الحاخام، والجنرال، و«العلماني» بينهما!

حجم الخط
2

 

تقول الحكاية ـ بنت الماضي القريب، لكنها بنت الساعة أيضاً… ـ إنه بعد ساعات معدودات أعقبت استيلاء القوات الإسرائيلية على القدس القديمة، في حزيران (يونيو) عام 1967؛ هرع كبير حاخامات الجيش الإسرائيلي آنذاك، شلومو غورين، إلى الجنرال عوزي ناركيس، (قائد الوحدات الإسرائيلية التي استولت على المدينة)، لكي يحثه على إصدار أمرَين كفيلَين بتتويج خوذته بأرفع أكاليل الغار: تدمير قبّة الصخرة، وتقويض المسجد الأقصى.
وفي حوار، كانت صحيفة «هآرتز» قد أجرته صيف تلك السنة مع الجنرال ناركيس، ونشرته لاحقاً، بعد أن تحقق شرط الجنرال في تأجيل النشر إلى ما بعد وفاة جميع الأشخاص المرتبطين بالواقعة، وبينهم هو نفسه؛ أكد ناركيس أنّ الحوار التالي دار يوم 7 حزيران (يونيو) 1967 في ساحة المسجد الأقصى:
ـ الحاخام غورين: الآن هو الوقت المناسب لوضع 100 كغ من الموادّ الناسفة، وتدمير مسجد عمر، وتخليصنا منه مرّة وإلى الأبد.
ـ الجنرال ناركيس: كفّ أيها الحاخام!
ـ ولكن يا عوزي اسمك سوف يدخل التاريخ من أوسع أبوابه!
ـ اسمي دخل لتوّه في كتب التاريخ الخاصة بأورشليم.
ـ أنت لا تدرك المغزى الهائل لهذا الفعل. هذه فرصة يتوجب اغتنامها الآن بالذات. غداً سوف تفوت الفرصة نهائياً.
ـ إذا لم تكفّ عن هذا الكلام، فسوف أصدر أمراً باعتقالك.
وتقول بقية الحكاية إنّ هذا الحوار تناهى إلى أسماع الجنرال موشيه ديان، وزير الدفاع آنذاك، وأنه لم يتخذ أيّ إجراء رادع بحقّ الحاخام، بل سمح له أن يلقي خطبة نارية أمام عدد كبير من الضباط، قال فيها بالحرف: «إنها لمأساة أن تكون إسرائيل قد تلكأت في تدمير مسجد عمر».
وقبل الحاخام غورين، كان زميل له قد هاجر من ليتوانيا إلى فلسطين، حاملاً رسائل النار والدمار والاحتقار لـ»هؤلاء العرب البداة، محتلي أرض الميعاد التي خصّ بها الربّ إسرائيل وحدها من دون الأمم». لكن الحاخام أفراهام إسحق كوك أبدى، أيضاً، مقداراً غير قليل من الاشمئزاز تجاهه «أولئك الصهاينة العلمانيين»؛ الذين يأكلون لحم الخنزير، ويستبدلون التوراة برطانة عقائدية «ليبرالية» أو «اشتراكية» ليست، ولن تكون، أقلّ من «هرطقة صريحة ضدّ التوراة وضدّ الربّ». ابنه، الحاخام تزفي يهودا، ألقى محاضرة نارية بدورها، عشية انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة؛ مذكّراً مستمعيه بما لحق بإسرائيل من «غبن» جراء قرار التقسيم: «أين الخليل التي تخصّنا نحن؟ أين أريحا التي لنا؟ هل سننسى أريحا؟ وماذا عن الضفة الأخرى من الأردن؟ إنها ملك إسرائيل في كلّ شبر منها، فمَنْ ذا الذي يملك الحقّ في التنازل عن ملليمتر واحد منها»؟
والحال أنّ السنوات الـ67 من عمر إسرائيل، «الرسمي» على الأقلّ، ليست سوى سجلّ حافل بالحروب التي خاضها الحاخام، كتفاً إلى كتف مع الجنرال، وبينهما ذلك «الصهيوني العلماني» إياه. ولتحقيق ترابط كهذا تحديداً، كان هرتزل قد أوصى بضرورة أن يكون الحاخامات على مرمي حجر من الساسة، دائماً وأبداً؛ وكتب بصراحة بليغة: «في الدولة اليهودية القادمة، لا بدّ من بقاء الكنيس ماثلاً أمام البصر. ينبغي أن يظل مرئياً». والكنيس، وفي داخله شخص الحاخام الذي يوحّد، بل يجسد، مفهوم «المواطنة اليهودية» في إسرائيل؛ هو الرافعة خلف سلسلة السياسات التي سعت على الدوام إلى تهويد القدس، وحصار الأقصى، وتوسيع الاستيطان، وممارسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين، سرّاً وعلانية.
وفي هذا يستوي أرييل شارون مع شمعون بيريس، وبنيامين نتنياهو مع إسحق رابين، وإيهود باراك مع إيهود أولمرت… ما دام الحاخام كوك قد تساوى، ابتداءً، مع الكيبوتزي الأول… دافيد بن غوريون!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية