المزاج السياسي في فرنسا ينتمي للمدرسة اللاتينية، ففرنسا أقرب إلى إيطاليا وإسبانيا والبرتغال منها إلى بريطانيا، أو الدول الاسكندنافية، لذلك أتت التحولات الجذرية في السياسة والسلطة في فرنسا، وتقلبت الدولة الفرنسية بين الملكية والجمهورية لأكثر من مرة، وحتى الجمهوريات تغيرت من مرحلة لأخرى، وكان آخرها الجمهورية الديغولية الخامسة، التي استدعت ديغول من تقاعده لينهي الفوضى البرلمانية في فرنسا، ويتحصل على صلاحيات واسعة في الرئاسة بدعم من المؤسسة العسكرية.
هذه الجمهورية تبدو اليوم غير مستقرة، ولعلها كانت كذلك منذ اللحظة التي شهدت استقالة ديغول في اليوم التالي لاستفتاء 1969، الذي أظهر رفضاً لخطته تجاه اللامركزية في الدولة الفرنسية، وبما كان سيعطي المقاطعات الفرنسية استقلالية كبيرة في شؤونها المالية والإدارية، الأمر الذي من شأنه أن ينزع عن باريس صفتها البطريركية على فرنسا، وأن يخفف من اعتماد الفرنسيين على الدولة وسلطتها، ويمكن لمن يتابع خريطة ذلك الاستفتاء، الذي أصبح اليوم جزءاً منسياً من التاريخ، أن المقاطعات التي قبلت الاستفتاء كانت تتميز بوجود قاعدة صناعية أو هوية قومية شبه مستقلة، مثل المقاطعات التي تسكنها الأغلبية السلتية وجزيرة كورسيكا.
واصلت الجمهورية الفرنسية الخامسة وجودها، وبدت مستقرة إلى حد بعيد، وكان انضمام الفرنسيين إلى المشروع الأوروبي يخفف من الصراعات السياسية التي تدور أصلاً حول فلسفة الدولة ومستقبلها، وأتت أحداث باريس الأخيرة لتعيد من جديد سؤال المستقبل في فرنسا، وتفتح شهية القوى المتطرفة، ومعها قطاع كبير من المعتدلين، تجاه العمل على إجراء تغيرات جذرية، يمكن أن ترتقي للوصول إلى جمهورية سادسة تقوم على مزيد من السلطة الرئاسية، فالفرنسيون اليوم يشعرون بأنهم بحاجة إلى قائد قوي، أو حسب المصطلح اللاتيني الروماني، قيصر جديد.
قبل أكثر من قرنين استغل نابليون بونابرت محاولة اغتياله لدى توجهه لدار الأوبرا، من أجل التخلص من خصومه السياسيين، خاصة اليعاقبة الذين صعد من بين صفوفهم قبل ذلك بسنوات، ومع أن التحقيقات التي أجرتها الشرطة توصلت إلى تورط المتعاطفين مع الملكية، إلا أن نابليون أخذ يواصل حملته ضد اليعاقبة المنادين بالاشتراكية والمتعصبين لمبادئ الثورة، التي تعارضت مع طموح نابليون للتفرد بالسلطة، وليس مهماً ما جرى بعد ذلك، فالمهم هو الوقوف على مسارات المستقبل المحتملة مع شعب يتصف بالانفعال والحس العاطفي مثل الفرنسيين، فالمتوقع أن عالماً جديداً سيدعى «عالم ما بعد باريس 2015»، مثل العالم الذي عايشناه بعد غزوة منهاتن 2001، يمكن أن أثره لن يمتد على ذات الاتساع الجغرافي، وسيبقى منحصراً في منطقة المتوسط ووسط أفريقيا والشرق الأدنى، إلا أنه سيكون عالماً جديداً وبشروط مختلفة، أهمها بالطبع العلاقات في ملفي الشرق والغرب، بتفاعلاته الأيديولوجية والثقافية، والشمال والجنوب، بأسئلته الاقتصادية والتنموية.
مراجعة الدستور الفرنسي لن تتوقف عند قضية سحب الجنسيات لمزدوجي الجنسية ممن يدانون في أعمال إرهابية، هذه مقدمات فقط كانت طرحت أصلاً قبل هجمات نوفمبر الأخيرة، واليمين الفرنسي ومعه قطاع من المعتدلين المصدومين سيحركون النقاش الدستوري إلى آفاق جديدة ستصل إلى تعريف الهوية الفرنسية من جديد، مع كل ما يترافق مع ذلك من مخاطر اجتماعية واقتصادية، والرئيس أولاند ليس في موقف سياسي أو أدبي يسمح له بأن يقود مواجهة مضادة لعقلنة التحولات السياسية في فرنسا، فصفحته تفتقد للصورة المثالية البطولية، على الرغم من قيامه بأمور مهمة لمصلحة الاقتصاد الفرنسي، من خلال صفقات الأسلحة الكبيرة التي أبرمها مع مصر ودول الخليج العربي، ولكن ذلك ربما يكون عاملاً استفزازياً لأقصى اليمين، ومدخلاً لمراجعة الأداء السياسي للرئيس الفرنسي، الذي أدى إلى تدخل أكثر من اللازم وربما من الضروري في الأحداث التي تجري في مناطق بعيدة عن فرنسا.
الفرنسيون اعتبروا استهداف صحافيي «شارلي إيبدو» عملاْ موجهاً ضد القيم الفرنسية، وعلى الرغم من الغضب، فإن ذلك لم يدفعهم للرد بعنف على الضربة، باعتبار أنها تعبير عن ظواهر عديدة متعلقة بالاندماج، ولكن أحداث باريس الأخيرة مثلت إهانة بالغة للذات والروح والشخصية القومية الفرنسية، وضربة عنيفة لأحد أعمدة الاقتصاد الفرنسي المتمثلة في السياحة، ولذلك فإن الرئيس أولاند لم يقف عند اتخاذ موقف حاسم أو عنيف، ولكن تعهده بتدمير «داعش» يعتبر متهوراً إلى حد بعيد في ظل الظروف الحالية، فـ»داعش» يختلف عن الجماعات المتطرفة في مالي أو أي منطقة أخرى، فمن الناحية الاستراتيجية تعتبر مالي ضمن إطار الهيمنة الفرنسية في أفريقيا، أما مناطق «داعش» في سوريا والعراق فموقعها يأتي على ناصية تقاطعات مصالح استراتيجية لكثير من الدول، التي ربما لا تساعد فرنسا فعلياً في تحقيق أهدافها، ولذلك، ينوي أولاند التوجه إلى واشنطن وموسكو بمجرد استقرار الأوضاع الداخلية لديه، ولكن ما هي الردود التي سيتلقاها، والتنازلات التي ربما يجبر على تقديمها، فإن ذلك سيحتاج إلى مزيد من الوقت لاستجلائه والبناء عليه في أي قراءة أو تحليل. هل يعني توجه أولاند إلى روسيا والولايات المتحدة، أنه لا يحتاج زيارات مماثلة إلى حلفائه الرئيسيين، ومنافسيه التاريخيين، في برلين ولندن؟ هل يعتبر ما تلقاه من العاصمتين كافياً له في هذه المرحلة؟ أم أنه يحمل تفويضاَ ضمنياَ بتمثيل القارة والاتحاد الأوروبي أمام الروس والأمريكيين؟ ربما على أولاند التأني قليلاً قبل أن يبدأ بناء تحالفه، فالألمان يبقون النواة الصلبة للقارة من الناحية الاقتصادية على الأقل، بينما المملكة المتحدة تمتلك خبرة واسعة في المنطقة ولها مصالح مهمة أيضاً، وعادة يمكن استثمار حماس الدفقة المعنوية المرتبطة بضرورة وأهمية الثأر لبضعة أسابيع أو أشهر على أبعد تقدير، ولكن ليس لحرب طويلة المدى.
الأوروبيون يتخوفون من الإرهاب ومن تحديات اللاجئين والمهاجرين، ولذلك فإن بعضاً من الآراء ربما تفضل المعالجة المتأنية، بدلاً من الدخول في دوامة عنف كبيرة، ونوعاً ما، لا يبدو من الحكمة لبعضهم أن يدفعوا بشياطين الإرهاب للقتال وظهورهم إلى الحائط الأخير، والمقلق أيضاً، أن ضرب «داعش» بعنف سيؤدي إلى إعادة آلاف من المواطنين الأوروبيين إلى بلدانهم وهم يحملون ثاراتهم وإحباطاتهم، والجهات التي أدارت عمليات واسعة للاستقطاب والتجنيد والتهريب لعناصر «داعش» الأوروبيين ستمتلك القدرة على إدارة الخلايا النائمة.
المسألة لا تقتصر على ضربة وجهت لفرنسا، وعلى انفعال فرنسي مبرر ومشروع ويستحق الاحترام أيضاً، ولكنها تحتاج إلى تعاون متكامل مع جميع الدول التي تهتم بإنهاء ظاهرة «داعش» وأيضاً وضع الاستراتيجيات اللازمة للحيلولة دون إعادة إنتاجها في تنظيمات أخرى، فـ»داعش» استطاع أن يستجمع في مرحلة ما مخلفات «القاعدة» في المنطقة بعد أن كان الضغط الأمريكي في أفغانستان والتحالفات الأمريكية مع العشائر العراقية دافعاً للحد من فاعلية أتباع «القاعدة»، من دون أن يتمكنوا في النهاية من القضاء عليهم أو إنهاء قدرتهم على الحركة وارتداء أقنعة جديدة تتناسب مع معركة مختلفة. الحرب على الإرهاب تحتاج إلى عقلية جديدة لا يصنعها خبراء الحرب الباردة، الذين اعتقدوا أنهم يمكنهم استنساخ تجربتهم مع الاتحاد السوفييتي مع التيارات الإسلامية المتطرفة، وجرى تركيزهم على العمل الاستخباراتي والأمني، من دون أن يكون ذلك مرتبطاً بتحليل آليات فكرية وذهنية تقف وراء نجاح «القاعدة» و»داعش» وغيرهما من الحصول على أنصار جدد حتى في الأماكن غير المتوقعة أو المرشحة لتكون بيئة حاضنة لهذه النوعية من الأشخاص. ليلة هالووينية باريسية ستوجه فرنسا إلى حرب واسعة من جهة، واحتمالات الدخول في حسابات الجمهورية السادسة، ولكنها ستبقى بالتأكيد يوماً لن ينسى ومن الصعب تجاوزه خاصة مع شعب (لاتيني المزاج) يمكنه اجترار الأحقاد والثارات، شأن غيره من شعوب المتوسط والمدار النبيذي في أوروبا.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق