«سينما فلسطين» في تولوز الفرنسية: أسئلة الفلسطينيين الكثيرة بين اليرموك ورام الله وغزة

حجم الخط
0

تولوز ـ «القدس العربي»: يقترب الفيلم التسجيلي «صداع» من شروط الفيلم الروائي، حيث يبدو مخرجه، وبطله رائد أنضوني كأنما يقوم بتمثيل شخصيته هو، يجهد في استعادة مقاطع من حياته، وشخصيات مؤثرة فيها، يبحث عن أسباب الصداع المزمن لديه، ونعرف من مشاهد الفيلم الأولى أن كل فحوصه الطبية سليمة، وأن الصداع سببه في مكان آخر، لذلك ينصحه الطبيب مازحاً بأن يسأل أبو مازن (الرئيس الفلسطيني)، وأولمرت (رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك).
نعرف إذن أن مشكلة أنضوني هي في عدم القدرة على التكيف مع المحيط، من الاحتلال وحواجزه الضاغطة وجداره العازل، إلى أبسط تفاصيل العيش اليومي.
كي يتخلص أنضوني من صداعه يمضي إلى طبيب نفسي، وهذا ليس ضرورياً إلا باعتباره ذريعة فنية، إن جاز التعبير، ليقول نفسَه، يرويها، ويقدمها إلى الجمهور بشكل موارب. هنا نتعرف على أسئلة أنضوني الوجودية، وأسئلته حول الهوية، وسواها.
لكن المخرج لا يستسلم لهذه الحيلة وحسب، تصبح غرفة الطبيب قاعدة انطلاق إلى أمكنة وشخصيات في الذاكرة، ونقطة انطلاق لتجواله هو في الأمكنة الراهنة، بيت أسرته، غرفته الخاصة، في محاذاة الجدار العازل، نقطة انطلاق إلى «رام الله 2٠٠8»، هذه الكلمات التي نقرأها على شاشة الكومبيوتر الخاصة بأنضوني، وتتكرر بما يشبه اللازمة، ليقول الفيلم إنه يسرد مقطعاً من حياة المدينة في تلك الآونة.
أهم استعادات بطل الفيلم معتقلان سابقان، الأول مصاب بمرض السرطان، ويعتقد أن قوته وإرادته مكّنتاه من الصمود في وجه المرض، وهو يتابع حياته وعمله، وهو الكهربائي، في إنارة مصابيح المدينة، والثاني معتقل سابق محكوم بعشر سنوات في السجن، ويتذكر عنه البطل أنه حين خرج من السجن جاء ليسلم عليه فرفض وولى وجهه.
نراه الآن، بعد غياب طويل ممتلئاً بالقوة رغم كل بؤسه الواضح في وجهه، بل وفي كلامه عن فشله في إكمال تعليمه الجامعي بسبب القضية، ولكنه مع ذلك متماسك ولا يأسف على ذلك ما دام في سبيل قضية بلده.
هاتان الشخصيتان تمنحان المرء الكثير من أسباب القوة، كما لو أنهما بالفعل نوع من العلاج، للمتفرج على الأقل.
كأن سعادة المرء تكن في اختياره، على ما يقول كونديرا «خيارنا هو الغبطة»، مذهلة هذه القوة في وجه هذين الرجلين، ومذهل كم البؤس أيضاً.
لكن مع ذلك، لا يبدو أن أنضوني يبحث عن هذا النوع من العلاج، فهو لم يكف عن طرح أسئلته المشككة أمام الرجلين، يبدو أن ما يرفضه بالذات هو هذه «الأسطورية» التي باتت هوية جمعية لـ»شعب الجبارين»، وهو أساساً سخر في أول الفيلم من هذا التعبير.
إنه يطالب بحقه في الضعف إزاء هذه القوة الأسطورية، كأنما هنا تكمن فرديته وهويته الخاصة.
لا يغيب عن البال أن صداع البطل مترافق مع همومه السينمائية كمخرج، أي مع وضعه كمثقف، هو إذن «الوعي الشقيّ»، والسؤال الهاملتي: «إلى هذا الحد يجعل التأمل منّا جبناء؟»، وإذا استبدلنا كلمة ضعفاء بجبناء هنا لقلنا إن التأمل وأسئلة الهوية والوجود هي ما جعلت من رائد أنضوني يبدو على هذا الضعف. لكنه الضعف الإنساني، الذي يحول الفلسطينيين من أسطورة إلى بشر.

شباب اليرموك

بات معروفاً أن المصادفة التاريخية باندلاع الثورة السورية وتهجير أهالي مخيم اليرموك جعلت من فيلم «شباب اليرموك» للمخرج الفرنسي اكسل سيلفاتوري ذي أهمية فائقة طغت على تقييم محايد وموضوعي يتناول بناء الفيلم وتقنياته.
يستحيل اليوم مشاهدة الفيلم من دون التفكير بأن ضجيج مليون ومئتي ألف من سكان المخيم لم يعد موجوداً، أن هذا الزحام، والطيور اختفت، وتفرّقَ أبطال الفيلم، بين من قتل تحت التعذيب في معتقلات النظام، ومن أصبحوا لاجئين في مختلف أصقاع الأرض، بل أن بينهم من بات بطلاً لفيلم تسجيلي آخر يرصد رحلة اللجوء وعذاباتها. عرض الفيلم المؤثر في تولوز مجدداً لم يمنع من السؤال حول دور سيلفاتوري في إخراج الفيلم، هو الذي غاب قسرياً عن متابعة إخراج الفيلم، وما هي آليات تصميم المشاهد واللقطات اللاحقة، التي صور آخرها في الشهور الأولى من اندلاع الثورة. فمن الواضح أن الشبان كانوا يتصرفون بأنفسهم ويقومون بتصميم المشهد.
وكذلك كان السؤال حاضراً حول تأثير تصوير الفيلم من دون موافقات رقابية في عدم إمكانية التحرك بعيداً في المخيم، وبالتالي تقديم المخيم في جانب وحيد من الصورة اقتصرت على أكثر المشاهد هامشية وأقلها تزييناً. لكن ذلك كله لم يمنع تقديم صورة صادقة عن شبان مخيم اليرموك، أحلامهم وهواجسهم.

ديغراديه

فيلم «ديغراديه» للأخوين طرزان وعرب ناصر يحكي جوانب من معاناة فلسطينيي غزة، عبر مكان واحد هو صالون حلاقة نسائية تملكه سيدة روسية متزوجة من فلسطيني وتعيش في غزة من اثني عشر عاماً.
اختيار صالون حلاقة لتقديم شخصيات عديدة في مكان واحد ليس جديداً، على الأقل هناك فيلم اللبنانية نادين لبكي «كراميل».
ربما جاء اختيار المكان الواحد – وهو ما يقرب الفن السينمائي هنا إلى المسرح- من أجل كلفة إنتاجية أقل، ولكن في هذه الحالة لا بد من التعويل على أداء ممثل بإمكانه أن يحمل ما غاب من عناصر، أما أن يغيب الخارج، ويغيب التصوير، والسيناريو المتقن وأداء الممثل فذلك سيساوي بالتأكيد غياب السينما. أما المؤثرات الصوتية في الفيلم فصحيح أنها لم تغب لكنها من فرط عدم إتقانها بدت مضحكة وهي تنقل أصوات ضجيج الناس والمعارك في الشارع. أقل ما هنالك أن يحضر الخارج بشريط صوتي متقن.
لافت أن يتحول صالون الحلاقة إلى ما يشبه سجن النساء في «ديغراديه»، وهو معنى يتواءم مع نقد الفيلم اللاذع لـ»حماس» التي يشكو سكان الصالون من تضييقها، ولعل ذلك الخنق أوضح ما يكون على جسد هاتيك النساء، لكن المجريات والحوارات جاءت هزيلة وغير متشابكة بشكل فعلي.
كل ذلك جعلنا أمام فيلم غير متقن، بإيقاع بارد وممل.

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية