لعبة السياسة وصناعة الحرب… أمريكا المترددة

الانتصار أو الهزيمة ليستا مجرد أوصاف أدبية أو مجازية، وبالتأكيد هي أشياء لا تقاس بمدى الدمار أو عدد القتلى في أي معركة أو حرب، فالنصر بصورة عملية يقاس بمدى ما حققه الطرف المنتصر من الأهداف التي تبناها أو أعلنها، أو حتى تصورها قبل دخوله الحرب، فالحلفاء حققوا النصر في الحرب العالمية الثانية لأنهم تمكنوا من القضاء على النازية والفاشية، بينما اعتبرت فرنسا وبريطانيا مهزومتين في أزمة قناة السويس 1956، على الرغم من التفوق الميداني الكبير، وكان فشلهما في الإطاحة بعبد الناصر يكتب شهادة الوفاة لعصر الإمبراطوريات الاستعمارية.
ضمن هذه التصور فإن الأمريكيين يخرجون خاسرين مرة أخرى من تدخلهم العسكري في أفغانستان بعد نحو 14 سنة، فطالبان أصبحت تقاتل مؤخراً في كابل وليس في أي مكان آخر في أفغانستان، والفشل العسكري يترافق مع فشل سياسي يتمثل في خلق حكومة فاشلة بصورة مزرية، جعلت طالبان خياراً اقتصادياً لجيوش العاطلين من الأفغان، فالتقرير الذي عرضته شبكة «سي إن إن» مؤخراً يظهر إقبال أعداد كبيرة من الشباب الأفغاني على الانضواء في الحركة، لأنها توفر أوضاعاً مادية لمقاتليها أفضل من تلك التي توفرها الحكومة في حالة انضمامهم للقوات النظامية، وبالطبع، فالفشل الاستخباراتي أيضاً يطل برأسه بعد سنوات من استصدار قوانين محاربة غسيل الأموال، ومحاولات تجفيف مصادر تمويل الحركة، والنتيجة أن الحركة ما زالت على قيد الحياة، وهي قريبة مرة أخرى من السيطرة على الجزء الأكبر من البلاد، وربما فرض دولتها وقانونها من جديد، وإذا كان ثمة منافس حقيقي لطالبان على الأرض فهو الجماعات التي أعلنت ولاءها لتنظيم «داعش».
محطات فشل أمريكية متتابعة من كوبا إلى فيتنام والصومال إلى العراق وأفغانستان وليبيا، بمعنى أن الأمريكيين يخوضون حروباً بدون رؤية وبدون تحضير مناسب، وأمامنا افتراضان كارثيان، فإما أن واشنطن اتخذت قرارها بالتدخل في العراق بناء على معلومات قدمتها المخابرات الأمريكية حول أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين، وهذا الافتراض يضرب بعنف سمعة الأجهزة الأمنية الأمريكية وقدراتها، ويجعل الشكوك تدور بأثر رجعي حول مغامراتها في زمن الحرب الباردة، أو أن الولايات المتحدة دلست ولفقت هذه الذريعة من أجل تحقيق مصالح حفنة من الرجال في الحلقة الضيقة حول الرئيس بوش الابن، ما يجعل المخاوف تستقر وتتأكد لدى حلفاء أمريكا قبل أعدائها، ويفترض أن الدرس الذي قدمه الأمريكيون عملياً مع زين العابدين بن علي وحسني مبارك ما زال ماثلاً إلى اليوم.
أين تكمن مشكلة واشنطن، الجميع يحارب من أجل أهدافه ومصالحه، ولكن بدون كل ذلك التخبط، بريطانيا اقتنصت انتصاراً سريعاً وحاسماً في جزر الفوكلاند في ظروف صعبة ومعقدة، بينما الأمريكيون ومعهم الناتو يكتفون بالمشاهدة للمحافظة على مصالحهم مع دول أمريكا اللاتينية، وكذلك فعلت فرنسا في ضربتها السريعة بشمال مالي، فلماذا يفشل الأمريكيون عسكرياً وسياسياً ويعايشون حالة من التوزع والتشتت بين الحلفاء والمحاور، فخسارة الحلفاء العرب بالجملة أتت لمصلحة إيران التي ما زالت معرضة لمخاطر جذرية، وحتى لو بقيت ايران بعيدة عن المخاطر المباشرة لسنوات قليلة مقبلة، فإنها لن تستطيع أن تواصل الصراع لاعباً رئيسياً في المنطقة، وستضطر للانكفاء ليشعل ذلك صراعها الداخلي من جديد، فالصراع الداخلي في ايران ينحسر جزئياً أمام التوثب الإيراني وراء الحدود والمطامع في الخليج والهلال الخصيب.
هل التخبط يأتي بوصفه نتيجة أصلا للوعود السياسية والعسكرية التي يبذلها الأمريكيون وكأنهم في موقع التصوير لفيلم سينمائي، أم أن التخبط يعد جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية الحديثة، وتعبيراً عن سياسة الوكالات، بحيث يصبح إنتاج الحروب، مهمة أمريكية لفتح مجالات العمل أمام الشركات المرتزقة مثل، بلاك ووتر بجانب شركات الأسلحة ومقاولي إعادة الإعمار، وبحيث تصبح الحرب هي الهدف بدون أن تكون بالضرورة غاية لتحقيق الهدف.
ربما لا يوجد مبرر عقلاني يمكنه أن يزاحم فرضية اقتصاد صناعة الحروب، كنموذج لتفسير السلوك الأمريكي، فالعالم الراكد اقتصادياً يحتاج إلى شرارة صغيرة تطلق شهوة الإنتاج الموجه بمتطلبات التدمير المتواصلة، هذه كانت الأسباب العميقة نفسها التي دفعت بهتلر لغزو بولندا، ليهرب من أزمات التضخم والبطالة، وكانت أيضاً الدافع الأساسي لدخول الأمريكيين الحرب في أوروبا، للتعافي من الكساد الكبير، بالطبع كانت توسلات تشرشل وحديثه حول مستقبل الحضارة الغربية يأتي في مرتبة متأخرة ضمن الأولويات الأمريكية.
الروس لا يدخلون هذه المرة بزخم عسكري، فقدرتهم العسكرية تستطيع أن تعمل لفترة محددة بكفاءة، تطول أو تقصر حسب قدرة العمق الروسي على توفير الدعم اللوجستي، ومرونة الدبلوماسية الروسية في تحمل المناورات السياسية، والروس دب ثقيل يمكنه أن يحدث فرقاً كاسحاً خلال أيام قليلة، ولكنه أيضاً هدف كبير للقنص والاستدراج، ولكن الخسارة الأمريكية تتضح اليوم شيئاً فشيئاً مع التقدم السياسي الروسي مع أطراف صنفت تقليدياً في المدار الأمريكي، ولا يمكن بالطبع اعتبار وجود كل من ولي عهد الإمارات محمد بن زايد وولي عهد السعودية محمد بن سلمان في سوتشي ولقائهما بالرئيس بوتين مجرد صدفة استدعاها ولعهما المفاجئ برياضة سباق السيارات.
المصريون يقتربون من دمشق، والسيسي يرى أن مشكلته مع الأمريكيين تتصاعد، بدون وجود آفاق للحل، فجميع رسائله الإيجابية أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة قوبلت ببرود أمريكي غير مشجع، ولذلك كان السيسي في مقدمة من صعدوا سياســـياً في الاتجاه المعاكـــس للرؤيـــة الأمريكية، في مغامـــــرة كبيرة بعلاقته مع السعودية التي وجدت نفسها مضطرة لأن تدخل في اتصال مباشر مع موسكو، ولا يبدو أن الأردن سيكون بعيداً عن هذه الأجواء، ويتبقى للأمريكيين الشريك التركي الذي يبـــدو الآن مثقلاً باحتمالات صراع طاحن على المستوى الداخلي والإقليمي مع الأكراد يستتبع تغيرات في جميع مركبات معادلة أردوغان الداخلية.
بوتين دخل إلى سوريا وأمامه رؤية واضحة، فإما أن تكون المقامرة السورية ضربته الكبرى ويدشن نفسه قيصراً جديداً، أو أن يتوارى مع إحباط عميق كالذي أطاح بالاتحاد السوفييتي بعد فشل الغزو لأفغانستان، والأمريكيون يواجهون اليوم خصومة لم يتعود عليها الجيل الجديد من موظفي وكالة الأمن القومي والبيت الأبيض، بعد أن تقاعد ذئاب الحرب الباردة، ولا يبدو أن أمامهم الكثير من الوقت ليتعلموا أمام اندفاع روسي يتعزز بمنطقة أسمهت الرهانات الأمريكية المتعجلة والمنفصلة عن الواقع في حالة من التشتت والتيه الذي أرهق واستنزف الأنظمة العربية وجعلها مستعدة لدفع الثمن لمن يستطيع أن ينقذها من كابوس الفوضى، ولكن هل يمكن محاصرة النار التي انطلقت من جثمان البائع الجوال التونسي البوعزيزي لتقوض أنظمة كانت تبدو وكأنها من مستلزمات القضاء والقدر، هل يمكن أن يكون الحل شاملاً، أم أن انتصارات غير ناجزة أو هزائم غير قاضية يمكنها أن تترك الحرية لعصفور النار ليحط في مكان آخر لا يعرفه ولا يتوقعه أحد.

٭ كاتب أردني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية