ران باراتز، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا يكترث باعتبارات البروتوكول أو التهذيب الدبلوماسي؛ ولهذا فقد وصف موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما من الاتفاق النووي مع إيران هكذا: «الوجه الحديث للعداء للسامية في الغرب والبلدان الليبرالية». أمّا جون كيري، وزير خارجية الولايات المتحدة، فقد خصّه باراتز بهذه الأمنية: أن يفلح في رؤية العالم بعقلية فتى عمره أكثر من 12 سنة!
الإدارة انزعجت، بالطبع، والناطق باسم الخارجية الأمريكية أعرب عن «الشعور بالإهانة»، لأنّ الولايات المتحدة تتوقع من «المسؤولين الحكوميين في أي بلد، وخاصة لدى حلفائنا الأقرب، أن يتحدثوا باحترام وصدق عن كبار مسؤولي الحكومة الأمريكية». ولهذا، من باب ترميم الأضرار، فقد اعتبر نتنياهو أنّ أقوال مستشاره الإعلامي «غير مقبولة»؛ ولكنه لم يطلب منه الاستقالة، ولن يعيد النظر في إسناد المنصب إليه.
هذه محض واقعة عابرة، لفظية وإعلامية ربما، في سجلّ أكثر تعقيداً واحتشاداً، اكتنف زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن؛ لأنّ الوقائع الأخرى ذات صلة بمطالب إسرائيلية أكثر جدّية وجدوى ـ عند الطرفين، في الواقع ـ من الصَبْيَنة التي انساق إليها باراتز: تدعيم «القبة الفولاذية»، التي تستقبل وتدمّر الصواريخ قصيرة المدى؛ و»مقلاع داود»، للصواريخ متوسطة وبعيدة المدى؛ وأنظمة «سهم»، المضادة للصواريخ بدورها؛ ومفاتلات F-35A التي تُمنح، للمرّة الأولى، إلى أيّ حليف؛ ومقاتلات V-22، التي تحلّق كطائرة وتهبط كحوّامة، والقادرة على بلوغ إيران؛ فضلاً، بالطبع، عن اتفاقية مساعدة سنوية بقيمة 30 مليار دولار، تنتهي في سنة 2017 ويتوجب تجديدها… إلى أجل غير مسمى، ربما!
ولقد بات جلياً، على نقيض الأحلام التي راودت بعض بسطاء اليقين، أنّ أوباما سوف يغادر البيت الأبيض، مرّة وإلى الأبد، دون أن يمسّ خصوصية البرنامج النووي الإسرائيلي؛ ولن يبدّل التفاهم الضمني الذي توصّل إليه الطرفان سنة 1969 (لا تجري إسرائيل أية تجارب نووية، وتمتنع أمريكا عن الضغط على إسرائيل للانضمام إلى اتفاقية الحدّ من الأسلحة النووية). أكثر من هذا، سوف يسجّل التاريخ أنّ أوباما سابق الرئيس سلفه بيل كلنتون حين أعرب عن «انتسابه إلى التفاهم الرئاسي العميق في هذا الميدان»، أي «قدرة الردع الإسرائيلية»، التي يتفق الطرفان على أنّ ترجمتها اللغوية الأخرى الوحيدة هي امتلاك السلاح النووي، ومنعه عن الجيران… أجمعين!
وعلى سيرة كلنتون، يتذكّر المعلّق الإسرائيلي عكيفا إلدار مقدار النفور الذي حظي به نتنياهو لدى رجالات إدارة كلنتون، من الرئيس نفسه (الذي استخدم تعبير «براز الدجاج»، في إحدى ثورات غضبه على نتنياهو)؛ مروراً بالسيدة الأولى هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية في ولاية أوباما الأولى والمرشحة الرئاسية الديمقراطية اليوم؛ وانتهاء بأمثال دنيس روس، أرون دافيد ميللر، وجو لوكهارت. ولكن، مثلما لم تفلح تلك المشاعر الكارهة في تخفيض ما حظي به نتنياهو من «تغنيج» علني؛ فإنّ ما يقوله باراتز مثلاً، ويردّ عليه رجال إدارة أوباما، علانية أو سرّاً على الجانبين، لن يسفر عن أيّ تقليص في لائحة مطالب إسرائيل من أمريكا.
في المقابل، أيّ مراقب لتاريخ العلاقة، بين إدارة أوباما وحكومات نتنياهو، تجاسر على التفكير في أنّ ملفات توسيع الاستيطان، أو تهويد القدس، أو مصادرة الأراضي، أو عربدة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في المناطق ذاتها التي تخضع للتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، أو وضع معظم بنود اتفاقيات أوسلو في سلّة المهملات الإسرائيلية… سوف تُبحث خلال زيارة نتنياهو؟
هيهات! ذلك لأنّ المطلوب، الأهمّ، هو أن تظلّ القبة الفولاذية صلبة منيعة؛ وألا يرتخي، البتة، مقلاع داود!
صبحي حديدي