تقول أناييس نن: «وجد الحلم ليكون ضرورة كاملة للإنسان، إنّه يحافظ على حياتنا النفسية حيّة، ولا يؤدي بالحياة إلى الإنحراف، ولا يتعرّض لضغوط المجتمع، وعندما نكف عن الإيمان بهذا القاع الروحي، تصبح حياتنا صدفات خاوية…»، وهي تقول ذلك مستندة إلى قاعدة علمية، فقد كانت مهووسة بالدراسات العلمية وكل ما له علاقة بسيكولوجيا الإنسان.
كتجربة عاشت أناييس نن تجربة فريدة من نوعها في حياتها، حتى أنها منحت لنفسها حياتين، هويتين، وتقاسمت الحب مع رجلين، وفي تفاصيل حياتها شخصية مركبة غريبة ظلت إلى اليوم محلّ دراسات وتحليلات وقراءات جديدة. لكن المهم في مدخلنا اليوم هو قيمة الحلم في حياتنا، تحديدا قيمته المعنوية التي يجهلها الكثيرون منا.
مرّت عليّ مقولة جميلة لم أعد أذكر صاحبها تقول: «في الحلم أنت طليق» وتكررت في قراءاتي هذه المقولة بأشكال مختلفة، حيث تبرز الحرية كقيمة معنوية يمنحها الحلم لنا. ولعلّ هذه النقطة بالذات هي النقطة الأهم التي عالجها جبران خليل جبران في كل كتاباته، والتي ترجمتها سلمى حايك مع صناع فيلمها عنه، لكن للأسف لم تصل تماما كما أرادت، ذلك أننا ننتمي لدائرة بقي فيها مفهوم الحرية مبهما، ولم تتوضح معالمه جيدا، أما الحلم فقد وضع في قوالب أكثر ضيقا، وبلغت بعض هذه القوالب معنى التفاهة وإهدار الوقت.
حين تعبّر امرأة عندنا عن رغبتها في أن تكون حرة، يبدو الأمر مريعا للسامعين، لأن حرية المرأة تعني «الفلتان» الحقيقي و»الصّرمحة» في الشوارع، ومعاشرة الرّجال..! وهذا المفهوم لم يأت من عدم، فحتى الرجال عندنا يمارسون حريتهم من خلال هذا المفهوم. حين يتحدث المرء عن أحلامه، يجد دوما من يستسخفها، لقد عودنا على جعل دروب الأحلام غير سالكة. وكل إمكانية للتغيير نحوّلها إلى مهمة مستحيلة. نوقف الحلم عند ولادته، نبقيه صغيرا، ونحيطه بكل المعطيات القاتلة حتى نتخلص منه وكأنّه عشبة ضارة.
الحالم الأكبر والت ديزني قال: «إن كنت قادرا على الحلم فهذا يعني أنك قادر على تحقيقه» وما حققه ديزني كان خرافيا، لأنه أشبه بالمعجزة. أي حلم هذا الذي يبدأ بفكرة بسيطة لإرضاء طفلتين، ثم ينتهي بأن يصبح عالما ساحرا لكل أطفال العالم، و»الدجاجة التي تبيض ذهبا» للدول التي تستثمر في المشروع؟ ديزني نموذج لأولئك الذين وثقوا في أحلامهم، وذهبوا في تحقيقها نحو الأقاصي. أما الخراب الذي نعيش فيه فهو بالضبط ما عكسه إيماننا بأن الأحلام لا تفعل شيئا.
سيقول البعض لا، لقد حلمنا وأردنا تحقيق أحلامنا ولكنّها سرقت منا. ولكنني لن أوافق، لأن الحلم ملكية خاصة وليس جماعية. حين يعبر الآخرون حلمك ويعيثون فيه فسادا فهذا يعني أنك لم تعرف أن تحافظ على حلمك وتحضنه وترعاه حتى يكبر.. مقولة مارتن لوثر كنغ التي أحبها كثيرا وأكررها دائما: «إقبض على حلمك وهو حي» سكنتني منذ قرأتها ذات يوم وأنا طفلة على ورقة رزنامة، وقد بقيت المقولة في رأسي تنضج مثل فاكهة جميلة ولذيذة وأعتقد أنها من بين المقولات التي حثتني دوما على التقدم. حين كانت الرزنامة كتيبا تثقيفيا من النوع الممتاز، بحيث كنا نتسابق صباحا حسب من يستيقظ الأول ليمزق الورقة ويقرأها قبل الآخرين. ورقة لوثر كنغ لا أزال أحتفظ بها مع مقتنياتي العزيزة.
الحكمة الصباحية اعتمدتها أصوات كثيرة عبر الرّاديو في برامج الزمن الجميل، وإن ابتعد كثيرون عن سماع الراديو اليوم إلا في سياراتهم فإن الأكثرية التي تستعمل تقنيات التواصل الاجتماعي تتناقل حكم الكتاب وأقوالهم وأبياتا من الشعر تختصر تجارب الإنسانية، وأشياء أخرى كانت تصلنا في السابق بوسائل ملموسة وأكثر جمالا.. ندير الراديو ونسمع الأصوات المقبلة إلينا من الإذاعات العربية من باريس ولندن وعواصم أخرى ونستسلم لأحلامنا.. في الحياة لدينا خياران حين نستيقظ صباحا، إمّا أن نعود للنّوم ونحلم، أو نقوم لنحقق ما نحلم به. لا مجال للتفكير إذن في احتمالات أخرى. فالروتين الذي نراه أحيانا مملا في يومياتنا ما هو إلا الخطوات اللازمة لبناء صرح أحلامنا. والواقع المر الذي يحيط بنا يمكن تغييره بحلم. من الانهزامية أن نترك السلبيين والفاشلين يغيرون مصائرنا، فيما بإمكاننا نحن أن نغيرهم جميعهم بتحقيق أحلامنا.
كل شيء في حياتنا فكرة، تماما كأفكار مهندس يجلس إلى أوراقه ومساطره وأجهزة القياس خاصته ويبدأ في رسم عماراته، ثم يحدد كمية المواد التي يريدها، ثم عدد العمال واختصاصاتهم، ثم يباشر بتحقيق ما هو على الورق على الأرض حتى يكتمل البناء وتصبح الصورة التي كانت في رأسه واقعا ملموسا. كل شيء يبدأ بفكرة، ثم يصبح ورشة، وأشغالا وأموالا تصرف وعائلات تعيش… كل أمور الحياة هكذا تبدأ بفكرة، وكل فكرة في الحقيقة حلم، ومن نعمة الله علينا أن الإنسان يملك شاشة لا تكف عن الاشتغال، سواء كان نائما أو مستيقظا.
لا نهاية للأحلام… لا نهاية للرغبات البشرية في جعل الحياة أجمل وأبهى وأقل شراسة وتعبا.
حتى نحن بإمكاننا أن نحوّل حياتنا إلى حلم جميل. حين نخطط ونرسم حدودا لكل الذين يدخلونها، حين نعمل بإصرار على المضي قدما في خط واحد هو خط أحلامنا. حين نغلق آذاننا وقلوبنا وعقولنا وأعيننا أمام كل ما يشوّش مجال تلك الأحلام الجميلة. حين ننتصر للحلم أولا ومن دون تردد.
والآن سأخبركم إن كل هذا الكلام ليس بثرثرة شاعرة، إنه مستند لكلام علمي بدأت بوادره في مطلع القرن العشرين، وهو ما اعتمدته ساغان وغيرها من مثقفي ومفكري أمريكا وأوروبا لتغيير البؤس الغربي إلى عالم أكثر إنسانية وتحضرا. فقبل ألفي سنة أُبعد الحلم تماما عن المجتمع الغربي، ولم يُمنح الأهمية اللازمة إلا حين كشفت الدراسات أهميته فأُخذ بعين الاعتبار.
فقد كان الحلم ولا يزال نبراسا يقود البعض نحو الطمأنينة الروحية، كما ينذر البعض بالحذر من شيء ما، ويعتبره كثيرون رسائل مشفرة مرسلة من الله لكائناته. لكن بين الأحلام التي تنتابنا خلال النوم وبين تلك التي تنتابنا بجموح ونحن في حالات يقظتنا القصوى فروق عظيمة، فالأحلام التي تشكل أول خطوات طموحنا ليست أكثر من خطواتنا الأولى نحو النجاح.
ما لا يدركه الأغلبية خاصة في مجتمعاتنا التي لا تقرأ هو أن الأدب يحوي الكثير من الأحلام، ويحث العقل ليحلم أكثر. لطالما كانت القصة نتاج مخيلة محضة، ولكنّها أبدا لم تقف عند حدود نهايتها، فكل التكنولوجيا الفخمة التي دخلت حياتنا كانت في كتب الأدب القديمة «قصصا من الخيال» ثم أصبحت «قصصا من الخيال العلمي» ثم أصبحت اليوم قاعدة لثورة التكنولوجيا.
والآن شئتم أو أبيتم فإن لم تتبعوا أحلامكم لتحقيقها، سيجركم آخرون لتحقيق أحلامهم… فالذين قادوا العالم وتزعموا الجماعات وحققوا الثروات كانوا حالمين فوق العادة.
شاعرة وإعلامية بحرينية
بروين حبيب