كل يوم يزوّد الفلسطينيون العالم بفيديوهات جديدة، أسطورية ورائعة. كان آخرها مع الشريط المذهل لأحد أبناء دورا – الخليل زياد أبو هليل وهو يواجه جنود الإحتلال بصدره ويديه لمنعهم من إطلاق النار على الأطفال. حاول بجسده، وبحواره معهم بالعبرية إلى أن أغمي عليه.
سقوطه على الأرض أظهر كم من المصورين كانوا وراء المشهد، فقد هرعوا جميعاً إلى جسده المسن، انحنوا إليه وأسعفوه، ما دفعنا بالتالي إلى توقع فيديوهات جديدة للمشهد، والعديد من الصور الفوتوغرافية.
كان بديهياً أن تسعى الفضائيات لمقابلة الشيخ الخليلي، وهذا ما حدث فعلاً حين استضافته «الجزيرة» عبر الأقمار. غير أن الزميلة المذيعة وسيلة العولمي فشلت في تقديم صورة أخرى للشيخ، الذي رأيناه في أبهى صوره في الفيديو إياه. كل ما قاله الرجل هو الكلام المعتاد عن مقاومة الإحتلال، وانتهاكاته، خطاب بدا محضراً سلفاً، وبالطبع لا ألوم الرجل هنا، بل ألوم المحاور الذي لم يفلح في العثور على سؤال يستفز صورة مغايرة يحتاج متابعو الحدث الفلسطيني لمعرفتها؛ من هو هذا الرجل، ما مهنته، ماذا عن لغته العبرية، كيف تعلمها، ماذا عن علاقته مع الـ»فيسبوك» ومختلف وسائل التواصل الإجتماعي، حيث هناك أكثر من صفحة «فيسبوك» تحمل اسمه. تفشل القناة في حمل الرجل على أن يفتح صدره للناس، وتقديم إضافة للجمهور. لقد ضيعت وقته الثمين، ووقتنا.
ثورة ضد الغرور
في مقابلة معه، قال المخرج السينمائي السوري سمير ذكرى «يا ليت فشلت أفلامي كلها وما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم». وأضاف «ليس موضع افتخار لي أن أفلامي تنبأت بالكارثة قبل وقوعها؛ إطلاقاً؛ لو فهموا أفلامي لما وقعنا بما نحن فيه اليوم، أجل؛ لقد استشعرتُ الزلزال السوري». كلام يقوم على افتراضين؛ الأول أن المخرج ما زال يعتقد بأن أفلامه ناجحة، والثاني أن السوريين عاجزين عن فهم أفلام مخرج «علاقات عامة»، و»تراب الغرباء»، وإلا كان ينبغي له القول «لو سمعوا كلامي». ولكن في الحالين، عدم الفهم، أو عدم السماع، يعود المخرج إلى لعب دور المثقف الرسولي، أمام شعب عاجز عن الفهم، يُنتظر منه أن يصغي لمخرج سينمائي من وزن ذكرى كي ينجو.
من بين ما يحفظه المرء عمّا قيل في ثورة السوريين هناك هذه العبارة لكاتب سوري معارض «إنها ثورة العاديين ضد غرور السلطة وغرور المثقفين وغرور الأحزاب». يبدو أن لا سبيل إلى تواضع مخرجي السينما إلا بعشرين ثورة أخرى.
في غرام الديكتاتور
لافت مديح الفنان السوري جمال سليمان، المعارض لنظام بلده، للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. جاء المديح حين أبدى، على صفحته في «فيسبوك»، إعجابه بكلمة الرئيس السيسي في «الجمعية العامة للأمم المتحدة» معتبراً أنها «كانت موفقة إلى أبعد حد»، متوقفاً عند حديث السيسي عن محاربة التطرف «الذي يجب محاربته لا بالمقاومة المسلحة فقط، وإنما بإشراك الشباب في عملية صنع المستقبل»، إلى «الحديث بإسهاب عن مفهوم التنمية المستدامة التي تخلق المجتمعات الفاعلة المنفتحة التي تنبذ التطرّف».
يستطيع الفنان أن يغلف إعجابه بالرئيس بتعداد ما شاء من نقاط في خطاباته، ليشارك في مهرجان مديح الديكتاتور المصري. بإمكانه أن يقول إنه أعجب بالكلمة لا بالرئيس، وهو يعرف جيداً أن ليس كل من تحدث عن الديمقراطية والتنمية والمستقبل الزاهر يعني ذلك فعلاً.
كيف يمكن للفنان والمثقف أن يكون معارضاً للديكتاتور في بلده، ويتحمل الويلات في سبيل ذلك، ليمضي من ثم إلى أقرب ديكتاتور ليمدحه. ذلك يذكر بموجة المثقفين العراقيين اللاجئين إلى دمشق هرباً من بطش صدام حسين، ولكن ليمضوا العمر في مديح وصنع التماثيل لحافظ الأسد، ولعل أبرزها ما زال واقفاً إلى اليوم وسط دمشق.
لا ندري علام يعارض الفنان السوري نظام بلده إذا كان واقعاً إلى هذا الحد في غرام نظام ديكتاتوري شبيه! وبالمناسبة؛ خطابات بشار الأسد لم تكن تخلو من حديث عن الديمقراطية والتنمية والشباب والمستقبل الزاهر.
ديكور اللجوء
مصور مجري نشر صوراً فنية لعارضة متأنقة بأحسن الثياب والماركات، بصدر وبطن مكشوفين، ونظرات مثيرة، في وضع امرأة لاجئة على الحدود. الصور أثارت انتقادات على مواقع التواصل اللإجتماعي، اعتبرت أن المصور يستثمر في مأساة اللاجئين، إن لم نقل إنه يسخر من الضحايا.
يختلف الأمر حين تشاهد صوراً واقعية من مواقع اللجوء وقد تجد فيها وجوهاً ونظرات في منتهى الجمال، حين ترى الجمال المخبوء في تلك الظروف اللا إنسانية. أما تصنيع صور مشابهة فليس سوى نوع من التجارة والدعاية لجهاز موبايل باهظ الكلفة، لتصاميم فساتين، وأحذية وماكياجات.
المصور دافع عن عمله بالقول إنه أراد إثارة تفكير واهتمام الناس بخصوص اللاجئين، لكن قد يكون القول الفصل لنظرتك كمتلق، كيف تشعر إزاء صور من هذا القبيل؛ هل تتعاطف؟ لا أدري لماذا يدهمنا شعور كما لو أن مفردات اللجوء؛ الأسلاك الشائكة، والأعمدة الخشبية التي تسندها، كما ظهرت في الصور، كما لو أنها عناصر ديكورية مكملة، كما يحدث حين تضع في حديقتك عجلة خشبية قديمة، أو برميل نبيذ، أو باباً حديدياً صدئاً!
حين يقرّ البرلمان المجري صلاحيات تسمح لحرس الحدود بإطلاق النار لمواجهة اللاجئين، سيكون الفنانون، على ما يبدو، أول من يطلق النار.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى