أوديسة بوش الأب: ما جمعته العواصف تذروه الرياح!

حجم الخط
1

جون إلليس ميشام هو المحرّر التنفيذي ونائب الرئيس في «راندوم هاوس»، دار النشر الأنغلو ـ سكسونية الشهيرة، وكان، قبلئذ، رئيس تحرير أسبوعية «نيوزويك»، ومحرراً مشاركاً في مجلة «تايم»، ومعلّقاً سياسياً في أقنية وإذاعات أمريكية عديدة. أمّا اختصاصه الأبرز فهو كتابة سِيَر شخصيات سياسية أمريكية ذات باع، على غرار فرنكلين روزفلت (من باب محدد هو صداقته، «الملحمية» كما وصفها، مع ونستون شرشل)، وأندرو جاكسون، الرئيس السابع و»أسد أمريكا» في توصيف ميشام، ثمّ توماس جيفرسون، من زاوية «فنّ السلطة»، وأخيراً… جورج هربرت ووكر بوش، الرئيس الـ41، والد جورج بوش، الرئيس الـ43، وأيضاً والد جيب بوش، حاكم فلوريدا الأسبق، والمرشح الرئاسي الحالي عن الحزب الجمهوري.
سجلّ ميشام، في تدوين السيرة على الأقلّ، حافل ومدعاة اهتمام أيّ متابع للتاريخ السياسي الأمريكي، الحديث والمعاصر. مجلده الجديد صدر، مؤخراً، بعنوان «القدر والسلطة: أوديسة جورج هربرت ووكر بوش الأمريكية»، تكتنفه احتمالات اقتراح قراءة مختلفة في تاريخ إشكالي، حافل بالإبهام، غير متفق عليه، بل يراه البعض طافحاً بأرباع الحقائق أو أنصافها، وبالأكاذيب أيضاً. ورغم أنّ فصول الكتاب (على امتداد 1488 صفحة!) تقول الكثير عن حياة بوش الأب، وتفصّل التفاصيل، وتقدّم روايات متعددة للواقعة الواحدة، وتعرض الرأي والرأي الآخر، كما أنّ الفصول ترصد سياقات عامة شتى، خلف كلّ سياق شخصي، فنقرأ عن صعود اليمين داخل الحزب الجمهوري، وتتكشف أمامنا أسرار حروب كثيرة باردة أو دامية، وتتقاطع آراء مختلفة لشخصيات لعبت سلسلة أدوار حاسمة في تاريخ الولايات المتحدة، ثمّ العالم بأسره استطراداً. ومع ذلك، لا تبدو هذه الفصول وكأنها توفّر الدليل القاطع على أنّ هذا الرجل كان، في أيّ يوم من حياته السياسية، على موعد مع القدر، أو صارع الأقدار فقهرها أو قهرته، أو ترك في «القرن الأمريكي» الشهير أية بصمة خاصة تضعه بين الذين يُشار إليهم بالبنان!
فالرجل، بادىء ذي بدء، لم يكن مرشحاً لدخول التاريخ أصلاً، لولا ضربة حظّ نادرة، وفّرها رجل واحد وحيد كان يُدعى صدّام حسين، وسيبقى بوش مديناً له بجميل هَدْيه إلى الفرصة الذهبية التي مكّنته، أخيراً، من تعريف معنى رئاسته، واختلاق قنطرة العبور العجيبة: من سأم اليانكي المعاصر، الذي لا مشغلة توقف تثاؤبه المتواصل، إلى اتقاد نفس طامحة شهدت الحرب العالمية الثانية، وتختتم الحرب الباردة بحرب كونية بدورها، وقودها مئات آلاف القتلى! ومنذ 1964 (حين تولى بوش رئاسة الحزب الجمهوري في ولاية تكساس)، وحتى منتصف 1990 (حين اجتاحت القوات العراقية الكويت)، لم يكن أحد يعرف، على وجه الدقة، السبب الذي يجعل بوش يشغل الموقع السياسي الذي يشغله.
ورغم أنه ظلّ شخصية عامة معروفة طيلة 20 عاماً، إلا أنّ أحداً لم يتمكن من توصيف معتقداته وفلسفته السياسية، لأنه، من جهة، لم يكن مستعداً لإعلان أيّ شيء منها (بافتراض وجودها أصلاً)، ولأنه، من جهة أخرى، بقي دائم الاستعداد لتبنّي فلسفات المحيطين به، واعتناق ما يلائمه منها، أو يكتسب الرواج في هذه الحقبة أو تلك. لقد كان، أحياناً، جمهورياً معتدلاً أقرب إلى خطّ نلسون روكفلر، وكان، أحياناً أخرى، محافظاً متشدداً يصرف سحابة نهاره في اجترار مقولات رونالد ريغان.
في سنّ الثامنة عشرة أصرّ بوش على التطوع في سلاح البحرية رغم ضغوطات والده بريسكوت بوش (الجمهوري البيوريتاني، ورجل البورصة الثري)، ثمّ تدرّب على الطيران في شابيل هيل، حتى أصبح أصغر طيّار في تاريخ البحرية الأمريكية. في أيلول (سبتمبر) 1944 طار بوش من حاملة الطائرات «سان جاسينتو، في مهمة قصف محطة راديو يابانية على جزيرة شيشي جيما. الرواية الرسمية للحادثة تقول إن الطائرة أصيبت وتحطمت وتمكن بوش من القفز بالمظلة والسباحة في البحر حتى انتشلته غواصة أمريكية (وهذا ما عُدّ، في المخيال الأمريكي، بطولة فائقة)، أمّا زميلاه، جون ديلاني وتيد وايت، فقد اعتُبرا في عداد المفقودين. كذب وافتراء، ردّ شيستر ميرزيوفسكي زميل بوش في السرب وقائد الطائرة الأمامية، في رسالة إلى صحيفة «نيويورك بوست»: لقد رأى بأمّ عينيه كيف قفز بوش من الطائرة قبل أن تحترق، وقبل أن يعطي رفيقيه في الطائرة الوقت الكافي للقفز!
وفي عام 1972 كان بوش في السادسة والأربعين، تقاعد من عمله في ميدان النفط وباع حصصه لكي يتفرغ للسياسة، لكنه فشل في الوصول إلى مجلس الشيوخ، ولاح أن مستقبله السياسي قد بلغ نهايته، حتى قبل أن يبدأ. لكنّ المفاجأة وقعت عندما عيّنه ريشارد نكسون مندوباً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، حين كانت فضيحة ووترغيت تتفاعل وتهدد بانهيار رئاسة نكسون. ولقد توالت «مآثر» بوش في المنصب الجديد: استخدام ثاني فيتو في تاريخ أمريكا لصالح إسرائيل، محاربة إدخال الصين الشعبية إلى مجلس الأمن الدولي، تخفيض الإسهام الأمريكي في ميزانية الهيئة الدولية… من جانبه كان جيرالد فورد قد كافأه بسفارة أمريكا في الصين، ثمّ رئاسة المخابرات المركزية، لكنه، في المنصب الأول، اكتفى بالسياحة لأنّ هنري كيسنجر كان يقوم بكلّ شيء في ترميم العلاقات الأمريكية ـ الصينية، أمّا في المنصب الثاني، فقد خاض أشرس المعارك ضدّ وزارة العدل لحماية عملاء الوكالة من أي مساءلة أمام القانون.
في أواخر السبعينيات وافق على منصب النائب، في رئاسة ريغان، رغم أنه كان قد أعلن ـ بشكل قاطع وجازم ونهائي ـ أنه لن يقبل منصباً كهذا، وكان لا يكفّ عن تكرار نكتة مارك توين، عن شقيقين اختار أحدهما أن يكون بحاراً، واختار الثاني أن يصبح نائب رئيس الولايات المتحدة، فغاب الاثنان ولم يُعثر لهما على أثر بعد ذلك! وخلال عمله هذا، قطع مليون ميل في أسفار خارجية، وبلغت مدّة تغيّبه عن البلاد 160 يوماً، قضاها في زيارات لـ74 بلداً، وفي عام 1985، وبالرغم من معارضة وزارة الخارجية والبنتاغون، أشرف بحماس على عملية تهجير 800 يهودي إثيوبي إلى إسرائيل، كما منح الصوت المرجّح، في مجلس الشيوخ، لصالح إنتاج نوع جديد من سلاح غاز الأعصاب…
هذا جزء أوّل في مناهضة «الأوديسة» التي شاء ميشام أن يجترحها لإدخال بوش إلى التاريخ من بوّابات عريضة، لكنها كانت، في نهاية المطاف، أضيق من أن تبلغ بالرجل إلى ما هو أكثر من «مجد» البيت الأبيض. ذلك لأنّ رئاسة الولايات المتحدة ليست، ولم تكن في أيّ يوم، كافية لاقتحام حصون التاريخ، وهي، بصفة خاصة، لم تكن البتة كافية لرجل مثل بوش. وفي الأصل كان فوزه، إلى جانب ضعف خصمه مايكل دوكاكيس، ناجماً عن رغبة أمريكية شعبوية في رؤية جون واين في البيت الأبيض، بعد روني ريغان!
لقد ظلت «نيوزويك» تطلق عليه صفة «الخَرِع»، بالنظر إلى أنّ رئاسته جوفاء في زمن أجوف طوى عجيج الحرب الباردة، وفي حلقة تالية تستكمل هذا النقاش حول كتاب ميشام، سوف تتضح أكثر ضربة الحظّ التي قدّمها صدّام حسين، فكان أن عثر بوش على معنى لرئاسته… لا لشيء، إلا لكي تستجمع عواصف أمريكا ما ستذروه رياح الصحارى العربية بعدئذ، في أيام «داعش»… قبل الغبراء!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية