استلهم مصمم الأزياء اللبناني داني تابت طريقة تقديم تصاميمه الجديدة في دبي أخيراً من رحلة اللاجئين السوريين إلى أوروبا. قدم عرضاً مؤثراً، حتى لو لم تكن الأزياء نفسها على علاقة مباشرة بالسوريين أو تراثهم. أراد الشاب اللبناني أن يعلن تضامنه مع اللاجئين، لا أن يستثمر في موضوع اللاجئين كما فعل المصور الفوتوغرافي الهنغاري حين قدم الحسناوات في أوضاع مثيرة قريباً من الأسلاك الشائكة. الفارق أن صور الهنغاري كانت موظفة لتصوير امرأة مثيرة، بينما ما رأيناه في عرض أزياء تابت الأخير كان أقرب إلى طقس فرجوي مسرحي (كما شاهدناه في تقرير تلفزيوني لـ «سي ان ان»)، يحيل فوراً إلى رحلة اللاجئين.
في البدء تحركت العارضات على الخشبة بفساتين سوداء، وفي خلفية المشهد كانت صورة مدلهمة بالغيوم والألوان الرمادية للكوكب الأزرق. كان ذلك، إلى جانب الموسيقى الجميلة والحزينة كافياً ليمنح العرض تلك المسحة الإنسانية الدافئة. داني تابت وصف العرض بالقول «تصاميمنا تخص وضعنا، واللاجئين السوريين بشكل خاص. عرض يبدأ بالأسود، ثم لون البحر، ثم لون الغابة. هذه كانت تمثل الرحلة التي يقطعها اللاجئون أو الهاربون من الموت».
ثم أضاف تابت «الفاشن فن، وهو حساس لكل ما يجري حوله. أنا رادار يلتقط كل ما حوله، تأثرت جداً بما حدث، خاصة صورة الطفل إيلان».
في الواقع، لم نَعِد أنفسنا من قبل أن نستمع إلى كلام مؤثر من مصمم للأزياء، كنا ننتظر أن نسمعه من مخرج سينمائي أو تلفزيوني مثابر ومهموم بقضايا الناس. كيف يجب أن نشعر إزاء مسلسل سوري، أتيحت له كل الإمكانيات الإنتاجية، وممثلين وتقنيين من «الثوار»، ومع ذلك كان العمل الأقل ملامسة للوجدان، من فرط رداءته طبعاً. كيف نشعر إزاء سينمائي وتشكيلي وإعلامي سوري لم يقترب من قضية بلده لا من قريب ولا من بعيد، في وقت يجد مصمم الأزياء اللبناني نفسه راداراً حساساً يلتقط هموم اللاجئين. هذا ليس سؤالاً، هذا جواب.
أقبح من ذنب
المعضلة تظل قائمة في فهم الفرق بين «العذر» و»العذر الأقبح من ذنب» رغم كل الحكايات، وبعضها يضرب عميقاً في التاريخ، التي تشرح وتبسط الفرق. آخر هذه الأمثلة، النكات بالأحرى، هو ما قاله الفنان المصري تامر عبد المنعم عندما حاول تفسير رفض جهاز الرقابة على المصنفات سيناريو فيلم «المشخصاتي 2» نهائياً. الفنان قال إنه لم يُخَطَر بأي ملاحظات رقابية، لكنه أكد أن الرقابة تعترض على أن الفيلم يلمح إلى أن ثورة يناير كانت مؤامرة.
اعترض الفنان وسأل «هل تتم محاسبتي على مواقفي السياسية من قبل الرقابة باعتباري واحداً من أنصار الرئيس السابق حسنى مبارك؟».
في مقابلاته التي يحتفظ بها يوتيوب يقول الفنان إن «مبارك كان مظلوماً، وأن مصر قبل يناير كانت دولة مهابة»، وأضاف «أنا من أولاد مبارك وأفتخر». أما عن «الحزب الوطني» المنحل فقال معظماً إياه بأنه «جزء من تاريخ مصر، وهو خبرة في الانتخابات والحياة البرلمانية»، نافياً عنه أي تزوير.
لا أحد يتمنى انتصار الرقابة على أي إبداع فني، حتى لو تدنى المستوى فوصل لترويج أفكار عن عظمة مبارك وحزبه الوطني، لكن أي مبدع يكون من يؤمن بهكذا أفكار؟ وأي فيلم يؤرخ مصر سيظهر على يديه؟
فيضانات الاسكندرية
فيديو غير مسبوق (ربما) لشاب مصري حوّل فيضانات الاسكندرية الأخيرة إلى فرصة للعمل. راح الشاب يحمل الناس، غير الجاهزين لاستقبال المطر، على ظهره من ضفة إلى ضفة مقابل جنيه مصري واحد. الناس الذين لا حول لهم ولا قوة لم يجدوا طريقاً آخر للعبور، والشاب قد يكون لديه ألف سبب وسبب ليمتهن تلك المهنة، المهينة لكرامته كإنسان. قد يكون البعض رأى فيها مجرد سعي محمود إلى الرزق بأي طريقة، وبالطبع لا يلام الشاب على سعيه، لكن المشكلة ليست عنده، بل في من أوصل شباب مصر (وأجزاء كثيرة من عالمنا العربي) إلى هذه الحال.
في كوارث مماثلة، تكثر أشرطة فيديو ترى فيها كيف يساعد الناس بعضهم، كيف يتطوع الإنسان لمد يد العون. فارق بسيط كان يمكن أن يجعل من هذا الشريط علامة معاكسة، لو أنه قام بذاك العمل من دون مقابل، لكان تحوّل إلى أيقونة للبطولة.
أصالة ليست سورية!
تحملت الفنانة السورية أصالة الكثير جراء موقفها المتضامن مع ثورة الناس في بلدها ضد النظام؛ من عبث بأفراد عائلتها والضغط هنا أو هناك من أجل التبرؤ منها، إلى التهديد بمسلسل تلفزيوني عن سيرتها الذاتية، تلك التي هدد أحد خصومها الشخصيين باستعمالها في مسلسل، إلى غيرها من الضغوطات المستمرة منذ أربعة أعوام.
آخر تلك المواجهات كان سخرية رئيس نادي الزمالك وشتمها على الهواء خلال حديثه لبرنامج «العاشرة مساء» مع المذيع المصري المعروف وائل الأبراشي.
لم يعد الفيديو متاحاً، ربما بسبب تلك الشتيمة، لكن صحفاً نقلت محتوى الفيديو، الذي قال فيه رئيس النادي الشهير «أصالة تكره بلدها وهي لا تعيش في سوريا ولا تشعر بما يحدث بها، لكونها تحمل الجنسية البحرينية، وزوجها المخرج طارق العريان يحمل الجنسية الفلسطينية».
لا يكتفى الرجل بالشتيمة، بل يرفع عن أصالة جنسيتها، هكذا من دون أن يرف له جفن. فجأة وجدت واحدة من أشهر السوريات نفسها بحرينية لا سورية! طيب، هب أن ذلك صحيحاً، أليس من حق البحريني أن يقول إن ما يجري في سوريا جريمة تثقب العين؟
الرجل ختم كلامه، نعني شتائمه لأصالة، بالقول «الرئيس بشار الأسد قاعد على قلبك في سوريا ومش هيمشي». إذا أردت نموذجاً للردح فهذا هو باختصار. وما عليك إلا الصمت.
إعلامي من أسرة تحرير «القدس العربي»
راشد عيسى