منذ بدايات تكوّنه الأولى، وربما في قلب مفاهيم التكوين الغائمة ذاتها، حمل مشروع «نداء تونس» سلسلة عناصر انفجارية وتنافرية كفيلة بحرفه عن مساره؛ الأمر الذي أنذر، إيضاً، بالمآلات التي يجابهها الآن على وجه التحديد: انفراط العقد، وفكّ التعاقد، وتفاقم الخلافات إلى خصومات تناحرية، وصولاً إلى الانشطار، وربما اندثار مفاهيم التكوين ذاتها.
وهذه، والحقّ يُقال، مآلات منتظَرة منطقياً من أي، وربما كلّ، ائتلاف مماثل ينهض على برنامج مؤقت المهامّ (مثل مجابهة حزب «النهضة» في صندوق الاقتراع، تحت أية صيغة تحالفية)؛ ومن حول شخصية لا تحظى بالإجماع إلا لأسباب كاريزمية مؤقتة بدورها، ومن باب مقارعة الكاريزما المقابلة (الباجي قائد السبسي، مقابل راشد الغنوشي)؛ في غمرة غياب، أو تغييب، شبه تامٌ للركائز المؤسساتية والدستورية التي تكفل للائتلاف حدوداً دنيا من الضبط والانضباط.
إلى هذا وذاك من العوامل المساعدة على تسريع التفكك، لا يصحّ أن تُنتفى حقيقة امتزاج التنافر الإيديولوجي للمكوّنات ـ بين يمين ويسار ووسط، وأحزاب بنت عهود الاستبداد وأخرى وليدة ما بعد إسقاط زين العابدين بن علي ـ مع التنافر الاجتماعي، الذي تليق به أيضاً صفة الصراع الطبقي، لجمهور هذا الائتلاف العريض. وثمة، هنا، بُعد خاصّ على صلة باقتران بعض قيادات النداء مع بعض مافيات المال والأعمال، على نحو لا يستجلب سخط المواطن التونسي فحسب؛ بل يذكّره، أيضاً، برجالات العهد البائد، وكيف يجري تبييض البعض منهم، وإعادة إنتاجه وتصعيده إلى الصفّ الأول.
كذلك لم يكن كافياً، كما بيٌنت الأشهر القليلة الماضية، أن يكون مناصر «نداء تونس» خائفاً من «النهضة»، ومناوئاً لمشاريع الإسلاميين السياسية؛ حتى يفلح في الانقلاب إلى عضو فاعل سياسياً وعقائدياً، وفعال تنظيمياً واجتماعياً، في الحياة اليومية للائتلاف ذاته أولاً، ولبلده تونس، ثمّ لمواطنيه التوانسة ثانياً. صحيح أن هذا المناصر لم يتخذ ردّ فعل جذرياً ضدّ الائتلاف الذي انتمى إليه، كأن يذهب إلى «النهضة» مثلاً؛ ولكن من الصحيح، في المقابل، أنه إما اعتكف السياسة نهائياً، أو اختار المعارضة السلبية والصامتة، وفي الحالتين خسره «النداء» مثلما خسرته السياسة.
وما يزيد في تعقيد أحوال «النداء» أن خصمه «النهضة» يعتمد تكتيك المراقبة عن بُعد، وادعاء النأي عن أي استغلال سياسي للأزمة؛ بل لعلّ الشيخ الغنوشي شاء اعتماد الحكمة البراغماتية الشعبية العتيقة، حول مبدأ «فخّار يكسّر بعضه» ونحن عليه نتفرّج! ولا أحد يلوم الجماعة، غني عن القول، لأن إذكاء نيران الانقسام في صفوف «النداء» هو لصالح «النهضة» في نهاية المطاف، من جهة أولى؛ ولأن من الحماقة أن تفكر المعارضة بحمل أعباء الحكم عن «نداء تونس» في ظلّ ظروف البلد الأمنية والاقتصادية الراهنة، من جهة ثانية. فليتفككوا على أقلّ من مهلهم، قد يقول لسان حال أهل التكتيك والمناورة في النهضة؛ وليستهلكهم الحكم أكثر فأكثر، فكلّ ما في ذلك من وبال، ينقل المياه إلى طواحيننا، سوف يضيف قائلهم!
محزن، في المقابل، أن الناخب التونسي الذي منح «النداء» صوته، وثقته، وعليها علّق آماله؛ يجد نفسه اليوم رهينة الصراع بين كتلة نجل رئيس الجمهورية، وكتلة الأمين العام للحزب؛ غير واثق، أغلب الظنّ، أنّ هذا التطاحن ليس قائماً على مصالح ضيّقة للأفراد، وليس كفيلاً بإحياء أشباح الاستبداد والفساد التي انتفض ذلك الناخب لاسقاطها، واعتقد أنها اندثرت مرّة وإلى الأبد. كأنما العقد لا ينفرط، جوهرياً، بين نداء ونداء، بل بين المنادي والنداء… كلّه!
صبحي حديدي