غـــــلاف الترجــــمة الفرنســـية (منشـــورات Actes sud، باريس 2013) لـ«نهاية الرجل الأحمر»، رواية البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفتش، حاملة نوبل الآداب للعام 2015؛ يحمل صورة فوتوغرافية، بعدسة أندريه ليانكفيتش، بالغة الذكاء، عالية التأثير، غنيّة التفاصيل: امرأة، في أواخر العمر، تخطو على نحو أقرب إلى المشية العسكرية، في ساحة فسيحة يجللها ضباب شفيف، ترتدي ثياباً حمراء بالكامل (من السترة والتنورة، إلى القبعة والجوربين)، تتأبط حقيبة يد نسائية حمراء، كُتبت عليها المختصرات الشهيرة CCCP؛ وفوق هذا وذاك، ترفع باليمنى علم الاتحاد السوفييتي الأحمر الشهير، ذا المطرقة والمنجل، وتشير باليسرى إلى الأمام، حاملة باقة ورود… حمراء، بالطبع!
هذه السيدة هي نموذج «الإنسان السوفييتي»، أو على وجه الدقة: الـ Homo Sovieticus الذي جهدت ألكسييفتش إلى إعادة التقاط أصواته، كما هي مبعثرة في عشرات من الشخوص، رجالاً ونساء، صنعوا موضوعات الكتاب، ورسموا صورة هذا الكون، وربما الأكوان، في حقبة ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي القديم: هنالك المنشق البوهيمي والآخر الليبرالي والثالث الحائر، وهنالك الشيوعي التقليدي، والآخر المتجدد، والثالث الضائع… ليست هذه مختصرات تاريخ مضى وانقضى، ولا هي سِيَر تسرد حكاية بلد وأمّة وبشر أفراد؛ بل هي، قبلئذ وأساساً، أنماط متغايرة من السرد التوثيقي، بل الوثائقي، الذي يحاذي التاريخ من دون أن يغادر الصحافة، ويحكي ما هو تسجيلي من دون أن يفارق النزوع المركزي الذي حكم كتابات ألكسييفتش طيلة عقود: الريبورتاج الأدبي، أو كتابة تاريخ المأساة الإنسانية عبر سرد أدبي يتوخى السجلّ والوثيقة، كما نظّر له الناقد السوفييتي (البيلاروسي) أليس أداموفيتش؛ أستاذ ألكسييفتش الذي أنار دروب هذه الأسلوبية المنفردة.
وفي تعريف هذا «الإنسان السوفييتي»، وعلى سبيل التعقيب على كتابها بشأنه، تقول ألكسييفتش: «أعتقد أنه إنسان معقد. وأقول على الفور إنه أصابني بالخوف أثناء اشتغالي على الموضوع. ذلك لأنني عشت، وما أزال أعيش، معه. ويحدث أنني أُعجب به، لأنه عرف كيف يكون عظيماً. لعلّ هذا هو الشيء الوحيد الذي نجحت فيه السلطة السوفييتية: أي خلق نمط جديد من الإنسان. تلك محاولة نحو حضارة بديلة انتهت إلى حمام دم. وهذا الإنسان الجديد ولد من رغبة في حلم. كبر في مناخ من العنف، فمات مثلما قَتَل. وإنه أهلي، وإنه أنا. لم أستطع التحرر منه سريعاً، رغم أنني كتبت بنفسي المؤلفات التي تقتفي درب هذا الإنسان السوفييتي. إنه، إذاً، إنسان بالغ التعقيد. خليط من إنسان مثالي وإنسان شوّهه النظام التوتاليتاري».
كتابها الآخر، الذي صدر في ترجمته الفرنسية عن الدار ذاتها، نُشر تحت عنوان «أعمال»، وضمّ ثلاث روايات: «ليس للحرب وجه امرأة»، عن النساء خلال الحرب ضدّ ألمانيا النازية؛ و»آخر الشهود»، عن أولئك الذين كانوا مجرّد أطفال خلال الحرب؛ و»تضرّع»، عن ضحايا كارثة شيرنوبيل النووية. «إنني أنظر إلى العالم بعينَيْ أديبة، وليس مؤرّخة»، تقول ألكسييفتش عن كتابة تقصّ من دون أن تتلهف على فتح ملفات التاريخ؛ وتنبش باطن الذاكرة، البشرية الحية مثل تلك المنطوية المدوّنة، بحثاً عن تواريخ الألم، وسرديات العذاب، وبواطن الكارثة. مفهوم الصوت، الذي امتدحته أكاديمية نوبل في حيثيات منح الجائزة، لا يشكّل نسيج السرد في مستوياته التقنية، من حيث التعدد المألوف الذي صار يُعرف تحت مسمّى الـ»بوليفونية»، فحسب؛ بل هو، أيضاً، خيار عميق ضارب الجذور، لم يكن للكاتبة غنى عنه خلال حفرها الأركيولوجي في طبقات ذاكرة تعددية بالضرورة، متغايرة تارة، متطابقة طوراً، غامضة غالباً، مكشوفة إلى درجة فاضحة جارحة أحياناً.
وفي بحثها، المحموم، الحارّ، والقَلِق أبداً، كما يتوجب القول ـ عن مسالك العثور على «حبيبات» تلك السرديات، حسب تعبير ألكسييفتش؛ كان الروائي الروسي الكبير دستويفسكي هادياً لها، ومحرّضاً، من خلال سؤاله الكبير الشاقّ: «كم إنسان يوجد داخل أيّ إنسان واحد؟».
وبذلك فإنّ «بناء الإنسان. بناء ما يقوّي روحه، وما يحدّثه عن الأخطار المحيقة بتلك الروح»، هو أحد أبرز مهامّ الكاتب، كما صرّحت ألكسييفتش مراراً. وليس بغير دلالة خاصة، وكبيرة، أنّ التزامها بأداء هذه المهمة، تحديداً، قد جلب عليها سخط نظام ألكسندر لوكاشينكو؛ لأنّ جميع مؤلفاتها ممنوعة من النشر في بلدها الأمّ، بيلاروسيا؛ وحين تسمح السلطات بإدخال الطبعات الروسية من أعمالها، من باب مغازلة الاتحاد الأوروبي، فإنّ سعر النسخة الواحدة يكون خيالياً بالقياس إلى الدخل المتوسط المتواضع في البلد.
أليس في هذا التفصيل، أيضاً، فتنة تسجيلية خاصة؟
صبحي حديدي