الكاريكاتورة الحداثية في رسومات تغريد عبد العال: بين طفولة أخاذة وسيرة ذاتيّة زاخرة!

حجم الخط
1

‘..إنّ سرَّ تغريد عبد العال في رسوماتها الكاريكاتوريّة عموما، طفولتها الطّاغية، هذه الطّفولة كما أسلفت لا يمكن حتّى ابتكارها! يمكن تقليدها، لكنَّها إذ تُقَلّد، لن يحلم صاحبها بتألّق مفترض طويل الأمد، ذلك لأنّ التّقليد ذاته يضع الفنّان في أزمة وجوديّة عارِمة مصدرها إفلاسه الحسّي، وعدم قدرته على إضافة جديد لرصيد تجربته.’

خلافاً لِما يذهب إليه البعض في الإعتقاد حول كون فنّ الكاريكاتير عموما، من الفنون السّهلة، إلّا أنّ التّجربة تثبت أنّ هذا الفن هوَ أكثر ألوان الفنون التّشكيليّة صعوبة، لأنّه مطالب بإثبات حضور موضوعته بأقل قدرٍ من المعلومات ضمن الخطوط، والمساحات اللّونيّة الممكنة. وإذا شئنا أن نحدّده على نحو أدق فيمكن اعتبارهُ ‘فنّ الإختصار’ بلا منازع. هو فنٌّ يعتمد الدقّة في انتقاء المعلومة المضمونيّة والشّكليّة على حدٍّ سواء.
ولعلّ أشدّ مزالق هذا الفن خطورة مدى جاهزيّته الإحتفاظ بحس الطّفولة البكر لدى ممتهنيه، فقد يستطيع فنّان الكاريكاتير أن ينتقي لوناً وفكرةً وخطوطاً للوحته، لكنّه أبدا لن يتمكّن من انتقاءِ أو تحديدِ عمرِ طُفولتِهَا ولا عُمقِها. لا يمكنه استيرادها ولا ابتكارها. إنّها تولدُ مع عالمهِ بالفطرة، وغالبا تشكِّلُ بعض مركّبات شخصيّته الباطنيّة، ولعلّ أقل فنّاني هذا اللّون الفنّي كلاما أكثرهم إبداعا. هؤلاء يولدون مع حسٍ مرهف في تكوينهم النّفسي تحديدا، ويطوّرون ألحاسّة السّادسة لديهم أكثر من سواها. بصيرتهم تملك عليهم عالمهم، ويكادون لا يرون سواها، ووفق ذلك فإنَّ اتّساع المخيّلة وخصوبتها هما امتداد لمساحات الرّوح والذّاكرة لديهم لأنّها تُعتَيَرُ لغةُ التّعبير الحسّي بامتياز.
ولعلّه من المناسب الإشارة إلى أنّ سيطرة مساحات التّسطيح على العمق، ستظلّ لصالح التّداخل الحتمي بينهما ذلك لأنّ الظّلال، حدّة الخطوط، وبهوتِها. سماكتها ونحافتها تسطّران مستويات عدّة للمضامين بأبعادها اللّونيّة. وأكاد أطلق عليها أحيانا ‘رسومات العمق المسطّح’. وغالبا ما يخلبني فنّ تحليل هذا النّوع النّادر من الرّسومات على قلّتها لما فيها من تأويلات مفتوحة على المفاجأة.
ونحن حين نلجأ لتذويت هذا الفن في النّص القرائي نريد انفتاح المساحة والمسافة وتمرين الذاكرة لدى المتلقّي على ابتكار المعاني، والقراءة المتأنيّة العميقة للنّص اللّوني دون حاجة للكلام، وهذه ملَكَة لا يمكن أن يحوز عليها كثر.
ولعلّنا إذ نستذكر رسّام الطّباعة الحجريّة الفرنسي أونوريه دومييه، 1808-1879 نستذكر معه نموذجا نادرا لفنّ النّقد الإجتماعي، حيث خرج بنوعيّة نادرة من الرّسومات الكاريكاتوريّة احتجاجا على الواقع السياسي الإجتماعي السّيء الّذي ساد أوروبا في القرن التّاسع عشر، والظّلم الّذي لحق بإنسانيّة الإنسان تحديدا. هو إذاً فن الإحتجاج، ولغة فنيّة في نقد ممارسات السّلطة الحاكمة سياسيّاً واجتماعيّاً على حد سواء. يسخَرُ أو يلدغُ أو يعلن عصيانا شاملا يمكنه إحداث ثورة عارمة في الدّولة الّتي يُعْلَنُ فيها سِلاحا. فهو سلاح المستضعفين في الأرضِ عُموما.
غير أنّ فنّ الكاريكاتورة في العالم العربي لم يُكتب له عمرا، ولا حضورا ملفتا خارج ما أنجزه رسّام الكاريكاتير ناجي العلي إبن الشّجرة المهجّرة،(1967-1987)، وأودى بحياته إثر رسوماته اللّاذعة في انتقاد الأنظمة العربيّة قاطبة، في ممارساتهاّ القمعيّة، منظّمة التّحرير، والكيان الإسرائيلي كمغتصب لوطنه فلسطين. ولعلّ أبرز ما ميّز فكره الثّوري ألسّخرية اللاذعة من مُتَنَفِّذيها، والشّجاعة في طرح القضايا. ويسجّل في تاريخ فنّ الكاريكاتير العربي أنّ اغتيال ناجي العلي قد شكّل علامة فارقة في نسبة حضورها. فقد شهدت أنحسارا ملحوظا في الأدب السياسي على حساب انتشارها في جانر اخر هو أدب الأطفال خصوصا، المعتمد أساسا على لغة التّعبير الحسّي الحاد المر ضد الممارسات القهريّة، ذلك لأنّ الأنظمة العربيّة عموما وقفت بالمرصاد لحريّة التّعبير وتصدّت لحضوره!
بعد اغتيال ناجي العلي لم يجرؤ كثر على اقتحام هذا الفن الصّعب، وقد لجأوا إلى نزع شرعيّته الأوليّة من عمق تاريخه إلى ألوان تعبيريّة أخرى كإحالته إلى لغة تعبيريّه ذكيّة في نصوص الأطفال، ألطّفولة والطّفولة المبكّرة وإذ نستذكر جورج البهجوري، (فنان كاريكاتير مصري) نضع إصبعنا على واحدة من إنجازات الكاريكاتير الإستثنائيّة في أدب الأطفال عموما، ويعتبر البهجوري عميد الكاريكاتورة الحداثيّة في العالم العربي. هكذا هرب الفنّان العربي من تبعات رأيه السياسي الفكري، وهرّب ممتلكات عالمِهِ معه تفادياً لثمنِ خياراتِهِ الإنسانيّة. حدث ذلكَ عبر تذويتها داخل النّص اللّوني الكاريكاتوري كمقابلٍ فنيّ تعبيري لنصوص الأطفال.
ونحنُ حينَ نُراجعُ مجموعةَ رسومات ‘تغريد عبد العال’ الكاريكاتوريّة نتوقف عند أسلوب حداثي لافت في معالجة مركّبات الكارياتير كفن له ثوابت واضحة تعتمد الخط، اللّون، الأبعاد، ومرجعيّات الفكرة. والواضح أنّ مساحات التّجريب الّتي خاضتها مع الشّخصية منحتها مرونة بالغة في لغة التّعبير وأثرَت مضامينها على نحو لا يتوقّعه متابعها. لا خطوط مستقيمة موجِّهة، ولا منكسرة بل مزدوجة تشتغل على مساحات تتقابل وتفترق في ذات اللّحظة. وهي لم تعتمد الكونتور الأسود الحاد الّذي دأب فن الكاريكاتورة اعتماده، بل على خطوط داخليّة وخارجيّة محَدِّدة للشّخصيّة والفكرة. ولعلّ الجديد في شكل هذا التوجّه أنّ خطوط الشّخصيّة الفنيّة شريكة فاعلة في بناء أبعاد الشخصيّة المضمونيّة، وهي وفق ذلك تنشىء حوارا نراتيفياً،(حكائيّا) تلقائيا مع المتلقي فور اصطدامه بها. جمالية هذا الحوار تجعل للحكاية الفلسطينيّة وزنا وأثرا حداثيا في صناعة التّاريخ الأوتوبيوغرافي الشّخصاني أوّلا، والجماعي ثانيا، على اعتبار أنّها طفلة تعيش في مخيّم، وتحتلّ حيّزا جغرافيّا وتاريخيّاً على حدّ سواء. ولعلّني أرجّح هنا ألحكاية الشّخصيّة بالدّرجة الأولى لتغريد على الحكاية الجمعيّة. ثراء العالم الحسّي الّذي تستقي منه عبد العال خطوط حكاياها الكثيرة تضعنا أمام فن تشكيلي لوني وفكري نادر في غناه المضموني والشّكلي. والواضح أنّ مرجعيّاتها الحسيّة في مجال الشّعر قد أضافت لجمالية التّجربة الفنيّة الّتي تخوضها. لقد حَرِصتْ على حضور اللّون في جميع رسوماتها تقريبا، كأنّه فضاءات تحليقها المفترضة الّتي لا تقبل مساومة في ضرورة حضورها، إلا في القليل النّادر حيث أحالته إلى لون واحد يخضع للعبة الظلال، وفي تكافليّة تلك الظّلال لا بدّ أن يعثر المتلقّي على اللّونِ بانتظارهِ في زاوية ما. حرصُهَا على الإنتقائيّة، واستغلال مساحات التّجريب الممكنة للطّفلة الّتي تبنّت حضورها في جميع رسوماتها، هي ‘طفلة المخيّم’ يفتِنُ مِساحات التّشويق النّائمة فينا. ويلفِتُ إلى حضورَ التّكوين النّفسي كجزء لا ينفصل عن الاخر الفكري للفنّانة. وسوفَ نشيرُ إلى طغيان الحسّ الطّفولي الحر على جميع رسوماتها, وبالمناسبة أنا ممّن يختبرون قدرة الفنّان على تحديد خياراته، ويدينون لمشروعه حين يثبِتُ ثقافته ضمن تلك الخيارات.
إنّ سرَّ تغريد عبد العال في رسوماتها الكاريكاتوريّة عموما، طفولتها الطّاغية، هذه الطّفولة كما أسلفت لا يمكن حتّى ابتكارها! يمكن تقليدها، لكنَّها إذ تُقَلّد، لن يحلم صاحبها بتألّق مفترض طويل الأمد، ذلك لأنّ التّقليد ذاته يضع الفنّان في أزمة وجوديّة عارمة مصدرها إفلاسه الحسّي، وعدم قدرته على إضافة جديد لرصيد تجربته. لكنَّ ما يخرج من تحت أنامل هذه الفنّانة الصّغيرة الواعدة فضاءات ألق لا تكفّ عن تفويضك إلى السّحر والتجدّد، وعمليا سحرها مصدره تجدّدها من عمق تجربة خالصة الخصوصيّة. إنّها تفوّض اللّون إلى الفراغ، والفراغ إلى الظل والظل إلى المحو والمحوِ إلى الكتابة، والكتابة إلى اللّغة، واللّغة إلى الرّمز، والرّمز إلى الهمس، والهمس إلى بثٍّ حسيٍّ مفاجئ. فأنتَ تنتظر في كلّ لوحة مفاجأة. كلّما بَهَرتْ عينيكَ ازددتَ تسرّبًا إلى تفاصيل طفولتها العبقة. لتلك الطّفولة لون ورائحة تأخذانك غصبا. ولن تقاوم أخذَها لك مهما حاولت، لها مكوّنات عالم شفّاف، بالغ الطّراوة والإنطلاق. قلّة هم فنانو المسافات العميقة، وعبد العال إِحدَاهُم يملكون القدرة على إحداث فعل السّحر عليك! ولا بدّ أن نجدها ذات يوم تاجهم، شرطَ أن تصرَّ على امتهان الموهبة والتّجربة. فلا حدّ للمغامرة في رسوماتها!

بداية أعتقدتُ أنّها تخربش، لم أكن متأكِّدة من خطّة واضحة تبتغيها هذه الرّسومات. لكن حين سبقت تجلِّيات الطّفلة خطوات عبد العال فهمتُ أنّني أمام تجربة نادرة في طراوتها وسحر عالمها. فالطّفلة الّتي دأبت في رسومات عبد العال الأولى على مسح ملامحها، ولجأت إلى عديدِ أقنعة ،استعادت ملامحها وخطوط جمالها كلَّما عركها سياق التّجريب وتناثر عالمها في مساحات الاخر، ألرّجل بأبعاده المختلفة، ألنّص أو المجتمع! تجارب تعلن تورُّطها بتجربة جديدة، بألوان واضحة أو باهتة، وفي كلّ مرّة تعلن عن بعض تفاصيلها، ألفمُ ‘كأترِبُوت’،(علامة مميّزة) أولّي لشكل الطّفلة، قوس صغير وفق مكوّنات الطّفولة الأوليّة، ومركّبات عالم الكاريكاتير، ثمّ العينين والفم، أو الفم والعينين. تختبرنا بقدر ما تختبر شخصيّتها، تداورنا كما تداور هويّتها. وفي سلّم الأولويّات ذاك تختبر ما هو الأهم في الإعلان عن خصوصيّة تلك الهويّة. أهي الملامح أم الجسد. أهو اللّون أم الخط؟ تسأل وتجيب وفق ما تقرِّرُهُ لحضور الشّخصيّة في الزّمان والمكان. حين نعثر عليها بملامح واضحة نقرّر معها عثورها الأكيد على حدود مكانها وزمانها، وعلى ملامح تجربتها الخاصّة، وشكل ظهورها المنطلق الحر، الّذي لا تحكمه ضوابط! نحن نقع على شخصيّة متكاملة في نهاية هذه المجموعة التّي خاضت غمار صراع صَعب بين أن تكون لذاكِرتَها الفرديّة أو الجَمْعِيَّة. لكنّ هذه الذّاكرة الزّاخرة بنسيجها السّاحر تحتمل تأويلا واحدا أو أكثر لذاكرة تمتلىء بمكوِّنات الفرح ومفرداته كتعويض أكيد عن حالة فقد عميقة لذاكرة في جزئها الأكبر مستلبة، ذلك لأنّها لا تبق على البعد الفرداني كمقياس لحيثيّاتها، بل تفرض الجمعي من خلال الفرداني لتصير عالما واسعا ممتلئا حدّ الإختناق، غالبا، في محاولة تعويض لا تنتهي لحالة الإستلاب تلك، لمكان، زمان، أسماء، هواجس.
وهي تملأ عالمها تدريجيّا بمعالم معرّفة تبدأُها بالقناع وغياب الملامح ثمّ التّأكيد التّدريجي على مساحات الفكرة، الجسد، ضمن العلاقة بين التّسطيح والتّجسيد، ثمّ تحديد الملامح عبر ألتّفكيك والتّركيب، ثمّ تأكيد الخط واللّون والملامح معا في حضورهم الثّلاثي في ذات المكان والزّمان، في عمق المخيّم! مُتعةٌ أنْ تُتابِعَ مغامراتِها، ثقافة أن تتعلّم تجريبَها، نرجو لها مزيدا من ثوابت المتخيّل، وتحليق الواقع!
مايو، 013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية