في تصريحات نادرة للرئيس السابق للاستخبارات الخارجية البريطانية ((MI6 السير جون سويرز صباح أمس للمحطة الرابعة في «بي بي سي»، أكد أن التدخل العسكري الروسي في سوريا سينجح في «إبقاء الرئيس بشار الأسد لفترة طويلة»، لكنه استبعد أن يستعيد النظام السيطرة بالكامل على سوريا موحدة.
وأشار إلى أن الهدف الرئيسي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو إنقاذ نظام الاسد باعتبار أنه حليفه الرئيسي في الإقليم، ولكنه في الوقت نفسه يثبت للولايات المتحدة أن روسيا ليست مجرد لاعب إقليمي، بل أنها قوة دولية لا يمكن تجاهلها، وبالتالي سيتعين على أي إدارة أمريكية أن تتحدث معه بشأن مستقبل سوريا.
وأكد سويرز أن الغرب سيتعاطى مع هذا النجاح الروسي بأسلوب «براغماتي» في إشارة إلى أنه سيقبل ببقاء الأسد، واقترح أن يتم حل الأزمة السورية باعتماد الأسلوب الذي اتبع في تسوية أزمة البلقان خلال التسعينيات من القرن الماضي، عبر تشكيل «مجموعة اتصال» تضم القوى الغربية وتركيا والسعودية وإيران، للبحث عن ارضية مشتركة للتفاهم».
ومن المهم التوقف مليا عند هذه التصريحات، ليس فقط لأن جهاز الاستخبارات البريطانية كان عبر التاريخ واحدا من أقدر المؤسسات في الغرب على فهم الشرق الاوسط، لكن لأن تصريحات كهذه لا تصدر من غير موافقة سياسية وأمنية مسبقة، وبالتالي فإنها تشير إلى توجهات صانعي القرار في الغرب وليس بريطانيا أو اوروبا فقط.
وفيما يلي بعض النقاط الأساسية التي يمكن للمراقب أن يقرأها بين سطور تلك التصريحات، في ظل التطورات المتلاحقة في المشهد السوري:
اولا- ربما يكون من الخطأ أن يسارع البعض إلى الاعتماد على حديث حلف الناتو بشأن حماية تركيا، حيث أنه لم يحرك ساكنا رغم تكرار الخروقات الروسية للأجواء التركية، رغم انها كانت متعمدة، حسب بعض التقارير، وهدفها توجيه رسالة واضحة إلى أنقرة بعدم التفكير في التدخل، سواء جويا أو بريا. ويذهب البعض إلى أن الناتو ليس في الحقيقة سوى «غرفة للكلام» حيث انه لا يمكن أن يتورط في حرب أو مواجهة مع روسيا من أجل اي بلد عربي أو إسلامي، وان اقصى ما قد يحدث هو التوصل إلى ترتيبات عسكرية لمنع حدوث احتكاكات مع روسيا في الاجواء السورية.
وحسب الشاعر العربي العظيم ابو تمام فإن
(السَّـيْـفُ أَصْــدَقُ أَنْـبَــاءً مِـــنَ الـكُـتُـبِ
فِـي حَــدهِ الـحَـدُّ بَـيْـنَ الـجِـد واللَّـعِـبِ)،
وبكلمات اخرى فإن البنتاغون والناتو وغيرهما تستطيع أن تقول ما تشاء، إلا أن ما يهم فقط الان هو ما يجري على الارض من تحول جذري في موازين القوى.
ثانيا – أن جدية التدخل الروسي، بغض النظر عن حقيقة اهدافه، قد تسببت في احراج الولايات المتحدة، والقضاء على ما بقي من مصداقيتها في الشرق الاوسط. وحتى اذا كان نصيب التنظيمات الارهابية من الغارات الروسية لا يزيد عن الثلث أو حتى الربع، فلا بد أن لسان حالهم اصبح يردد المثل الفلسطيني البليغ الذي يقول (اجه من يعرفك يا بلوط)، وبكلمات اخرى فانه بعد الغارات الامريكية الفاشلة أو الشكلية عليهم أصبح الارهابيون يتعرضون لهجمات حقيقية من قوة عظمى تدافع عن صورتها قبل اي شيء آخر. وعلى عكس ما يتوقع أو يتمنى البعض يبدو أن الروس تعلموا الدرس من افغانستان، ولا ينوون التورط في المستنقع السوري عبر إرسال قوات برية.
ثالثا- أن الغرب، ولاسباب ثقافية وسياسية، اختار مقاربة براغماتية للأوضاع الجديدة التي خلقها التدخل الروسي، بمعنى انه سيحاول الخروج باقل قدر من الخسائر الاستراتيجية والمعنوية مقابل بعض المكاسب، إذ أن روسيا قد لا تتردد في الضغط على الأسد لتقديم تنازلات حقيقية تجعل الحل السياسي ممكنا، بما في ذلك إعادة هيكلة النظام نفسه، واقامة مناطق حكم ذاتي، ومنح ممثلين عن المعارضة المعتدلة صلاحيات سياسية وامنية حقيقية في الحكومة، واقصاء عدد من القيادات المعروفة بتاريخها الدموي عن الحكم.
رابعا- أما بالنسبة إلى الدول العربية التي استثمرت كثيرا وطويلا في اعتبار إطاحة نظام الاسد فورا شرطا مسبقا ومدخلا وحيدا للحل، بل وذهب بعضها بالتهديد بتدخل عسكري لتحقيق ذلك، فربما حان الوقت أن تتمهل قليلا، وان تقبل مواجهة «ساعة الحقيقة»، بدون أن يعني هذا بأي حال من الاحوال التراجع عن أن نظام الاسد يتحمل جل المسؤولية الاخلاقية والسياسية والجنائية عن التراجيديا الدموية التي عاشتها سوريا خلال الاعوام الاربعة الماضية، لكن عبر العمل على تحجيم وجوده، تمهيدا لسقوط طبيعي قد يعجل به اختفاء «داعش» من المشهد، واقتناص المكاسب الممكنة للشعب السوري في ظل الموازين الجديدة للقوى ليس في سوريا فحسب بل في الاقليم ايضا.
أخيرا فان رهان البعض على «مذهبة» التدخل الروسي، باعتباره مناصرا للشيعة ومعاديا للسنة، أو احياء لـ»الحرب الصليبية» يحتاج إلى مراجعة، حيث أن دولا سنية رئيسية إما ايدته علنا، مثل مصر، أو لجأت إلى «السكوت» الذي هو «علامة الرضا»، حسب المثل المصري، ليس حبا في الأسد أو ثقة في الروس، ولكن تعبيرا عن مصالحة استراتيجية في ظل قلق وربما رعب حقيقي من سيناريو سقوط دمشق في ايدي «داعش».
اما حديث الكنيسة الروسية عن «حرب مقدسة»، فينبغي قراءته في اطاره الطبيعي، وهو أن بوتين اعلن الحرب على تنظيم ارهابي حرق عشرات الكنائس، وذبح بدم بارد مئات أو الافا من المسيحيين، ورحل الملايين منهم عن بلاد سكنوها منذ فجر التاريخ. وقد صدرت عن الأزهر الشريف فتوى مشابهة بمقاتلة «داعش» لما ارتكبه من جرائم اكثر بشاعة بحق المسلمين من كل الطوائف.
فهل يجيد العرب قراءة المشهد، أم يقعون في أخطاء جديدة قد تجعلهم «ايتام داعش»، وتكلفهم المزيد من الاثمان الباهظة؟
كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي