يصعب أن يخطر الممثل الأمريكي الراحل شارلتون هستون على البال، ثم يقترن ذلك الخاطر برجل محبّ للفنون، يستعد مزاد سوثبي لبيع عدد من مقتنياته، خاصة تلك التي وقعها أندرو ويث، أحد كبار رسّامي الولايات المتحدة خلال أواسط القرن العشرين. ورغم أنّ أسلوب ويث الواقعي، وتركيزه على الحسّ المحلي والإقليمي، والتقاط عناصر الحياة الطبيعية في الأرياف الأمريكية؛ كلها عناصر تشجّع هستون على الإعجاب بفنان مثل هذا؛ إلا أنّ شخصية الممثل الأمريكي، وخاصة دفاعه عن التسلّح ورئاسته لـ»رابطة البندقية الوطنية» التي تدافع عن حقّ الأمريكي في حمل السلاح الثقيل، وليس مجرّد المسدس الذي يكفي للدفاع عن النفس… عناصر تجعل اهتماماته الفنية أمراً مستغرباً بعض الشيء.
وذات يوم، في آذار (مارس) سنة 2001، وخلال المحاضرة الافتتاحية لمركز الآداب الآسيوية والأفريقية في جامعة SOAS البريطانية؛ تحدّث الراحل إدوارد سعيد عن ظاهرة الجهل التي تعمّ المجتمع الأمريكي، صغاره وكباره. ولقد ضرب المثل الأوّل في يافع لا يعرف أين تقع إيطاليا، على خريطة العالم؛ والمثل الثاني في شيخ (وأيّ شيخ!) عجز عن تسمية دولة واحدة تشترك في الحدود مع العراق، إذْ قال بعد تردّد: روسيا، ربما؟ الراحل سعيد لم يذكر اسم الأمريكي اليافع، ولكنه منحنا بهجة معرفة هويّة الأمريكي الشيخ: لقد كان هستون، دون سواه!
أليس في الأمر غرابة، خاصة، لأنّ هذا هو الممثّل الذي لعب دور موسى، في الفيلم الشهير «الوصايا العشر»؟ ألا تنطوي سيرته الذاتية، التي صدرت بعنوان «في الحلبة»، على عشرات الفقرات التي تصف انغماسه في دراسة تاريخ المنطقة، بغــــية تقمّص الدور على أكمل وجه؟ وكيف يمكن له أن يدرس أيّ تفصيل في تاريخ هذه المنطقة، من دون أن يعرف جغرافية العراق؟ هل يعقل أنه لم يكن يدرك أنّ بلاد الرافدين، بلاد ما بين النهرين، هي نفسها العراق الحديث؟
وفي عام 1961 لعب هستون دوراً كبيراً ثانياً ذا صلة بالمنطقة، في الفيلم الفروسي «السيد»، حيث يؤدي شخصية الفارس الإسباني الذي يخوض معركته الفاصلة الأخيرة وهو جثة هامدة. كان هذا الدور بمثابة «مزج بين الجسد الفروسي لدون كيخوته، والروح المقاتلة لأمير أندلسي، والدراما النفسية المشدودة لهاملت شكسبيري»، كما كتب هستون. هل درس تاريخ الأندلس آنذاك، بعمق واحترام كما يؤكد في مذكراته؟ وإذا كان قد فعل، كيف فاته أنّ العراق صنو الأندلس؟ أخيراً، في فيلم «الخرطوم» حيث لعب دور الجنرال البريطاني شارلز غوردون، الذي يحاصر الزعيم الديني والوطني السوداني المهدي (لورانس أوليفييه)؛ كيف لم يصادف خريطة العراق، وهو يغرق في تاريخ الحركات الصوفية الإسلامية كما يزعم؟
في المقابل، المرء يتذكر هستون مقترناً بالدفاع الشرس عن حروب الولايات المتحدة، وسخريته من الذين كانوا يبحثون عن تبرير لاجتياح العراق من خلال مواصلة التنقيب عن أسلحة الدمار الشامل (خلال أطوار حشد/خداع الرأي العام حول وجود تلك الأسلحة، كاد هستون أن يقسم بأغلظ الأيمان أنها موجودة، قاب قوسين أو أدنى من بصره). كلّ هذا من رجل كان يظنّ أنّ العراق جار لروسيا!.
من جانب آخر، يُستذكر هستون من خلال آرائه المحافظة ـ اليمينية، في «رابطة البندقية الوطنية»، وفي عشرات المعارك التي خاضها ضدّ كلّ وأيّ تشريع يحدّ من هذا الحقّ، وكانت أشرس جولاته ضدّ الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون. وكما هو معروف، وبسبب فلسفته المؤيدة لتشريع حمل السلاح الثقيل، صار هستون عرضة لسخرية مريرة من السينمائي والناشط اليساري مايكل مور في الشريط الشهير Bowling for Columbine. وفي انتخابات الكونغرس لعام 1986 تبيّن للحزب الجمهوري أن الممثّل التوراتي، والفارس الأندلسي، والجنرال البريطاني… هو أفضل المرشحين لمنصب السناتور عن ولاية كاليفورنيا. تلك، في نهاية الأمر، الولاية التي عبّدت الخطوة الأولى في درب رونالد ريغان نحو البيت الأبيض؛ ثم فتحت ذراعيها لأشهر من جسّد أدوار الغطرسة العسكرية الأمريكية، أرنولد شوارزنيغر، ومنحته منصب الحاكم.
وأمّا في المقالات العديدة التي واصل كتابتها في أسبوعية National Review الجمهورية اليمينية، فقد ظلّ هستون بالغ الحماس للجانب العسكري في الشخصية الأمريكية، شديد الدفاع عن المهامّ «التبشيرية» الملقاة على عاتق اليانكي «جوّاب الآفاق». وليس عجيباً، إذاً، أنه طبّل وزمّر للحروب الصليبية التي خاضها جورج بوش في أفغانستان والعراق، مثلما طبّل وزمّر لإبقائه في البيت الأبيض أربع سنوات أخرى.
ومزادات سوثبي تكشف لنا، اليوم، عن شخصية المحارب المحبّ للفنّ التشكيلي؛ الأمر الذي يذكّر حقاً بالعبارة الشهيرة: لله في خلقه شؤون!
صبحي حديدي