الكاتب والناقد عبد الرشيد محمودي بعد كتابين جديدين: طه حسين قلق لايكف عن التساؤل وهذا سر بقائه

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: المتابع لمؤلفات الدكتور عبد الرشيد الصادق محمودي يدرك على الفور أنه من ذلك الجنس الإبداعي الرائد الذي يرتكز منجزه على المعرفة النوعية بمعناها العميق ..
على اعتماد فكرة التجويد والإمتاع في العمل الأدبي أو النقدي، حصيلته المعرفية وفيرة بما يكفي لإنشاء عقل مفكر، وإبداعه يحتذي نمطا كلاسيكيا يعتز به وببنائه الذي ينطوي على الكثير من الصرامة، ودراساته تعد واحدة من علامات العمق والإلمام واحترام المنهجية، وهو الى جانب ذلك مترجم متميز، عمل مترجما باليونسكو لزمن طويل، كما أصدر عددا من الروايات والكتب النقدية، وبعض الترجمات المهمة .
صدر للدكتور عبد الرشيد الصادق محمودي مؤخرا كتابان: ‘غربة الملك الضليل’، وترجمة لسيرة حياة برتراند رسل الفلسفية تحت عنوان ‘فلسفتي كيف تطورت’. وهو ما يثير على الفور عدة أسئلة، فالعمل الأول يتناول على نحو ممتع وفريد شعر امرئ القيس وشعر عمر ابن ربيعة، وموضوع العمل الثاني أكبر أعلام فلسفة التحليل البريطانية في القرن العشرين. كيف جمع الدكتور عبد الرشيد بين هذين المجالين المختلفين تماما؟ هل هناك علاقة ما بين غزل الشاعرين القديمين والمنطق الرياضي؟ وأسئلة أخرى يثيرها تعدد وتنوع اهتمامات عبد الرشيد الصادق محمودي. فهو بالإضافة إلى الترجمة، يكتب الشعر، والقصة والرواية، ويجري بحوثا في الفلسفة وتاريخ الأدب (منها عدة كتب عن طه حسين). وقد فاجأ القراء منذ بضع سنوات بعمل يقترب من التحقيق الصحفاي عندما نشر أربعة مقالات عن وجيه غالي الروائي المصري الذي كان يكتب بالانجليزية، ومات منتحرا في لندن () وأجرى عنه مقابلة مع الكاتبة الانكليزية الشهيرة ديانا آتهيل التي كان وجيه يسكن في بيتها في منطقة هامبستد.
وهنا نص الحوار:
تقول في تصديرك لكتاب ‘غربة الملك الضليل’ إنك تشعر عندما تكتب عن أرسطو أو ابن خلدون أو عمر بن أبي ربيعة أو أي موضوع من الموضوعات المتعددة التي تثير اهتمامك أنك ‘في بيتك’ كما يقول الانجليز. كيف كان ذلك؟
– أنا بطبيعتي متعدد الاهتمامات. ويسعدني أن أتنقل بين مجالات التخصص والموضوعات المختلفة. وأتبع في الكتابة طريقة شرحتها في كتاب ‘غربة الملك الضليل’. وهي تتألف من مرحلتين. مرحلة أولى من الدراسة والتعلم أنتقل فيها إلى موضوع البحث مهما كان بعيدا وأتجشم ما يفرضه السفر من صعوبات؛ ومرحلة ثانية أدعوه فيها إلى مائدة الحوار. فإذا قبل الدعوة، أصبح معي في بيتي.
*هل يرجع هذا التعدد والتنقل بين الأنواع إلى تأثير الغرب الذي عشت فيه ردحا من الزمن؟
*على الإطلاق. في فترة من الفترات كنت أؤنب نفسي على تعدد اهتماماتي. وكنت أنا وصديقي الفقيد عبد الغفار مكاوي نحسد نجيب محفوظ لأنه كرس حياته للرواية، فأسفرت جهوده المتفانية عن إنجاز عظيم. وكنا نتساءل: أليس من الأفضل أن يركز الكاتب جهوده على مجال واحد أو نوع أدبي واحد؟ هل ضللنا الطريق إلى الإجادة؟ وكان يؤرقني قول كيركغورد إن نقاء القلب هو أن يريد المرء شيئا واحدا. ولكني انتهيت إلى تقبل طبيعتي – على علاتها. ولم تعد مسألة ‘النقاء’ تؤرقني. والمهم هو ألا أكتب كما يكتب الهواة، وأن أتخذ لكل شيء عدته. وذلك ما أحاول عمله على أي حال.
*وكيف تحاور شاعرا جاهليا مثل امرئ القيس؟
*أدرسه أولا بعناية وأصغي إلى ما يقوله بلغته الخاصة. فقد رفضت مثلا أي تبسيط لغزله واختزاله بأوصاف مثل ‘حسي’ أو ‘جنسي’ أو ‘إباحي’ أو ما إلى ذلك من تلك الأوصاف النهائية التي نجيد إطلاقها لكي تعفينا من عناء التفكير. وحاولت بدلا من ذلك أن أبين أن غزل امرئ القيس ينطوي على أبعاد إنسانية من أهمها شعور عميق بالغربة والحاجة إلى أنيس. ونحن نعيش في عصر تطور فيه علم النفس ولا يمكن أن نرضى بالتبسيطات الموروثة وبفكرة ‘الجنس’ في بعدها السطحي. وبدا لي أن امرئ القيس كتب معلقته وما فيها من غزل ‘حسي’ من زاوية التذكر والحنين، والأسى على ما فات، وزوال الشباب وأيام السعادة والفرح. والغزل من هذه الزاوية يبتعد ولكنه لا يبتعد تماما – عن البكاء على المنازل التي تحولت إلى أطلال، وملاعب الصبا التي عفا عليها الزمن، والتوسل إلى الليل كي ينجلي، ووصف السيول التي تجتاح كل شيء. هناك إذن وعي حاد بمر الزمان، وتعبير بطرق متعددة عن تغرب الشاعر وشعوره بالوحشة. وهو يشير إلى ذلك صراحة بعبارة هنا وهناك. ولكنه في حاجة إلى من يلتفت إلى إشاراته العابرة ويرهف السمع لهمومه العميقة. ومثال آخر في هذا الصدد، وهو أنني قارنت بنية معلقة امرئ القيس بالعمل السيمفوني. وتلك قفزة أخرى من حيث المكان والزمان والنوع الفني. ولكننا نحن أبناء هذا العصر – أصبحنا أكثر وعيا ببناء العمل الفني وموسيقاه.
*ولكن ما هو الجديد في ذلك؟ ألم يدرس العقاد أبو نواس على ضوء نظريات التحليل النفسي؟
*الفارق بين ما أفعله وما فعله غيري من الدارسين الذين يطبقون مثل تلك النظريات أننى لا أحاول أن أحلل عمل الشاعر انطلاقا من نظرية جاهزة أو أخرى سواء أكانت من التحليل النفسي أو التحليل الماركسي، فيتحول العمل الفني إذن إلى فتات ناتجة عن مؤثرات خارجية، وهو في حالة التحليل النفسى يتحول إلى نتف ترجع إلى عقد نفسية ومركبات نقص وأمراض طفولية ووساوس جنسية وما إلى ذلك. أنت لا تجد في دراسة العقاد عن أبي نواس إلا أشلاء الشاعر ولا تجد القصيدة إلا مفتتة. كأنك أمام جثة في مشرحة. أما أنا فأسترشد بالعمل نفسه ليدلني على ما فيه من أبعاد قد تكون خافية في إطار وحدة من نوع أو آخر. وأقول وحدة من نوع أو آخر لأننى لا أسمح حتى لمفهوم الوحدة بأن يستعبدني. أنا أهتم بالعمل ككل أيا ما كان هذا الكل. فقد ينطوي العمل على تفكك، أو تجاور بين الأجزاء، أو تعارض ونزاع. قد يأتي العمل مثلا على شكل ‘دفقات’ أو ‘لحظات خاطفة’. عندئذ أعدل مفهوم الوحدة وأجعله مرنا وفضفاضا حتى يتسع لما في العمل من علاقات مختلفة وقد تكون من الناحية المنطقية واهية أو غامضة، وقد لا تكون بالضرورة علاقات من التوافق والانسجام. ولذلك شبهت معلقة امرئ القيس بالسيمفونية. فالمعلقة تتكون من عدة مقاطع وتتقلب بين حالات شعورية مختلفة، والسيمفونية تتكون من عدة ‘حركات’ تختلف ولا بد أن تختلف فيما بينها على نحو أو آخر. ولا ينفي ذلك أن هناك نوعا من الوحدة في الحالتين، ولكنها وحدة التقلب والتحول. المهم أن هناك علاقات داخلية من نوع أو آخر علينا أن نكتشفها، ولهذه العلاقات المتوترة دلالة أو دلالات في إطار وحدة العمل المميزة وجماله الخاص.
*دعني أسألكم عن تعريفكم لفن المقال. وقد أشرتم إلى أنه لا يجب أن يخلو من المتعة الأدبية. هل ترى أن الولاء لفن المقالة بمفهومه القديم لدى الرافعي والمازني وغيرهما لا زال صالحا؟
*الواقع أننا الآن بصدد سؤالين. فأنا أفضل بصفة عامة أن تكون الكتابة في أي نوع حتى ولو كانت دراسة علمية جيدة الأسلوب وممتعة من الناحية الأدبية. هذا هو ذوقي الشخصي. فأفلاطون، وماركس، ونيتشه، وجمال حمدان كتاب عظام وشعراء في بعض حالاتهم. ولكن هناك موضوع آخر أشرت إليه في سؤالك، موضوع المقالة كنوع أدبي مثله مثل القصة أو القصيدة. وقد ذكرت المازني، وهو بالفعل أحد أعلام هذا الفن. وهناك أيضا أحمد أمين في ‘فيض الخاطر’ وأحمد حسن الزيات في ‘من وحي الرسالة’، وزكي نجيب محمود في ‘جنة العبيط’؛ وغيرهم. جميع هؤلاء مارسوا كتابة المقالة من حيث هي نوع أدبي قائم بذاته. وهنا يأتي سؤالك: هل فن المقالة بهذا المعنى ما زال صالحا؟ والجواب هو أن كتابة المقالة بهذا المعنى أصبحت أمرا صعبا، لأنها تفترض فى الكاتب مواقف من الحياة لا تتوافر بسهولة في أيامنا هذه. نحن الآن نعيش في دوامة من الأحداث والكوارث والضغوط اليومية. والحالة السائدة يغلب عليها الاضطراب والحيرة والسخط. وكاتب المقالة كما أوضح زكي نجيب محمود في ‘جنة العبيط’ كاتب هادئ الأعصاب لا يسمح بالانفعال العنيف. ومع ذلك ليس من المستبعد أن يظهر بيننا كاتب يفاجئوننا بمقالات هي أعمال فنية من هذا النوع. كاتب يتمكن رغم كل شيء من أن يطل على الأحداث من النافذة أو يتأملها من ‘مقعد مريح’، ويمزج الجد بالفكاهة، ويتذكر دائما جودة الأسلوب. ولم لا؟
*أسعدني بشكل خاص دفاعكم عن قصيدة النثر في مقالتك الممتعة عن أحد الشعراء الصينيين. فكيف ترى المشهد الشعري الراهن؟ وهل لدى قصيدتي التفعيلة والقصيدة العمودية ما تقدمانه الآن ؟
*أنا أناصر قصيدة النثر وإن لم أكن من شعرائها. ولا أوافق أحمد عبد المعطي حجازي على عدائه لهذا الشكل الشعري. وموقفي هو أنني أتقبل من حيث المبدأ كل الأشكال. فالقصيدة الممتازة ممكنة في جميع الحالات ونادرة في جميع الحالات. وعندما أقرأ مثلا محمد الماغوط أجد نفسي أمام شاعر من قمة الرأس إلى إخمص القدم. وأنا أمارس كتابة شعر التفعيلة، وإن كنت أكتب أحيانا قصيدة عمودية أو شبه عمودية. ولا أمارس كتابة قصيدة النثر، ولعلني أعجز عن ذلك. لماذا؟ لأنني أدرك أن التحلل من القيود الموروثة يفرض على الشاعر قيودا أصعب إذا أراد أن يجيد. ولست أعتقد أن الشعر العمودي أصبح غير صالح أو غير مناسب لهذا العصر. صحيح أن االإجادة فيه صارت نادرة. ولكننا نلاحظ أن بعض شعراء التفعيلة مثل بدر شاكر السياب وحجازي وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر يتشبهون أحيانا بالشعر العمودي وينجحون. وأدونيس نفسه على ألفة شديدة بالشعر القديم وله قصائد عمودية حسان. وأود هنا أن أذكر بأن الشعراء الانجليز المعاصرين لا يتخلون عن الأشكال القديمة. والشاعر الكبير باللغة الانجليزية لا بد أن يثبت لمعاصريه أنه قادر على النظم بالطرق التقليدية، ولعله يطالب بأن يترجم عن اللغات الأخرى شعرا بشعر.
*قدمت كثيرا من الدراسات عن طه حسين. هل تعتقد أنه أكثر النماذج طليعية في الثقافة المعاصرة. ولماذا ظل منجزه فاعلا وحيويا حتى أيامنا؟
– لطه حسين أثر باق لأنه كاتب قلق لا يكف عن التساؤل، ونقد الغير ونقد الذات، ويحرض على الدراسة والتفكير.
*أنت درست الفلسفة في القاهرة ولندن. لكنك لم تقدم سوى ترجمات تبدو قليلة. لماذا؟ وهل تعتقد أن هناك ما يسمى بالمدرسة الفلسفية العربية؟
*صحيح ما تقول عن ترجماتي القليلة. وهناك عدة أسباب لذلك لعل أهمها أنني عملت مترجما لسنوات طويلة في اليونسكو، وكانت ترجمة الوثائق الرسمية تستهلك وقتي وطاقتي، وتصرفني عن ترجمة ما أحب. وفي ذهني مشروعات من هذا القبيل وكم أتمنى أن أكرس لترجمتها بعض الوقت. أما فيما يتعلق بالفلسفة العربية، فرأيي هو أن لدينا أساتذة في تاريخ الفلسفة، وبعض محاولات التفلسف. ولكننا ما زلنا نفتقر إلى الجرأة اللازمة لمواجهة المشكلات الفلسفية بالتفكير الحر.
*وكيف ترى مستقبل مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير في ظل الجدل السياسي الدائر بين التيارات التي تنادي بمدنية الدولة والتيارات التي تسعى لأسلمة الدولة؟
*أنا متفائل بالنسبة لمستقبل مصر. وهي في حاجة إلى ثورة جديدة، والثورة الجديدة قادمة، وستكون سلمية ومدنية. هذا هو اعتقادي. وأنا أتذكر دائما قولة عمر بن الخطاب: ‘لماذا استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟’ قال ذلك بصفة خاصة لحاكم ولاه على حكم المصريين. يضاف إلى ذلك بصفة عامة أنه قرر بما قاله مبدأ مطلقا لن تجد أفضل منه أساسا لما يسمى الآن حقوق الإنسان. وقد اكتشف المصريون في الخامس والعشرين من يناير أن أمهاتهم ولدتهم أحرارا فقد خرجوا إلى الساحة هم وأمهاتهم – ولا يمكن لأحد سواء أكان إسلاميا أم مدنيا أن يتغلب على هذا الوعي الجديد وأن ينتزع منهم باسم أي شعار حقهم الأساسي في الحرية.
*تحدثنا عن امرئ القيس، وعن أبي نواس ويذكرني ذلك بما كتبتم عن وجيه غالي. ألا يدل هذا على أنكم تهتمون بالفنانين المتمردين؟
*لنترك وجيه غالي جانبا بصفة مؤقتة. هناك شيء يثير انتباهي فيمن تسميهم الكتاب المتمردون، في بعضهم على أي حال. فهولاء يثيرون انتباهي لأنهم رغم ‘ضلالهم’ يدهشوننا بسبب تعلقهم بالمثل الفنية العليا. خذ مثلا أبو نواس. كان من المولدين، وكان من الناحية الخلقية يعيش على هامش المجتمع، ولكنه تمكن من لغة السادة وتفوق فيها؛ وهو يباريهم فيها ويتحداهم. وهناك مثال آخر من الأدب الفرنسي؛ أعني جان جينيه. تخرج من ملاجئ الأيتام والسجون وكان لصا وشاذا، ومع ذلك تشعر عندما تقرؤه كأنه قرر أن يتحدى بفرنسيته أعضاء الأكاديمية الفرنسية. وبعض هؤلاء المتمردين أقدر على الصدق وقول الحق من غيره. فجان جينيه هذا دافع عن الفلسطينيين في وقت كانوا يقفون فيه وحدهم، ولا يجدون بسهولة من ينصفهم. وذهب إليهم ليعيش بينهم، ويأكل من خبز أمهاتهم، ويؤلف في حبهم كتابا فريدا في صدقه وجماله. والآن قارن موقفه بموقف كاتب آخر مثل سارتر. سارتر الذى وصف جينيه بأنه ‘قديس وشهيد’، ومع ذلك أحجم عن قول الحق في قضية مهمة من قضايا الحرية، وهو ما يشككني في نزاهته وأمانته كمفكر.
*فهل يمكن أن نعود الآن إلى وجيه غالي؟ واضح أنك لا تعتقد أنه يوضع في صف واحد مع أبو نواس وجان جينيه. فلماذا أوليته كل ذلك الاهتمام؟
*وجيه غالي لم يكن متمردا وإن تظاهر بذلك لأسباب انتهازية. لقد أوهم البعض في الغرب بأنه كان مناضلا شيوعيا ضد عبد الناصر، وهو لم يكن شيوعيا ولا مناضلا في أي يوم من الأيام. وأدلى في روايته ‘البيرة في نادي السنوكر’ بآراء وأقوال ملتبسة توحي بأنه يتعاطف مع اليهود واِلإسرائيليين. ولكنه كان يكذب هنا أيضا ولأسباب انتهازية. كان يعتقد أن مثل هذه الأقوال يمكن أن تساعده في مجال النشر والشهرة. وتستشف انتهازيته في الرواية ذاتها. وهناك دليل آخر على أنه كان يتملق اليهود والإسرائيليين لغرض في نفسه، وهو أنه عندما زار إسرائيل بعد هزيمة يونيو مباشرة، كتب في ‘التايمز’ اللندنية ما يدل على فهمه لطبيعة الصهيونية التوسعية. وأدرك حينذاك ما لم يدركه معظم العرب وما لا يدركه بعضهم حتى الآن، وهو أن إسرائيل لن تتخلى عن الأراضي التي احتلتها. وعندما عاد إلى لندن لم يرحب به أحد، ووجد كل الأبواب موصدة في وجهه. وكان بحكم تكوينه عاجزا عن أداء أي عمل جاد. ولم يكن أمامه من حل إلا أن يعيش عالة إلى الأبد على ديانا آتهيل. وأصابه يأس قاتل.
*فلماذا كتبت عنه؟
*يرجع ذلك إلى ظروف استثنائية. كنت معاصرا له في لندن، وإن لم أتعرف عليه شخصيا. بل وكنت أسكن في نفس الحي الذي يسكن فيه هامبستد. وهناك قرأت روايته الأولى والأخيرة، وقرأت نبأ انتحاره. وعشت معه في ظل الهزيمة الساحقة، ووقفت معه على حافة اليأس. ولكنني نجوت بينما سقط وجيه. روايته تدل على أنه كان موهوبا. ولكنه لم يخلص لفنه: كان كما قلت يكذب، وكنت أفضل له أن يعيش وينتج مزيدا من الروايات. وعندما قررت أن أكتب عنه، كنت أشعر أن الكتابة في هذه الحالة محاولة من جانبي لاستحضار كابوس الهزيمة – من أجل طرده. ولذلك رأيت أن أعود إلى هامبستد ‘مسرح الجريمة’ إذا صح التعبير وأن أزور مسكنه في بيت ديانا آتهيل التي رعته، ونشرت له روايته، وألفت عنه كتابا عنوانه ‘بعد الجنازة’. وأحسنت السيدة استقبالي، وأجابت عن كل أسئلتي. وكانت لدي أسئلة أخرى فاتني أن أطرحها. ولكنني لا أريد أن أثقل على ديانا آتهيل مرة أخرى. فهي الآن في الخامسة والتسعين.
*وما هي آخر مشروعاتك؟
*هناك رواية يجري طبعها الآن. وهناك مجموعة قصصية جاهزة للنشر منذ فترة، ولكنها ما زالت تبحث عن ناشر. وهناك دراسة فلسفية قيد الإعداد. والبقية تأتي. هناك ما يحرضني من داخل نفسي على الإقدام، ومن يحرضني من الخارج. فيوسف الشاروني لا يفتأ يردد على مسمعي أن الكتب تؤلف نفسها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية