الدب الروسي مالئ الدنيا وشاغل الناس هذه الأيام، فإلى جانب أخباره العاجلة في سوريا أصرَّ على الظهور شمالاً، بعد رحلة من حديقة للحيوان في موسكو، في طريق هجرته إلى بريطانيا. في مدينة كاليه الفرنسية فتح مهاجرون بوابة الشاحنة لاستكمال رحلتهم إلى بريطانيا، ففوجئوا بالدب الروسي في قلبها، بعضهم هرب، وبعضهم حشر نفسه إلى جانب القفص لتخرجهم الشرطة الفرنسية من جديد. يستحيل على هؤلاء الحالمين أن يكملوا ملاصقين للدب الروسي.
في وصف الخبر يقول تقرير «سي ان ان» بالعربي المتلفز إن «رحلة الدب الملحمية مرت بعقبة صغيرة في فرنسا»، وهو يقصد طبعاً المهاجرين. هكذا يمكن أن تصبح رحلة الدب هي متن الخبر، هي الرحلة الملحمية، ورحلة اللاجئين ستكون العقبة الصغيرة، على هامش الخبر. بل إن التقرير لا يتورع عن القول إن اللاجئين هربوا حين فوجئوا بالدب «ليتمكن الدب بعدها من مواصلة رحلته إلى منزله الجديد». منزل الدب الجديد سيكون حديقة للحياة البرية في بريطانيا. منزله القديم حديقة حيوانات بموسكو. للدب بيت كما للدجاجة والأرنب والحصان والسمكة والقط والعصفور. للدب اسم أيضاً هو نيسان، المهاجرون فقط لا أسماء لهم، هم عابرون، ومجرد عقبة صغيرة في طريق الدب الروسي. ودائماً حسب «سي ان ان بالعربي».
موسيقى ثانية
في وقت يستمر قصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا في كل الاتجاهات، يستأنف صديقه الشخصي الممثل الفرنسي الشهير جيرار دي بارديو، عرض مسرحيته «موسيقى ثانية» على أحد المسارح الروسية.
ليس بالضرورة أن يكون القصف الموازي من على خشبة المسرح، فقد يكون على هامشها، بإطلاق تصريحات عنصرية من دي بارديو، لا تناهض السياسة الأمريكية، قدر ما تتوجه للأمريكيين بالشتيمة، فـ «الشعب الأمريكي»، حسب قول الممثل الذي تخلى عن جنسيته الفرنسية، لصالح أخرى روسية تلقّفها من صديقه بوتين، «لم يتوقف أبداً عن التدمير، قاتل بعضه بعضاً، دمر السكان الأصليين، استعبدوا الأفارقة، ثم قتلوا بعضهم البعض في حرب الانفصال».
هكذا يصل الممثل إلى القول «كانوا أول من استعمل القنبلة النووية، وفي كل مكان مروا خلفوا القذارة، لهذا، وفي كل الحالات، أفضل أن أكون روسياً على أن أكون أمريكياً».
ألا يصحو دي بارديو قليلاً ليرفع رأسه ويرى أي فظاعات يرتكبها صديقه الشخصي؟ كل ذلك من أجل نظام الضرائب الفرنسي الذي لا يرضي دي بارديو، فيما يهنأ بأخبار قمع بوتين لمعارضيه وأنباء القصف والتدمير ومساندة أعتى أنظمة القمع؟
أسلحة السينما
تزايدت حوادث القتل وإطلاق الرصاص على طلبة المدارس في مدن أمريكية حتى تعهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، حسب ما نقلت وكالات أنباء، بـ «تقليص مشاهد الأكشن واستخدام السلاح والقتل في السينما الأمريكية، مشيراً إلى تأثير مثل تلك المشاهد على الجمهور خاصة المراهقين في تقليدها». المشكلة إذاً تكمن في السينما، فهي أساس القتل والجريمة والتحريض على حمل السلاح! ماذا إذن عن سلاح الواقع؟ لم نسمع من قبل بدعوة من رئيس أمريكي بجمع السلاح الواقعي وإعادته إلى المستودعات أو إتلافه، فهذا من شأنه أن يقوّض صناعة السلاح، أعظم صناعة وتجارة أمريكية. لم نسمع مرة عن اعتذار لاستخدام سلاح أمريكي في المكان الخطأ.
إذا استطاع أوباما أن يقلص من السلاح ومشاهد الأكشن فهو لا شك سيقضي على نوع سينمائي بحاله، لسنا متمسكين بهذا النوع، ولكن لا ينكر أحد أنها أكثر الأفلام رواجاً وجماهيرية، ويستحيل على أحد أن يلغيها.
واضح أن على أوباما أن يفكر، إن أراد الحد من الجريمة، إن يلم السلاح من الواقع، لا من السينما، فتلك مجرد أفلام رصاصها خلبيّ، هل انطلت عليك السينما حقاً؟
«دعدوش» في قبضة الأمن
يصعب أن نتخيل أن يجري تصوير فيلم مصري بين الجبل والصحراء من دون الموافقات الأمنية والترتيبات اللازمة، فما بالك إن كان الفيلم يصور حياة تنظيم «داعش»! كيف إذاً هاجمت قوات الأمن المصرية موقع تصوير فيلم «دعدوش» ظناً منها أن موقع التصوير، وقد رفع أعلام «داعش» السوداء، ونصب خيامهم وملابسهم وخلافه، ما هو إلا معسكر للتنظيم.
الفيلم كوميدي يتحدث عن مصري تضيق به الحال فيقرر الانضمام إلى «داعش» في سوريا طمعاً بالمال والنساء، إلى أن يفاجأ بحقيقة التنظيم، فيقرر الهرب.
الضجة حول الفيلم قامت بعد خبر مباغتة قوات الأمن إياها لموقع التصوير، ولما كان من غير المعقول غياب التنسيق، فيبدو أن علينا تصديق نظرية أخرى تقول إن المباغتة، وهي من طراز هزلي واقعي أيضاً، إنما تمت بالتنسيق بين الطرفين؛ الأمن، ومنتجي الفيلم، فهي دعاية مجانية لكليهما، تعطي الانطباع بأن قوات الأمن المصرية ساهرة لا تفوتها فائتة لا في الصحراء ولا في الجبل، ودعاية من أوسع الأبواب لفيلم «دعدوش» وبطله الخاسر في فيلم سابق، ويحتاج إلى معجزة كي تنقذه في شباك التذاكر أثناء عرض الفيلم.
كاتب من فلسطين يقيم في فرنسا
راشد عيسى