في ثقافة الجسد: لا أنا إلاّ أنا

إنّ الجسد في الثقافة الإنسانية المعاصرة، موضوع تقريظٍ وتكريم؛ ينهض له أفراد وجماعات من مشارب فكرية مختلفة أو متباينة، وتتضافر في دراسته منهجيات عديدة : نفسية وفلسفـية واجتماعية وأنثروبولوجية… و لم يعد أحد من هؤلاء يلزم نفسه بتبرير البحث في هذا الموضوع فالحياة تفرض على الإنسان أن ينظر في جسده يوما بعد يوم، كما يقول الفيلسوف الفرنسي مشال برنار، فبالجسد وفي الجسد يحسّ الإنسان، ويعبّر ويعمل ويبتكر ويحلـــم ويتخيّل؛ ومن الجسد يطلّ على واقع الآخرين الجسدي ويلتحم بمفردات العالم وأشيائه. لقد ولّى الزمان الذي كان فيه الجسد محفوفا بالأساطير والخرافات، وأخذت تتقوّض كثير من النظريات والتصوّرات القديمة التي تعتبر الجسد حاجبا وعائقا وسجنا ولحدا وصَدَفة مختومة على الروح تمنع نورها من أن ينبثق ويشع، وجثة فانية مشغلة عن العبادة والصلاة، ينبغي ترويضها وتجويعها، «حتى يصير الجوع لها شعارا والطعام لها دثارا»؛ فعند ذلك يحيا القلب وينظر بنور الله، كما يقول شقيق البلخي. أصبح الجسد في الثقافة الإنسانية المعاصرة «رمزيّة عامّة للعالم» بل مصدر كلّ الرموز الإنسانيّة القائمة أو المحتملة، فالجسد يرمز إلى كل شيء مثلما يرمز كل شيء إلى الجسد.
وبسبب من ذلك لم يعد من الممكن أن يتجافى النقد عنه، أو يتحاشى مقاربته. فالموقف من الجسد، مهما يكن منطلقه، يعكس موقفا من المجتمع والكون، ويحدّد علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين. لكن إذا كانت الثقافة الإنسانية المعاصرة تنزع في مجملها إلى تكريم الجسد من حيث هو مصدر متعة وإبداع، ووسيلة تحرّر فردي وجماعي، فتدرجه ضمن أبعاد الوجود الأساسيّة باعتباره لغة الواقع والخيال، وتجعل البعد الجسدي كـــنه الإنسانيّة وتحتفي بالتعرّي في الرسم والمسرح والسينما والأدب، من حيث هو عودة إلى المصالحة مع الطبيعة واكتشاف للبراءة الجسمية، دون أن ينفي ذلك نجاح المجتمعات الرأسماليّة في السيطرة على الجسد واستلابه بالعمل والرياضة، وتحويل الثقافة الجسدية إلى «ثقافة خلاعية» في كثير من الأحيان، فإنّ العرب لم يكتبوا حتى اليوم تاريخهم الجسدي والجنسي برغم توافر مادة أدبيّة عظيمة، كان يمكن أن تكون مصدرا لجلاء المكبوت في هذه الثقافة واللامفكّر فيه، ولا تزال جلّ الدراسات التي تقارب هذا الموضوع أو تباشره قاصرة على العلاقة العاطفية أو الحسيّة بين الجنسين، وكأنْ لا وجود لجسد مرئي وجسد متخيل وجسد اجتماعي وجسد لاهوتي وجسد سياسي وجسد أسطوري يحكم هذه العلاقة، ويضبطها ويحفر في اللحم البشري صورته ولغته. بل أن هذه الدراسات التي تتناول العلاقة بين الرجل والمرأة لا تجلو صورة الجسد، جسد الحبّ أو جسد الجنس، بقدر ما تجلو عاطفة جيّاشة أو معايير جمالية ساكنة، وهي لا تتنبّه إلى أنّ الجسد في الشعر أو في الرواية أو الفيلم أو المسرحيّة، صور تشتغل داخل خطاب ما. فهو ليس متجرّدا عن هذا الخطاب الذي يؤسّسه وينتظمه. أي أن الخطاب هو الذي يصور هيئته وسماته، من حيث هو كيان يفعل وينفعل. وهو الذي يتمثّل حوافزه وعواطفه ويزيح الستائر المسدلة عليه، فيكشف فيه وبه عن حقيقة المنزلة الإنسانيّة بوجهيها: الوجه الإنساني الحي الذي ينطوي على الفعل والحبّ والتخيّل  والابتكار؛ والوجه الذي يشي بغياب الجسد واستلابه، وزمنيته وعجزه وتلفه ونهايته المحتومة. إن ّالجسد يتحقّق في الكلام وبالكلام. ولذا فإنّ كلّ محاولة تسلخه عن سياقه النابض لتختزله في معايير جمالية ساكنة أو تزجّ به في صدَفة أيديولوجيّة جاهزة، لا تظفر إلا بمعادلات مجرّدة مفارقة، وليس بمعادلات للانفعالات أو لمواقف الإنسان.
أمّا المرئي والمتخيّل فطرفان يتجاذبان صورة الجسد في الأدب عامّة، بحيث لا ترتسم الصورة إلاّ عبر جدليّة بين العالم الخارجي والعالم الداخلي؛ حيث يحيل المرئي على جملة من الثنائيات المترابطة : العين ـ النظر، والنظر ـ اللغة، والنظر ـ الكلام. وينجم النظر من حيث هو معطى «فيزيولوجي» عن العين، إلاّ أنّ العين التي يعاين منها الجسد في النصّ، ليست إلاّ ضربا من اللغة أي منظومة من الرموز والعلامات، في حين أن النظر الذي يلتقط به الشاعر صورة الجسد، هو نظر ـ كلام، شبيه بنظر مخزون في اللاوعي، مُشرع على الداخل والخارج معا.
هو نظر/ استعارة يمتح عناصره من المتخيّل. ويحيل المتخيّل على المخيّلة لا من حيث هي ملَكة تسمح بحفظ صورة الأشياء والأحداث الغائبة، وإنّما من حيث هي ملَكة تفصل الأشياء بعضها عن بعض أو تعيد تركيب بعضها الى بعض. فالمتخيل هنا ينضمّ إلى ظاهرة الاستيهام أي التصوّر التخيّلي الذي كثيرا ما يرتدي ثوب الحلم أو الهلوسة. ومن ثمّة فإنّ الترابط بين المتخيل والمرئي، بين العالم الداخلي والخارجي، ينجم عن امتصاص الأول للثاني، ولا يسوق إلى التماثل بينهما بقدر ما يسوق إلى التمايز.
يدرك الشاعر العالم الخارجي ويتمثله، من حيث هو عالم قائم في داخله، أي أنّه لا ينطبع فيه كما لو كان الداخل غرفة تصوير سوداء، وإنّما يتحوّل ويتغيّر في الكلام الذي هو إنجاز أو أداء الشاعر في اللغة.
والشاعر لا ينقل المرئي وإنّما يبني علاقته بالمرئي على هيئة مخصوصة نابعة من فعاليّة نفسيّة مخصوصة. هذه الفعالية هي التي ترسي أوجه الاختلاف عن العالم الخارجي دون أن تقطع الحبل السرّي الذي يشدّها إليه مثلما يشدّه إليها. ذلك أنها ردّ على العالم الذي يفعل فيها مثلما تفعل فيه.
إنّ المتخيّل والمرئي كليهما، في النصّ الشعري، مجْلَى متحوّل لجسد في علاقته بنفسه وبالعالم، جسد تترابط فيه ثنائيات الغامض ـ الجلي والغائب / الحاضر، والواقعي ـ اللاواقعي؛ وتتفارق. وهذه الثنائيات هي التي تفسّر قدرة الذات على أن تبني في خيالها وكلامها جسدا متخيّلا، فتمتلك جسدين : جسدا تشعر أنّها تسكنه، وهو وسيطها في العلاقات الاجتماعيّة، وجسدا متخيلّا تتضافر في بنائه الذاكرة والرغائب والأحلام والخيالات. فله قوانينه التي يصعب محاصرتها، إذا هو ليس إلا الجسد في صيرورته الممكنة أو المحتملة. هذا الجسد المتخيَّل هو أيضا جسد متخيِّل، فمنه يتولّد في النص الشعري جسد الحبّ وجسد الجنس وجسد الموت. بل جسد النصّ نفسه. بل الجسم أيضا أي هذا الهيكل المحسوس لكلّ ما يشغل حيّزا من المكان (الأشياء عامّة ) فلها مكانة متميّزة في الأدب والفنّ.
وفي تراثنا الصوفي مثلا فإنّ جسد المرأة ليس مجرد وسيط بين الإنساني والإلهي أي أنّ الدنيوي المرئي ليس سبيلا إلى «المقدس» المتخيّل فحسب؛ وأنّما صورة له أيضا. فإذا كانت  المرأة حسناء خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر كبيرة العين بيضاء اللون متحبّبة لزوجها مظهرة له ذلك، قاصرة الطرف عليه، متشهية له؛ فهي كما يقول الغزالي على صورة الحور العين اللاتي يقول القرآن في وصفهن «خيرات حسان» و»عُرُبا أترابا». ويحتـج الغزالي بالنبي في قوله،»يا أمّ سلمة لا يؤذيني في عائشة فإنّه والله، ما نزل عليّ الوحي؛ وأنا في لِحاف امرأة منكنّ غيرها».
إنّ صور الجسد موصولة ببينة الفكر الأسطوري، وبإطلاقه ولازمنيّته، وهي ترتكز على مبدأ الوحدة المطلقة، وتنطلق من الكثير إلى الواحد من حيث هو المركز والأصل؛ وتمزج المطلق بالنسبي. وعلى ما في هذا من حقّ أو بعض حقّ، فإنّ في صور الجسد مصالحة مع الطبيعة، واستعادة لوحدة الإنسان المفقودة. وليس هناك أبلغ في التعبير عن الإنسان من حيث هو قيمة مطلقة من شهادة الجيلي الصوفي  «لا أنا إلا أنا»، لكأنها صرخة «زرادشت» تضع الإنسان أمام ذاته ومصيره.

كاتب تونسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية