رام الله ـ «القدس العربي»: لا شك في أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة ولقاءه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير خارجيته كون كيري ولفيف من المسؤولين الأمريكيين قد أثمرت على الأقل ضد الفلسطينيين بل ووجهت لهم ضربات على عدة مستويات. ولعل المستوى الأول هو قضية القدس والمسجد الأقصى تليها قضية الاستيطان وهي لا تقل خطورة عن قضية القدس والأقصى والقضية الثالثة وتحت مسمى «عملية السلام» تم الحديث عن تحسين شروط حياة الفلسطينيين في الضفة وغزة!
ووجه نتنياهو الضربة الأولى للفلسطينيين عندما تحدث بصراحة خلال زيارته للولايات المتحدة وبوضوح أكثر من ذي قبل عندما أعلن صراحة أنه يعتقد فيما يخص «مسألتي القدس والحرم القدسي أنهما غير قابلتين للحل». بل إنه يرى أنه لا يوجد أي حل للحرم القدسي وهو يراه «المسجد الأقصى» في أيدي إسرائيل فقط.
ورد اللواء جبريل الرجوب من القيادات الفلسطينية على تصريحات نتنياهو وإن بطريقة غير مباشرة وقال أنه ورغم الحديث عن عاصمة «موحدة وأبدية» في القدس فإن الخطوات الأخيرة التي انتهجتها إسرائيل تحت ستار الحفاظ على الأمن تثبت فقط ما تحاول انكاره: «المدينة مقسمة وهكذا ستبقى والتصدع الذي يشطرها عميق وخطير».
ويعتقد الرجوب بهذا الخصوص أن «الحل الوحيد هو الموافقة على شكل تنفيذ الفصل بحيث يتم بطرق سلمية ولصالح الجانبين كجزء من حل الصراع. نحن نفهم التخوف الإسرائيلي على الأمن ومستعدون للمساعدة على تهدئة المخاوف المبررة قدر المستطاع. وافقنا على تسلم أنواع مختلفة من الأجهزة الأمنية ونحن منفتحون لكل جانب منطقي يضمن المستقبل المحمي والآمن للشعبين».
وأكد الرجوب أن الفلسطينيين ليسوا معنيين بصيغة خيالية غير قابلة للتحقق وانما «نبحث عن طريق تتجاوب مع احتياجات الجانبين بواسطة حل الدولتين: الحل القائم على خطوط 67 وعاصمة للجانبين في القدس وأمن وقدسية كل الأماكن المقدسة والعدالة للاجئين الفلسطينيين. إذا لم نمض على هذا الطريق قريبا فان اللحظة ستمضي والمسؤولون عن ذلك سيتحملون النتائج». رد الرجوب جاء في رسالة وجهها لمؤتمر السلام الإسرائيلي.
أما الضربة الثانية فكانت خلال زيارة نتنياهو للولايات المتحدة الأمريكية وهي الإعلان عن آلاف الوحدات الاستيطانية على أراض فلسطينية في الضفة الغربية وتحديداً في محيط مدينتي رام الله وبيت لحم الفلسطينيتين وهو ما لم يكن بالون اختبار بقدر ما هو تحد للإدارة الأمريكية في عقر دارها وللفلسطينيين على حد سواء.
ورد تيسير خالد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على الضربة الإسرائيلية الثانية بالقول أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يحمل معه إلى واشنطن في لقائه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما رزمة مطالب بمساعدات مالية وعسكرية أمريكية جديدة لدولة إسرائيل وحسب بل وكذلك رزمة من «النوايا الحسنة» نحو الفلسطينيين تشتمل على تشريع بؤرتين استيطانيتين وبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية على الأرض الفلسطينية.
وقال، أن المخطط الاستيطاني الذي صودق عليه أثناء زيارة نتنياهو لواشنطن هو مخطط طويل الأمد ويشير إلى نوايا إسرائيل الحقيقية وإصرارها على الاستمرار في احتلال الضفة الغربية وتمسكها بتحويلها إلى مجال حيوي للنشاطات الاستيطانية الكولونيالية. كما أنه مخطط يغلق الطريق بشكل واضح أمام حل الدولتين.
لكن تيسير خالد رأى أن حكومة نتنياهو وجهت بهذه القرارات أيضاً صفعة جديدة للإدارة الأمريكية خلال زيارة نتنياهو لواشنطن ولقائه الرئيس باراك أوباما. وهو دليل إضافي على عقم الرهان على سياسة الإدارة الأمريكية التي فقدت الفاعلية والتأثير في القرارات الإسرائيلية وحتى الحد الأدنى من المصداقية لدى الرأي العام الفلسطيني الذي بات على قناعة أن الرعاية الأمريكية الحصرية للمفاوضات وللعملية السياسية وانحيازها الفظ للسياسة الإسرائيلية العدوانية التوسعية المعادية للسلام، كانت سببا جوهريا في تعثر الجهود الدولية لدفع مسيرة التسوية إلى الأمام.
أما الضربة الثالثة التي وجهها نتنياهو والبيت الأبيض معاً للفلسطينيين فتمثلت في لقاء جمع نتنياهو مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري حيث بحثا مستوى العنف في المنطقة وطرق خفض مستوياته و»تحسين شروط الحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة» ودفع العملية السياسية قدما. وتم الاتفاق على إرسال مساعد كيري فرانك لونستون إلى إسرائيل لمواصلة بحث الأفكار المختلفة والتي طرحت بين كيري ونتنياهو. وكان أوباما قال أنه يتفهم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
وهنا تدخلت وزارة الخارجية الفلسطينية ووجهت تحذيراً إلى المجتمع الدولي من تصريحات نتنياهو المضللة في واشنطن. وطالبت مجلس الأمن بقرار دولي ينهي الإحتلال. وأدانت الوزارة بشدة سيل التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته إلى واشنطن، على أساس أنها تعكس بوضوح سياسة الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وأطماعها في تكريس الاحتلال وضم وتهويد أرض دولة فلسطين والأراضي العربية المحتلة، ولسان حالها يقول أن نتنياهو يتفاوض مع نفسه ويتلاعب بالألفاظ والمفاهيم بما يرضي الجمهور الذي يستمع إليه في كل لقاء دون الخروج عن جوهر موقفه السياسي القائم على ايديولوجية التطرف والاحتلال والعنصرية والضم وتكرار شروطه المسبقة للبدء في أي مفاوضات جدية وفي مقدمتها الإعتراف بيهودية الدولة.
وبعيداً عن المفاوضات الجادة المح نتنياهو إلى أن «الخطوات أحادية الجانب ممكنة ولكن يجب أن تلبي احتياجات دولة إسرائيل الأمنية وأن تكون مدعومة بتفاهمات دولية». مؤكداً على صعوبة التوصل إلى حل للنزاع الفلسطيني والإسرائيلي وأن القدس والمسجد الأقصى خارج أي تسوية.
وفي إطار السلام الاقتصادي الوهمي الذي يدّعيه نتنياهو بدأ يروج لأوهام جديدة في العلاقة مع الفلسطينيين تقوم على «تسهيلات مقابل الهدوء» متجاهلاً بشكل تام وجود الاحتلال والاستيطان لأرض دولة فلسطين ساعياً إلى تقزيم الصراع مع الفلسطينيين وتجزئته في «قوالب مناطقية» تخصص لكل منها مسكنات وتسهيلات مختلفة هنا أو هناك في إطار عملية إدارة الصراع وتكريس الاحتلال التي يعتمدها نتنياهو وحكومته.
وأكدت الخارجية الفلسطينية أن بنيامين نتنياهو لن يجد أي فلسطيني يتجاوب مع إملاءاته وشروطه المسبقة. فالقيادة الفلسطينية حريصة على إطلاق عملية سلام جدية وحقيقية تنهي الاحتلال وفق جدول زمني محدد وليس ترتيبات تضمن لإسرائيل إدارة طويلة الأمد للصراع كما يتمنى نتنياهو. إن تصريحات نتنياهو تلك تؤكد مجدداً على صحة توجه القيادة الفلسطينية إلى المجتمع الدولي من أجل توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني، وإلى مجلس الأمن للحصول على العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.
فادي أبو سعدى