تجارة بأعضاء الشهداء… بين المحو الالكتروني وقيامة المومياء!

لم نتوقع أن تسير الأمور على هذا النحو في «ما وراء الخبر» مع حسن جمول، الذي تساءل بدهشة العارف: كيف لشاب مثل فادي علون، الذي يظهر في صوره على الـ»فيسبوك» بكامل أناقته وزهوة شبوبيته وطلته العصرية بالجل والجينز والنظارات الشمسية والدراجة النارية، أن يذهب للشهادة بقدميه؟ لماذا يتخلى عن الحياة بكل متاعها ويتنازل عن ربيع عمره بحد السكين؟
طبعا لن تتوقع إجابة من إبراهيم عيسى، الذي يُخرج تحليلاته من دولاب حمّالاته، فيقلب الباب ليرى من ثقب المفتاح، ولن تعرف كيف يتحول بقدرة قادر من رتبة شيف إلى نادل فضائي يلم الأطباق والسكاكين عن المائدة ليشجع على رياضة الأسنان!
في الوقت ذاته لن يجيب جابرالقرموطي على سؤال جمول، ليس لأنه ينتمي لنادي العضعضة «بتاع «عيسى، ولكن لأنك أمام طيبته وأسلوبه الساذج، الذي يتأرجح بين الحذر والخلبصة، تختار المرابطة في مجرة «الجزيرة»، بانتظار إجابة ضيف جمول.
لا أعرف إن كانت هناك رؤية إعلامية برعت في حبك الموقف أم أنها صدفة مدبرة، حين تلقى المذيع وعلى الهواء خبرا عاجلا يفيد بوصول رسالة صوتية مسجلة للشهيد علون مفادها: « أغادر جنة بلادي لأسكن جنة الذي خلق البلاد».. لم يتمالك جمول دموعه وهو يحاول استجماع قواه، لينهي برنامجه بإمضاء يليق بالرسالة: (تشرفنا بضيفنا الذي كان معنا على الهواء مباشرة من ثكنة الجنة البطل فادي علون)… ولن أعتذر عن نقل البرنامج من موقع التصوير في الدوحة إلى موقع المخيلة من مطبخ الشهيد!

الموناليزا حمّالة الحجر

أيها القارئ ما دام الشهيد بهذا الجمال فأنا أنثى، وأعدك أن أوقف ألعاب التخفي ما دامت الإنتفاضة أيضا أنثى كما غرد ناشطون في بادرة وطنية تنتصر للمرأة الفلسطينية وتحيي نضالها وصمودها بعد بث أشرطة مصورة لتصفيات ميدانية طالت فلسطينيات عزلاوات قبل الإنتفاضة، كما حدث مع هديل الهشلمون، أو رهف شهيدة يحيى حسان وهو يوقظها من منام الجنة في زمن القيامة، الذي يبكي فيه الرجال الرجال، في حين تقبض أم مهند الحلبي على دمعتها كغصة مقهورة تنفيذا لوصية شهيدها، فأية أعصاب فولاذية هذه يا الله التي تغالب الجبال بشجاعة الوعد، أية أنثى هذه يا إلهي؟ ملثمات بعمر الورد، يحملن الحجارة والسكاكين والسماء على أكف الطعنات الناعمة، فأي عريس يليق بحمالة الحجر سوى شهيد مجهز بعدة مطبخ كاملة؟
المفارقة أن هذه المشاهد تصلك من فلسطين بعيون نشطاء على مواقع التواصل الإجتماعي قبل أن تتلقفها كبرى الترسانات الفضائية، لتشي بمرحلة إعلامية جديدة وفن الكتروني له طقوسه المتحررة من أية شروط مهنية صارمة أو توجه فضائي معين، وهو ما حدا نتنياهو لإعلان بدء الحرب على المغردين، الذين يبلورون التغطية الإعلامية إلى لعبة «غرافيتي» أخذت من الجداريات والحجارة وشما تذكاريا يبشر بانقراض النخب، كما تنبأ الناقد البريطاني في الغارديان «جوناثان جونز» لخطورة فلسفة تتجاوز المختصين وتنتشر بسرعة بين العامة، ويصبح بطلها الملثم الغامض «بانسكي»، الذي يتحف المدن والشوارع بلوحات مبتكرة، مبدعا يكافح الإستبداد وملك الشوارع، الذي يهدد بمستقبل يمكن لأي شخص أن يكون فيه مجهولا لمدة خمس عشرة دقيقة، فيحرر الموناليزا من متحف اللوفر ويخرجها من إطارها الزجاجي المصفح بعيدا عن بروتوكولات الفرجة المتاحفية، ليرسمها فوق الرقيم الحجري وهي تحمل بندقيتها، كأنه يرسم المرأة الفلسطينية، فهل أنت فلسطيني يا بانسكي؟ أمط اللثام إذن كي نرى خارطة فلسطين!

محو الكتروني

لم أزل أتذكر ذلك البيان الذي أصدره الروائي البريطاني جون بيرغر في الحرب على غزة، يدين العدوان الاسرائيلي، ويتحدى اللوبي الصهيوني، الذي يزود الإعلام الغربي بأخبار مزيفة، قائلا: «لم نعد نصدقكم، لأننا لا نتابع أخباركم، بل نتابع «الجـزيرة الإنكليزية»، الآن وبعد اعتذار «الجزيرة» الإنكليزية لاسرائيل ماذا أقول؟» أودي وجهي وين من جون بيرغر»؟ يا لخسارة الحقيقة التي يتنازل عنها أصحابها بذريعة المهنية؟ حين لا ينحاز الإعلام للضحية بحجة الحياد فهذا يعني أن الحق خدعة بصرية بلا مصداقية، مما يجعل الشجاعة أول ضحاياه؟ ما الفرق إذن بين خدع المحو الالكتروني للحياد هنا وبين موقع غوغل، الذي يلعب مع اللغة فيحتفظ بمسمى الحرم المقدسي للعرب بالعربية بينما يحوره في كل اللغات الأخرى إلى «الهيكل» مجاريا الدعاية التاريخية للصهاينة؟ أين الحقيقة من كل هذا المحو المنظم الذي يلعب على الحبلين؟ ثم من يشقلب الإعتذار يا إلهي!
أي مهنية هذه التي سيراعيها الإعلام أمام إهانة جثث الفلسطينيين وتغطيتها برؤوس الخنازير النافقة بحقد ينز صديدا ساما من جرح تاريخي يمتد إلى نشوء الصهيونية، التي سبقت النازية بعشرات السنين؟
كيف يتحيد الإعلام وهو يرى الطفل محمد مناصرة يصر على رفع رأسه تحت كيل الشتائم القذرة، غير مبال بهذا الإنحدار إلى الهاوية، محاولا إبقاء هامته بعلو السماء؟ لم يكتف الصهاينة بالسلاح الثقيل والضرب والذبح وخطف أعضاء الشهداء كما أخبرني أهل الأسرى الذين اتصلوا بي من فلسطين لأتطرق لهذه المسألة، خاصة بعد تأخر وصول الجثث… وبين احترام قدسية جثة الشهيد والتابو الإجتماعي الصارم بشأن تشريحها، وبين تدنيسها في كواليس الشاباك العسكري الذي يعيد اعتقالها، ما بنبئ باختراق إنساني وقانوني وأخلاقي لكل المعايير البشرية، التي تكشف لك «فخ» الحيادية «من أجل عدو يزبد فمه غيظا وقهرا، مستغرقا بالشتيمة التي تفضح انهزامه ومداراة ضعفه أمام جثة! وكل هذا والفلسطيني لم يزل محتفظا بكامل عنفوانه، يسدد حجره إلى الدبابات المجنزرة، وهو يدبك على وقع رقصة الإنتفاضة، أو يلتقط «سيلفي» للجنود الذين يطاردونه ويلهثون وراءه وهو يضحك ويرسل الصورة إلى مواقع التواصل ببث حي من هاتفه المحمول في ساحة الهرولة، أو ينشر وصاياه العشر أو يوزع الحلوى أو يعمل بوصية شهيده كوالد بهاء عليان، الذي رفض استقبال الصحافة والكاميرات كي لا يصاب بدوار فضائي يزغل عدسة الحياد، بينما يطرد آخرون للأسف إلياس كرام، وطاقم «الجزيرة» احتجاجا على سياستها في تغطية الثورات العربية، في حين يواجه مغردون – ومنهم صاحبة هذه اللغة – حملة صهيونية شعواء على «تويتر» تتهم كل فلسطيني يناصر الإنتفاضة بمعاداة السامية وإهانة الدين اليهودي، ويحاكم مغردون آخرون الخطاب الإعلامي بتفاعل مزدوج يطرح سؤالا وجوديا: هل أنا بطل لأنني أرفض أن أكون ضحية، أم أنا ضحية لأنني أصر أن أظل بطلا؟ فأي شعب هذا يا الله؟

متحف موميائي

ربما تجد في مقالة الكاتب البريطاني ومحلل شؤون الشرق الأوسط في «الغارديان» إيان بلاك ما يشفي غليل الحياد، فالمسودة الأولى للتاريخ لم تزل على حالها، تتربص بعناوين الأخبار الدامية والمتناقضة، مع الحرص على ذكرالمسميات بالعبرية والعربية، باستعراض تاريخي استند إلى تقارير المراسل الإعلامي السابق لـ ‘«بي بي سي» جيمس روجرز، الذي قال إن الفلسطينيين بدأوا يلفتون انتباه الإعلام الغربي في السبعينات وبعد غزو لبنان، لتتغير النظرة للإسرائيليين، كضحايا للمحرقة النازية، والفلسطينيين كإرهابيين،غير أن الثورات العربية اختطفت المشهد كونها أكثر طزاجة من الصراع العربي – الاسرائيلي، الذي تدحرج ككرة الثلج حتى غدا بعد الحرب على غزة أشد فتكا، وجنوحا إلى التطرف، فالإسرائيليون يتمسكون بأمنهم والفلسطينيون يتمسكون بحقوقهم، ودعا في نهاية مقالته إلى العمل الإعلامي الجاد لتوفير تقارير متماسكة وواضحة لا تثير القلق لأنها خرجت من تربة الأرض المقدسة القاسية التي يدور النزاع عليها، فهل أنصف بلاك في حياده؟ أم أن التناقض التاريخي للحقيقة يخرج من رابطة بلازمية واحدة كفيلة بعقد صفقة احتيال على المستقبل، كما حدث بين هتلر والمخابرات الأمريكية لما منحته سبعة عشر عاما إضافية وسرية عاشها في الأرجنتين حتى وفاته عام 1962 مقابل تزويدها بأسرار التكنولوجيا النازية، كما ذكر البريطانيان «جيرارد ويليامز وسيمون دانستن» في كتابهما «هروب هتلر»2011، وقد يحيلك هذا لما نشرته الـ»واشنطن بوست» على لسان رئيسة متحف الموتى في «اللوفر» الباريسي عام 2013: إننا في انتظار أن تعود هذه المومياءات للحياة من جديد، تفاجئنا في أية لحظة وتخرج من جثة التمثال، سنرحل نحن ونمضي وتظل هي بعدنا، فإن كان الإعلام يلعب الغميضة مع الحقيقة فإن الحياد يلعب الغميضة دون أن يغمض عينيه.
يا أيها الشهيد «يتسابقون إليك مَن فخرا سيغسل أضلعك» وأنا أسابق الحوريات لأحظى بك، فأوصيك خيرا بأرضٍ مهرها السماء، وبالسكين، وهذا تحريض، فهل أكتفي أم أزيد؟

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية