حقيبة الديمقراطية… الشحن إلى فيينا

هل نحن أهل للديمقراطية؟ وهل نستحق الديمقراطية؟
سؤالان أطلقهما قبل الربيع العربي كل من المنصف المرزوقي وعلاء الأسواني، من تونس ومصر، أول بلدين في عقد الربيع العربي، والإجابات التي تقدم بها المرزوقي والأسواني أصبحت وراء ظهور الناس اليوم، ولكن الديمقراطية ما زالت محلاً للتساؤل، وفوق ذلك، موضعاً للشكوك. جرى تسويق الديمقراطية بصورة مغلوطة في العالم العربي بحيث كانت، كغيرها من كلمات دخلت على معاجمنا الاصطلاحية ومداركنا المعرفية، مجرد «وعد» يمكن أن يحصل على مكانٍ مناسب على رفوف الكلمات «التذكارية»، مثل الاشتراكية والحرية والعدالة. ولأن كلمة الديمقراطية تبدو إلى حد كبير على جانب من الفخامة والغموض مثل كلمات «ماركسية» أو «أيديولوجيا» فإنها حصدت وجوداً طاغياً بين المثقفين والمدعين على السواء.
الديمقراطية تعبير يتسم بالاتساع والمرونة، بحيث يمكن أن يتم تحديد كل ما هو ليس ديمقراطياً بطريقة أسهل من الوقوف على كل ما تشتمله الديمقراطية، كما أن الديمقراطية لا تمتلك تاريخاً نصياً كالذي تدفع به الكتب المقدسة، ومن ضمنها يمكن أن يعتبر كتاب «رأس المال» الذي تعامل معه الشيوعيون العرب بمنتهى السلفية والأصولية، وبالمحصلة، فالديمقراطية لا تقدم معايير محددة، ويجب على كل مجتمع أن يختلق ويصارع تجربته الخاصة، من أجل تحقيق «ذاته العليا» التي تستحق الاحترام والتضحية، سواء أخذت تسمية الديمقراطية أو أي تعبير آخر.
في تجارب الديمقراطية العربية ما يثير السخرية، ويغري بالاستلقاء على الظهر في نوبة من الضحك، أو التقاط الرأس بين اليدين في غمرة من البكاء، فمثلاً سميت الخلطة اللبنانية بالديمقراطية مع أنها لم تقدم في أفضل حالاتها سوى مجموعة من المستبدين الطائفيين الصغار، الذين تقاسموا وتحاصصوا بينما الشعب اللبناني يركض وراء الحلول الفردية أو الفئوية أو التعاونية من أجل أن يوفر التعليم والعلاج، وحتى الكهرباء والمياه. وفي مصر كان نظام مبارك يقدم الديمقراطية الكوميدية التي لخصتها مقولته الخالدة (خليهم يتسلوا)، وعلى الرغم من أن حرية الرأي وصلت حداً غير مسبوق في مصر أثناء حكم مبارك، وأن صحف المعارضة كانت تستخدم أقذع الأوصاف والتعبيرات في نقد الرئيس في سنواته الأخيرة، إلا أن الوضع العام كان يمكن أن يوصف بكل شيء إلا الديمقراطية.
الديمقراطية حديثة العهد بالنسبة لكثير من الشعوب الأوروبية، لم تعرفها بلدان مثل إسبانيا والبرتغال واليونان إلا في السبعينيات، ودول أمريكا اللاتينية بدأت تتوجه للديمقراطية في الثمانينيات، ودخلت أوروبا الشرقية بأسرها في حديقة الديمقراطية في بداية التسعينيات، وكثير من دول العالم ما زالت تتمسك بالديمقراطية كمجرد ديكور وطني، ففي أفريقيا، السلطة هي ضمن أملاك قبيلة معينة وتنتقل إلى القبيلة المنافسة مؤقتاً في حالة صعود أحد أبنائها إلى قمرة دبابته، وتمكنه من الوصول إلى القصر الرئاسي قبل الآخرين. ثم أن الديمقراطية في حد ذاتها ليست مرتبطة بتحقيق التحضر أو التقدم أو حل المشكلات الاقتصادية، عدا بالطبع عن اقتناصها للغلبة والمجد، فالعرب يتصورون أن تطبيق الديمقراطية سيكون كفيلاً بإصلاح جميع الأحوال المعوجة والمتردية بصورة تلقائية، ولكن ذلك ليس حقيقياً لا بالمعنى النظري ولا العملي، فالهند تبقى الديمقراطية الأكبر في العالم، وما زالت وطناً لمئات الملايين من البشر الذي يطمحون للارتقاء إلى مجرد (الصفر) على المستوى الإنساني، بينما كانت ألمانيا النازية تحقق طفرة اقتصادية خرافية جعلتها تمتلك القدرة على صناعة آلاف الطائرات والدبابات في السنة الواحدة أثناء الحرب العالمية الثانية، فالديمقراطية لا تعني أحياناً أكثر من منح كمبيوتر مجهز بأحدث برامج التصميم الهندسي ومتصل بجميع قواعد بيانات البحوث والدراسات إلى طفل أفريقي لا يجيد القراءة والكتابة، كما أنه يفضل بالتأكيد وجبة بيتزا أو دجاجا مشويا على هذه الآلة التي لا يعرف كيف يستخدمها.
الديمقراطية بضاعة فكرية وسياسية وجدت سوقاً في الدول العربية، وفوق ذلك تصارع الجميع على ادعاء ملكيتها واحتكار فهمها، فباتت الديمقراطية تشبه حقيبة يحملها رجل، بدون أن يعرف ما بداخلها، استلمها من شخص لا يعرفه وعليه أن يسلمها إلى آخر لا يعرف أي شيء عنه، والعقدة، أن مجموعة كبيرة من الأشخاص يطاردون ذلك الشخص الذي يحمل الحقيبة لسرقتها منه، بدون أن يكون لديهم أي فكرة عن محتوى الحقيبة، والنكتة، أن البعض يضعون مكافأة للحصول على الحقيبة التي يمكن أن تحتوي على المجوهرات أو النقود، بنفس احتمالية أن تكون عبارة عن قنبلة يفجرها صاعق مرتبط بقفلها، كل ما في الأمر أن الرجل الذي يحمل الحقيبة ولا يعرف عن تاريخها أو مستقبلها شيئاً يحتضنها بكثير من الحرص والاهتمام.
في فترة حرجة من تاريخ أي أمة فإن البحث لا يكون منصباً على الديمقراطية، فحتى الثورة الفرنسية ألقت بنفسها عند أقدام أول رجل كان يعطي الانطباع بقدرته على إعادة السلم الأهلي، والثورة أصلاً فعل يتضمن إخلالاً بالتوازن الاجتماعي، أو القليل المتبقي منه، والمشكلة لا تحدث أبداً أثناء فعل الثورة فهو يتسم بالعفوية والخضوع للعقل الجمعي، الذي يوهم الفرد بأنه قديس يحارب الوحش، بينما تحوطه الملائكة من كل اتجاه، وفي الليلة الأولى بعد سقوط النظام وعودة الثوار لمنازلهم لأخذ قسط من الراحة، فإن الشيطان يهبط من غيمته ويمسك طرف الخيط الذي يربط حبات المسبحة ويزيح الوحوش والقديسين والملائكة في ضربة واحدة.
الحل اليوم ليس في البحث عن الديمقراطية في سوريا، أو محاولة اختراعها في مصر، أو انتظارها أن تهبط من السماء في ليبيا، الحل في وجود إرادة فعلية لإنهاء حالة الاستنزاف القائمة، والبحث عن أي أرضية توقف المأساة المستمرة إلى اليوم في بلد مثل سوريا. فجميع الخطابات الإنشائية التي يطلقها أعداء الأسد من أنصار حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، أو يتبناها مناصروه عن الممانعة والمقاومة والمؤامرة الكونية، كلها سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مكتوبة، لا تساوي طوق سباحة للاجئ سوري ابتلع البحر زورق التهريب الذي يستقله، ولا دثاراً صوفياً لطفل في مخيمات اللجوء، أو حتى جرعة من الهواء لرجل يختنق في شاحنة مغلقة.
محادثات فيينا تعتبر لحظة الحقيقة في الأزمة الأخيرة، وربما تعتبر الفصل الأخير، مع احتمالية أن يمتد ذلك الفصل لأشهر طويلة، ولكن في النهاية فإن اختباراً حقيقياً للنوايا سيكون ماثلاً أمام جميع المشاركين، فالمحادثات يمكن أن تنهار نتيجة مشادة عرضية، وأن تضيع أسابيع وأسابيع، ووحدة القياس المناسبة في هذه الحالة هي أرواح المواطنين السوريين الأبرياء، قبل أن يستعاد الفرقاء من جديد للتفاوض، ولكن ما الذي يمكن أن تسفر عنه هذه المفاوضات في النهاية؟
المفاوضات الفاشلة تعتبر البوابة الملعونة للحرب، فالعراقيون والكويتيون عادوا من القاهرة ليبدأ أحد فصول الحرب العبثية، الذي ما زالت ارتداداته تتفاعل في المنطقة. أما والمفاوضات تجري اليوم وسوريا برسم الخراب فيجب أن تنتهي إلى أي شيء، وأي شيء سيكون أفضل من الوضع الراهن بالنسبة للسوريين، وعلى الجميع أن يستدعوا أي حديث يرغبونه إلا الديمقراطية التي باختصار هي الموضوع غير المناسب وفي الوقت غير المناسب.
بالعودة إلى الحقيبة فإنه بعد أن يقتل حاملها ويصفي المطاردون بعضهم بعضاً، سيجرب الشخص الأخير المصاب برصاصة مميتة الشعور الأكثر التباساً وهو يفتح الحقيبة ليجد مجموعة من الجوارب الصينية وأدوات الحلاقة كما هي حالة معظم الحقائب التي تتنقل في الشوارع يومياً، ثمة مخاوف حقيقية أن تكون هذه الحقيبة هي نصيب العرب من الديمقراطية.

٭ كاتب أردني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية