السيسي في لندن… وأسئلة حاسمة بشأن لغز الطائرة الروسية

ما كانت الظروف والمعطيات لتكون أكثر قسوة في استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى زيارته الحالية العاصمة البريطانية. ليس بسبب بعض المظاهرات المتوقعة التي يشكل إسلاميو باكستان وبنغلاديش أغلب المشاركين فيها، فهذه أحداث عادية في بلاد تحترم حق التعبير.
لكنها كارثة الطائرة الروسية، التي خيمت على محادثاته مع رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، بعد أن تحولت إلى إزعاج حقيقي للعلاقات بين القاهرة ولندن، إثر القرار البريطاني المفاجئ والمنفرد بوقف جميع الرحلات من وإلى شرم الشيخ.
ويحتاج هذا الموضوع إلى مقاربة موضوعية هادئة، بعيدا عن الأجندات المسبقة والنتائج الجاهزة لتخدم هدفا أو مشروعا أو حركة سياسية بعينها.
وينبغي الاتفاق هنا على حقائق واقعية قــبل القفز إلى نتائج، لا تختلف كثيرا عــــن سيل الاكاذيب والتكهنات الذي رافق هذه القضية من اللحظة الأولى، عبر محاولة الإجابة عن أسئلة محددة:
أولا: هل يملك أحد حتى الآن دليلا مقنعا على أسباب تحطم الطائرة؟
– الواقع أنه حتى كتابة هذه السطور (بعد ظهر الخميس) لا يزعم أي من الأطراف المشاركة، أو غير المشاركة في التحقيقات، أن لديه دليلا كهذا، بل أن المسؤولين الروس، وهم اكثر المتضررين، والأقرب من الجميع إلى التحقيقات استنكروا القرار البريطاني بتعليق الرحلات، باعتبار أنه لا يستند إلى أدلة، مع التمسك بموقفهم أن تفجير الطائرة بقنبلة هو احتمال وارد، حتى انهم شكلوا لجنة أمنية خاصة لفحصه، لكنه ليس مؤكدا حتى الان. وزاد احد المسؤولين الروس بالقول إن «القرار البريطاني يسعى إلى معاقبة روسيا على موقفها في الأزمة السورية». أما المصريون فمازالوا مستعدين لتقبل نتائج التحقيق أيا كانت، وهو ما يعني ضمنيا أنهم مستعدون لتقبل فرضية القنبلة في حال وجود الدليل عليها. والخلاصة أن القنبلة احتمال حقيقي ووارد، لكنه يبقى مجرد احتمال بانتظار الدليل. إذ أن لأي قنبلة يفترض أن يكون هناك صاعق وتايمر ومتفجرات وغير ذلك، وهو ما لم يزعم أحد العثور عليه حتى الآن.
ثانيا – هل للقرار البريطاني أبعاد سياسية؟
– حسب تصريحات المسؤولين البريطانيين فإن «معلومات استخبارية» أدت إلى اتخاذ القرار، ولم يتضح إن كانت هي نفسها «المعلومات الاستخبارية» الامريكية التي تردد الحديث عنها في الوقت نفسه في وسائل اعلام امريكية. ولسنا هنا في مجال التذكير بمدى صدقية «المعلومات الاستخبارية الامريكية والبريطانية» التي شكلت غطاء ذات يوم لغزو العراق وقتل اكثر من مليون إنسان بريء، قبل أن يتضح زيفها. لكن نسأل هل كانت لندن مضطرة حقا لاتخاذ هذا القرار قبل ساعات من استقبال السيسي، بدلا من الانتظار وإيجاد إخراج أفضل للقرار بعد اللقاء؟ وإذا كانت «سي اي ايه» قالت قبل ايام قليلة، إن الطائرة الروسية لم تسقط بعمل ارهابي، فما الذي جعلها تغير رأيها فجأة؟ وهل لهذا التغيير علاقة برغبة في معاقبة مصر التي لم ترد على عرض امريكي لـ»المساعدة في التحقيقات»؟ وهل جاء تمرير المعلومات إلى الجانب البريطاني في هذا التوقيت كمحاولة لإحراج الرئيس المصري اثناء وجوده في لندن؟ وإذا كانت هذه المعلومات حقيقية لماذا استمرت دول اوروبية اخرى مثل ايطاليا وبلجيكا في ارسال سياحها إلى شرم الشيخ امس الخميس؟
ثالثا- هل إسقاط الطائرة تدفيع لثمن الغارات الروسية في سوريا؟
– من السذاجة أن يفصل أحد ملف سقوط الطائرة عن الصراعات السياسية في المنطقة. وإذا قبلنا جدلا بتسبب قنبلة في الكارثة، ونكرر أنه احتمال وارد، فإن هذا يؤكد أن «طرفا ما متضررا» من الغارات الروسية أراد انتقاما مزدوجا من موسكو والقاهرة، التي ايدت الغارات «طالما انها تستهدف تنظيم «الدولة» الإرهابي. ووحدها التحقيقات الجنائية يمكن أن تؤيد او تنفي هذا الكلام.
لكن من السذاجة أيضا توهم أن هجوما ارهابيا كهذا سيثني روسيا عن مواصلة الغارات في سوريا، أو سيعيد مصر إلى «الحظيرة الامريكية» في ما يتعلق بملفات اقليمية معينة. العكس هو الصحيح ربما. أما بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فانه سيجد مبررا ودعما شعبيا لتوسيع الغارات داخل سوريا وخارجها، بعد أن اثبت الحادث صحة كلامه عن مدى خطورة التنظيمات الارهابية. أما بالنسبة إلى مصر، فعلى الذين لم يستطيعوا أن يخفوا فرحتهم وشماتتهم في هذه الكارثة، خاصة بعد إعلان تنظيم «الدولة» الكاذب بتبنيها، أن يتريثوا قليلا. صحيح أن السياحة في مصر ستكون تلقت ضربة قاسية في هذا الموسم الذي تنتظره كل عام، لكنها ليست المرة الاولى ولن تكون الاخيرة التي تعاني فيها من السياحة وشرم خاصة من نكسات. وعلى من يظن أن السياح سيهجرونها تماما، أن يزور مواقع الشركات السياحية الدولية، والتعرف على اسعار التذاكر اليوم، ليدرك أن الحياة تسير مهما حصل، وان المصريين لن يموتوا جوعا بسبب تراجع جديد للسياحة المتراجعة أصلا. أما النظام المصري فلن يتردد في الاستغلال السياسي الأقصى للكارثة من جهة توسيع حربه على الارهاب في الداخل، وربما الخارج ايضا.
رابعا- اذا كانت قنبلة، هل قام تنظيم «الدولة» بزرعها حقا؟
– كل من سافر إلى شرم الشيخ يعرف جيدا مدى صرامة اجراءات الامن في مطارها مقارنة مع أي مطار آخر، بما في ذلك هيثرو. ومع ذلك إذا افترضنا جدلا أن خرقا أمنيا ما قد حصل، وهذا وارد في اي مكان في العالم، فان تنظيم «الدولة» يبقى كاذبا في ادعائه المسؤولية عن اسقاط الطائرة، لسببين قاطعين: 1- أنه سارع بتبني اسقاطها بعد اربع ساعات فقط يوم السبت الماضي، زاعما أنه استخدم صاروخا في ذلك، واذاع فيديو سرعان ما اتضح أنه مزيف. اما المحققون فقد اتفقوا منذا اليوم الاول على استبعاد فرضية الصاروخ. وعندما اكتشف التنظيم أن مصداقيته اصبحت في الحضيض عاد إلى اعلان مسؤوليته مجددا امس الاول، لكن بدون اعـــــلان الوسيلة التي استخدمها (..)، بانتظار نتيجة التحقيق ليتــــبناها ولا ينكشف كذبه مجددا. اما الجهة الحقيقية التي قامت بزرع القنبلة (إن كانت هناك قنبلة اصــــلا) فلابد انها ستكون جهة استخباراتية تديــــرها دولة قادرة على توظيف قدرات امنية معقدة في اخــــتراق المطار عبر وسيلة غير تقليدية غالبا، وهي لن تعلن مسؤوليتها ابدا.
واخيرا فإن بريطانيا أساءت التصرف بالرضوخ إلى الابتزاز الاستخباراتي الامريكي، إذ أن النتيجة دفع مصر إلى مزيد من التقارب مع روسيا، ودخول المنطقة في نطاق جديد من الحروب القذرة التي قد لا تبقى في اتجاه واحد دائما.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية