فلننظر للنصف الممتلئ من الكأس

حجم الخط
2

قد أزعج البعض في مقال هذا الأسبوع، وقد تنهال عليّ الانتقادات من كل حدب وصوب، وقد يترجم البعض ما سأقوله كأنه دفاع عن أبو مازن أو ترويج له، وهو ليس بهذا أو ذاك على الإطلاق.. فإن لأبو مازن رجالاته وإعلامييه الذين يدافعون عنه، وهو ليس ترويجا لشخص وقناعات أبو مازن.
إن ما سيأتي ليس إلا ترويجا لمواقف وتصريحات ووعود إيجابية ومشجعة صدرت عن الرئيس الفلسطيني في الأسابيع الخمسة الماضية، تستحق تسليط الأضواء عليها والأشادة بها ودعمها، على أمل أن تتواصل وأن يبنى عليها، وليس فقط التقليل من شأنها والسخر منها. كذلك هي دعوة للابتعاد عن العدمية برفض كل شيء لمجرد أحاسيس ومشاعر ضد هذا الإنسان أو ذاك..
يجب أن نرى النصف الممتلئ من الكأس لا النصف الفارغ.. يجب أن نركز على الإيجابيات وليس السلبيات فقط،، نبارك الخطوات الصحيحة ونشد على أيادي متخذيها ونؤازرهم ونطالبهم بالمزيد منها. ونرفض ما لا يخدم المصلحة العامة وليس ما لا يرضي مشاعرنا ومواقفنا وأهواءنا.. فـ»منى الناس غاية لا تدرك» كما يقول المثل..
قد نختلف كثيرا وقد نتفق قليلا، فلنعزز نقاط الاتفاق مهما صغرت ونوسعها ونبني عليها.. ونعمل على تضييــــق نقاط الخـــلاف مهما كبرت على طريق إزالتها، فلا بد من التلاقي لا الافتراق، فبالتلاقي نقترب من تحقيق أهدافنا الوطنية وبالافتراق قد يضيع ما تبقى من بقايا الوطن.
إن ما نطق به أبو مازن، سواء في خطابه أمام الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في30 سبتمبر الماضي وتأكيده عليه في رحلة العودة إلى رام الله، أو ما جاء في خطابه بمناسبة رأس السنة الهجرية.. حمل معنى واحدا ورسالة صريحة للداخل والخارج، مفادها «طفح الكيل ووصل السيل الزبى»، وهو يعكس بذلك لا مشاعره فحسب، بل نبض الشارع الفلسطيني بالمطلق وأصاب بذلك. نبض الشارع الفلسطيني الذي ضاق ذرعا بالمفاوضات، ولم يعد يحتمل جولة جديدة من مفاوضات جربها 22 عاما لم تجد نفعا، وأبعدته عن هدفه وأوصلته إلى حافة الهاوية.
وانطلقت «الهبة الشعبية» ولن أقول إنه كان هو من أطلقها، لأن هذا يتناقض مع قناعاته التي أعلنها في غير مناسبة ورفضه لانتـــفاضة ثالــثة. ولكن لا يمكن استــــبعاد أن تكون خطاباته وتصريحاته اللاحقة، قد فهمت على أنها الضوء الأخضر والإشارة التي طال انتظارها فلسطينيا.
قد يقول قائل نريد أفعالا لا أقوالا، وكل ما صدر عن أبو مازن ليس إلا محاولة الغرض منها امتصاص النقمة الشعبية المتفاقمة بين جيل الشباب، على السلطة أولا، وإسرائيل والعالم ثانيا، الناجمة عن فشل المفاوضات وانسداد الآفاق السياسية والممارسات الاحتلالية، وعمليات القتل والحرق والتدمير وانتهاك كل المحرمات، وطبعا الأوضاع الاقتصادية التي لا تسر صديقا أو عدوا.
وهذا قول قد يكون صحيحا.. ولكن أليس محتملا أن تكون خطاباته محاولة للتخلي، أو التراجع عن النهج اللاجماهيري الذي تبناه على مدى السنوات العشر الماضية، وأكيد قبلها بسنوات طويلة.. أي سنوات المفاوضات العقيمة، بعد أن سدت في وجهه كل الطرق وأفشلت كل المحاولات.. أليس ممكــــنا أن يكون أبو مازن الذي لم يترك باب مفاوضات إلا قـــرعه، قد توصل إلى قناعة سبقه اليها الكثيرون وهي، أن اسرائيل وحكوماتها المتعاقبة «اليسارية» منها واليمينيّة، ليست في وارد السلام، وأن إسرائيل والسلام خطان مستقيمان لا يلتقيان… وأن نيل المطالب لن يأتي بالتمنيات «ولكن تؤخذ الدنيا غلابا»، وإن صح ذلك، ونتمنى أن يكون، أفلا يستحق منا التأييد أو التشجيع وهذا أضعف الإيمان.
اعتقد أن أبو مازن كغيره من مريدي التوصل إلى حل عبر المفاوضات، قد وصل أخيرا إلى قناعة أن التفاوض ليس ذَا نفع من دون قوة في الشارع، وليس فقط المحيطون به يسندونه.. فانحاز لشعبه ومطالبه، وتجذر هذا الانحياز بانفجار الهبة في اليوم التالي لخطابه في الجمعية العامة وحسم أمره بالكامل.
والحقيقة أن ما دفعني أو بالأحرى شجعني على التفكير بمثل هذا المقال المحفوف بالاتهامات، ليس خطابه في الجمعية العامة ولا كلمته بمناسبة رأس السنة الهجرية، بل في خطابه أمام مجلس حقوق الانسان الدولي في جنيف، يوم الأربعاء الماضي، الذي لم يعكس نوعا من الثقة والتغيير في خطابه السياسي فحسب، بل انقلابا في الموقف.
ففي هذا الخطاب خرج أبو مازن عن المألوف غير مرة، والأبرز في ذاك الخطاب أنه ليس فقط لم يرفض إدانة عمليات الطعن فحسب، رغم أنها مطلب إسرائيلي وطبعا امريكي، وربما لو نطق بهذه الكلمة السحرية لخفف من الضغوط الخارجية عليه، وهذه هي المرة الأولى التي لا يدين فيها أبو مازن عمليات فدائية ضد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية، وحتى جنود الاحتلال، بل حمل أبو مازن مسؤولية ما يجري على الحكومة الإسرائيلية وسياساتها وجرائمها وإهمال المجتمع الدولي في إحقاق الحق ورفع الظلم.
إذ قال إن «الهبّة الغاضبة لأبناء شعبنا هي نتيجة حتمية لما حذرنا منه وعرضناه سابقا من انتهاكات وجرائم إسرائيلية، وعدم نجاح المجتمع الدولي برفع الظلم والمعاناة التي يعيشها أبناء شعبنا، خاصة الشباب منهم، و»حذر» من أن استمرار الوضع الراهن أمر لا يمكن القبول به ومن شأنه أن يدمر ما تبقى من خيار السلام على أساس حل الدولتين».
وفي ما بدا نفيا لما سربته وسائل إعلام إسرائيلية من معلومات حول ضغوط مصرية وأردنية بدفع أمريكي، على أبو مازن للعودة إلى طاولة المفاوضات بضمانات أمريكية، قال إنه «لم يعد من المفيد تضييع الوقت في مفاوضات من أجل المفاوضات، بل المطلوب هو إنهاء هذا الاحتلال، وفق قرارات الشرعية الدولية». وهذا موقف يجب أن نعززه.
وقال محذرا قادة إسرائيل «حان الوقت لأن يكون لدى قادة إسرائيل شجاعة اتخاذ القرارات الصحيحة والصادقة، قبل فوات الأوان، لجعل حل الدولتين واقعاً ملموساً، فلربما تكون هذه آخر فرصة متاحة لمثل هذا الحل».
وذهب أبو مازن في خطابه هذا إلى ما هو أبعد بتهديده «إن لم ينعم شعبنا بالحرية والكرامة والسيادة التامة على ترابه الوطني، وفضائه ومياهه وحدوده، فلن ينعم أحد بالسلام والأمن والاستقرار». وهذا طبعا بالنسبة لغير المشككين دعوة صريحة لمواصلة الحراك الفلسطيني ودعم للهبة الشعبية التي ستنهي بعد أيام أسبوعها الخامس بارتفاع عدد الشهداء إلى اكثر من سبعين شهيدا.
هذه الهبة التي ربما بدأت تؤتي أكلها، حسبما تؤكده نتائج استطلاع للرأي اجرته قناة الكنيست. وحسب هذا الاستطلاع فإن50 ٪ من الإسرائيليين المشاركين في التصويت، يؤيدون نقل مسؤولية الأحياء العربية في القدس الشرقية إلى السلطة الفلسطينية، مقابل 41٪ يعارضون و9٪ لا موقف لهم.
وهناك تطور آخر وهو أن اليهود الحريديم تبرأوا من الدعوات لاقتحامات الأقصى، جاء ذلك في رسالة في صحيفة «العائلة» الأسبوعية الناطقة باسمهم، ودعت الفلسطينيين إلى «التوقف عن محاولات قتلهم». وجاء في نص الرسالة: «نحن الحريديم (المتدينين) ليس لنا أي مصلحة بجبل الهيكل في هذا الوقت، نحن نعارض بشدة، وعلاوة على ذلك يعتبر القانون اليهودي هذا الأمر محظورا تماما.» واعتبرت أن من يقتحمون المسجد الأقصى، «يعملون من تلقاء أنفسهم، ولا يمثلون طائفة الحريديم». ولكن كي يفوز أبو مازن بالثقة المطلقة في أوساط شعبه وقواه الحية، هناك اختبارات عدة تنتظره وبها يقرن القول بالفعل:
ـ رفض مشروع قرار تعده نيوزيلندا، العضو غير الدائم في مجلس الأمن الدولي يطالب إسرائيل بتجميد البناء في المستوطنات ووقف هدم البيوت الفلسطينية، مقابل وقف السلطة الفلسطينية جمـــيع الخطوات ضد إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية. وذلك في إطار سلسلة من خطوات بناء الثقة بين الجانبين تمهيدا لاستئناف المفاوضات السلمية. يجب أن يرفض هذا المشروع بالمطلق لأنه يساوي الحق بالباطل.. يربط بين الحق الفلسطيني في تقديم مجرمي الحرب من قادة اسرائيل العسكريين والسياسيين على الجرائم التي ارتكبت على الأقل في العامين الماضيين، والباطل الاستيطاني الاسرائيلي.
ـ رفض اتفاق الترتيبات في المسجد الأقصى الذي أعده وأخرجه وزير الخارجية الأمريكي كيري الذي يرسخ السيادة الإسرائيلية على القدس. وان أبو مازن كان محقا بطلب العودة إلى الوضع الذي كان قائما في الحرم القدسي قبل عام 2000، وليس الوضع القائم الآن.
ـ وطبعا رفض الضغوط الامريكية عبر أطراف عربية لإعطاء المفاوضات فرصة جديدة، بضمانات أمريكية. ويفترض الا «يلدغ المؤمن من جحر مرتين».
ـ وطبعا إلغاء التنسيق الأمني واتفاق باريس الاقتصادي وقرارات أخرى نتوقع أن تتخذ لدى عودته من جولته الأوروبية.
اللهم إني قد بلغت.. اللهم إني قد بلغت

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية