غزة ـ «القدس العربي»: على أمل الشروع الفعلي في عمليات إعادة إعمار المنازل المدمرة كلياً في قطاع غزة، بسبب الهجمات الحربية الإسرائيلية خلال المعارك التي اندلعت صيف العام 2014، خاصة مع وصول تمويل دولي لبناء 2000 وحدة سكنية، وفي ظل موافقات سلطات الاحتلال على إدخال مواد البناء لعدة مشاريع بناء خاصة بالسكان، تنتظر جموع كبيرة جداً من الغزيين، تقدر بالنسبة الأكبر بين السكان المحاصرين، لتحسين وضعها الاقتصادي، مع بداية دوران عجلة الاقتصاد.
والمعروف أن قطاع غزة الساحلي الصغير، والمحاصر من كل الجهات بفعل القرارات الإسرائيلية، منذ أكثر من ثماني سنوات عجاف، يعاني من تفشي حالات الفقر وانتشار كبير للبطالة، بعدما منعت إسرائيل عنه كل مقومات الحياة، بمنعها دخول المواد الخام ومواد البناء، التي تعتبر أساس دوران عجلة الاقتصاد، وزادت حدة الحصار هذا، مع إغلاق مصر للأنفاق الأرضية التي كانت تستخدم في تهريب هذه الأصناف التي يحتاجها سوق العمل في غزة.
ووفقا لتقرير صادر عن البنك الدولي فإن الحصار المستمر والحروب المتكررة في غزة، أدت إلى خنق اقتصاد القطاع، حيث أصبح معدل البطالة الأعلى بنسبة وصلت إلى 60٪ .
وأعلن أن أداء اقتصاد القطاع طوال هذه الفترة يعد أسوأ بـِ250 مرة من أداء قد يقارن به، بما في ذلك أداء اقتصاد الضفة الغربية، حيث كان أداء النمو لديها قريبا من المتوسط بالرغم من محدودية الوصول والحركة المفروضة من قبل حكومة إسرائيل، والتي تمثل معيقات للنمو.
ويضيف أن الدخل الفعلي للفرد الواحد في قطاع غزة أقل بنسبة 31٪ مما كان عليه قبل 20 عاما، والفرق في الدخل الفعلي للفرد في الضفة الغربية ازداد من 14٪ إلى 141٪ خلال نفس الفترة لصالح الضفة الغربية.
ويلاحظ التقرير تدهورا كبيرا في قطاع الصناعة في قطاع غزة، حيث قدرت خسائر ناتج النمو المحلي الإجمالي بنسبة تزيد عن 50٪، بالإضافة لخسائر فادحة على مستوى الرفاه.
وفي أوقات سابقة ذكرت تقارير أعدتها مؤسسات دولية، أن 80٪ من سكان قطاع غزة باتوا يعتمدون بسبب الفقر والبطالة على المساعدات الدولية من أجل العيش.
وفي أوقات سابقة ومع اشتداد الحصار المفروض على السكان براً وبحراً وجواً، اضطر الكثير من أرباب العمل، إلى إغلاق المصانع والورش.
وأدى الحصار الإسرائيلي ومنع دخول المواد الخام ومواد البناء إلى إيقاف حوالي 90٪ من المشاريع التي كانت تدار في القطاع، وهو ما أفقد أكثر من 75،000 موظف يعيلون حوالي نصف مليون شخص لوظائفهم.
غير أن أمل السكان المحاصرين الذين باتوا الأكثر فقرا في العالم، في الحصول على حياة اقتصادية أفضل، محصور في هذه الأوقات باستمرار عمليات إعمار قطاع غزة، وزيادتها بوتيرة أكبر، لتحسين أوضاعهم الاقتصادية السيئة.
فبعد تأخير كبير لعملية «إعادة الإعمار» التي أقرت بعد انتهاء حرب غزة الأخيرة في «مؤتمر القاهرة» حيث جمع هناك لهذا الغرض من المانحين 5.4 مليار دولار، وهو ما جعل أصحاب المنازل المدمرة كليا، وعددها بالآلاف، يتخوفون من نسيان ملفهم وبقائهم مهجرين داخليا بلا مأوى، شرعت عدة جهات عربية ودولية في إيصال أموال الدعم، من أجل البدء بهذه المشاريع، وأولها كان عن طريق دولة قطر، التي تدخلت مباشرة لتنفيذ مشاريعها، عن طريق اللجنة التي شكلت لهذا الغرض، تلتها عدة جهات مانحة مولت مشاريعها عن طريق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا».
ولم يعد مطلب إعادة الإعمار مقتصراً على المنكوبين من أصحاب المنازل المدمرة فقط، فقد كان أمنية لجموع العاطلين عن العمل، الذين يتطلعون إليه على أنه أملهم الوحيد في إعالة أسرهم الفقيرة، وانتشالها من حالة الفقر الكبير إلى حياة أكثر استقرارا.
ويقول عائد صبح، ويعمل مقاول بناء، أن لديه طاقم عمل مكوناً من أكثر من عشرة شبان، جميعهم بات بلا عمل منذ أن أغلقت مصر أنفاق التهريب قبل عامين تقريبا، عندما توقفت تماما عمليات دخول مواد البناء، وأنه منذ ذلك الوقت لم يحصل إلا على فرصة للعمل على بند البطالة امتدت لثلاثة أشهر.
ويأمل عائد الذي يعمل الآن في ترميم أحد المنازل بغزة، أن يتوسع نطاق عمله كما كان سابقاً، وأن يحصل على فرص لبناء وحدات سكنية كاملة، وهو أمر سيمكنه من توفير المال اللازم لأسرته، وسيوفر أموالاً أخرى للعمال الآخرين.
وكانت أنفاق التهريب المقامة أسفل الحدود الجنوبية لغزة مع مصر، تستغل في إدخال مواد البناء، قبل أن تغلق من جديد من خلال حملة للجيش المصري، ما أدى إلى تفاقم حالات الفقر والبطالة، مع توقف العمل في ورش البناء والكثير من المصانع.
والمعروف في غزة أن «كيس الإسمنت» تتوقف عليه أكثر من 30 مهنة، تبدأ بالبناء ولا تنتهي عند أعمال السباكة والكهرباء والطلاء والنجارة، وحتى شراء الأدوات الكهربائية اللازمة للمنزل المشيد.
وببدء عملية البناء فإن الآلاف من العاطلين عن العمل ستوفر لهم على الفور فرص جديدة للعمل، في ظل الأوضاع الاقتصادية المزرية.
وقبل أيام أعلن مسؤول في «الأونروا» عن وصول دعم مالي لإعادة إعمار ألفي وحدة سكنية دمرت خلال الحرب الأخيرة.
وقال رئيس برنامج الهندسة والبنية التحتية في «الأونروا» رفيق عابد إن الدعم المالي المذكور مقدم من كل من السعودية وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وسيتم دفع الأموال من الوكالة لمستحقيها ضمن آلية مختلفة عن الوحدات السابقة.
وذكر عابد أن «الأونروا» طلبت من مستحقي الدعم المالي المذكور لإعادة إعمار منازلهم بتجهيز المخططات الهندسية للوحدات السكنية التي يشملها الدعم، في خطوة جديدة لدفع إعادة إعمار قطاع غزة.
وأشار إلى أن «الأونروا» قيمت 140 ألف وحدة سكنية متضررة من أصل 150 ألف وحدة تضررت منها 7400 وحدة بشكل كامل و9000 وحدة بشكل بليغ و124 ألف وحدة بشكل جزئي.
وذكر أن المنظمة الدولية أصلحت 70 ألف وحدة سكنية منها 3500 وحدة بشكل جزئي و135 بشكل بليغ و7000 بشكل كلي وأنه جارٍ الآن تسلم المبالغ المالية.
وقبل ذلك كان أحد سكان حي الشجاعية الذي دمرت قوات الاحتلال أجزاء كبيرة منه، وهدمت فيه الكثير من المنازل، قد أعلن عن انتهائه من بناء منزله المدمر بعد حصوله على التمويل اللازم.
ويعود المنزل لمواطن من عائلة الظاظا، قالت «الأونروا» إنها كانت من واحدة من 190 عائلة لاجئة تم إرسال طلبات إعادة إعمار منازلهم المدمرة كلياً، عبر آلية إعمار غزة الجديدة، حيث تمت الموافقة على 170 حالة.
وعقب انتهاء الحرب تم التوصل بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، برعاية الأمم المتحدة إلى اتفاق على كيفية إعادة الإعمار، بإخضاع مواد البناء إلى رقابة من أجل التأكد من وصولها لمكانها المخصص.
ويزداد أمل العاطلين عن العمل بتحسن وضعهم الاقتصادي في غزة، مع عودة إسرائيل للموافقة على إدخال كميات من مواد البناء لصالح مشاريع بناء خاصة، لا علاقة لها بإعادة الإعمار، وذلك عن طريق موافقتها على طلبات للعديد من الأسر التي تريد الحصول على مواد البناء لبناء منازلها أو تطويرها.
ومؤخرا أعلن وزير الأشغال العامة الدكتور مفيد الحساينة أن إسرائيل وافقت على إدخال مواد البناء لصالح العديد من المشاريع الخاصة، وأن أصحابها يمكنهم الحصول على مواد البناء من الموردين.
وبالفعل يمكن أن ترى عمليات تشييد المنازل التي لا تخضع لتمويل إعادة الإعمار في غزة، غير أن ذلك لا يماثل الوضع الذي كانت عليه الأوضاع في الوقت الذي سبق الحصار المفروض على غزة، لكن ذلك لا يمنع من تحسن وضع الاقتصاد في المرحلة المقبلة.
أشرف الهور