النّظر في الشّعر قديمه وحديثه. وينبغي ألاّ نستغرب ذلك، فقد تبلغ الحال بالشاعر، درجة قصوى يعجز التّخاطب الكتابيّ عن أدائها، فيترجّح الخطاب لديه؛ في الشّفهيّ على قاعدة نوع من التّرخيم أو الحذف، قد يكون نحويّا وقد يكون موسيقيّا، وذلك بتأخير «النّبر»، مثلما يترجّح على قاعدة من التّداخل أو التّراكب اللّغويّ؛ كأنْ تنوب الكلمات «العلميّة» أو «الشّعبية» أو «السّوقيّة» مناب الكلمات الكتابيّة القاصرة، وتردّ عليها قيمة الشّفهيّ التّعبيريّة. ونحن نؤثر أن نسمّي الأولى الكلمات الشّفهيّة، فهذا اصطلاح جامع مانع يجنّبنا الوقوع في أحابيل ثنائيّة ضدّية لا سند لها، من وجهة نظر لغويّة علميّة، كما بيّنّا في مقال سالف. ونعني «شرافة» الألفاظ و»وضاعتها»، إذ لا امتياز لكلمة على أخرى ولا لحرف على آخر. ومن البديهيّ أن تنهض العلامة المكتوبة بهذا الاستبدال الذي يتحصّل من محاكاة الشّفهيّ، سواء في التّركيب الشّاذ القائم على الحذف والإضمار، أو في المعجم المتنافر، حيث يجاور النصّ بين فصيح وعاميّ، ويملي على الثّاني ما ليس من خاصّة بنيته وتركيبه.
ثمّة قصائد غير قليلة تتأدّى في حيّز هذا السّجلّ اللغوي المخصوص. والملاحظ الذي نسوقه على حذر، أنّ هذه القصائد تتعارض وإكراهات الكتابة، وتتصرّف تصرّف الكلام الشّفهيّ؛ بما يمكن أن يمثّل قطيعة وفسخ عقد وتصدّعا في النّص، وأسلوبا «خلاسيّا» في الخطاب حيث سجّل التّنظيم الكتابيّ المتّسّق، يقاطعه سجلّ الشّفهيّ ويخترقه؛ على نحو ما نرى في «جداريّة» درويش. فإذا الخطاب منتظم في أسلوبين جدّ مختلفين جدّ متعارضين. ولكلّ منهما قوانينه الخاصّة، وإذا الكلمة وقد لابسها الشّفهيّ أشبه بـ«صوت متقطّع» تشرخه «تأثّريّة» حادّة. وقد لا نعدو الصّواب إذا اعتبرنا ذلك نوعا من انزلاق الكتابيّ أو من جنوحه إلى الشّفهيّ؛ حيث ينعطف الكلام وينثني ويرتدّ بعضه على بعض، أو عدولا خطابيّا وانعطافا أسلوبيّا يتنكّب السّبل المطروقة.
ولكنّ هذا الوصف على «رجاحته»، لا يسلم من التّناقض، فالنّص المحكوم بهذه المشادّة بين شفهيّ وكتابيّ، ينزع – افتراضا- إلى مناسبة «أفق التّوقع» لدى المتلقّي (الجمهور) مادام يأخذ بـ«المشترك» اللّغويّ أو بالكلام اليوميّ المحكيّ الجاري على ألسنة النّاس. وفي ذلك دلالة على أنّ الخطاب الشّعريّ يمكن أن يقترب من هذا الكلام، مثلما يمكن أن يبتعد. فإذا اقترب، فقد يجرّده ذلك من قيمته الفنيّة أو الجماليّة. أمّا إذا ابتعد، فإنّ العدول الشعريّ قد يسوق إلى عزوف القارئ أو المتلقّي المضمر (الموجود بالقوّة) عن الأثر، أو إلى صدّه ورفضه. غير أنّنا نشير إلى أنّ الاقتراب من الكلام العاديّ أو المبذول، ليس ابتعادا عن الشّعريّة أو ضآلة حظّ منها. فمن الكلام العاديّ أو المشاع، ما يترقّى إلى مستوى الكلام المملوك، كما هو الشّأن عند محمود درويش أو سعدي يوسف أو الماغوط.

كاتب تونسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية