البحث عن رئيس!

حجم الخط
7

في لبنان يبحثون عن رئيس، وفي سوريا أضاعوا الرئيس!
رئيس سوريا، الذي كان يحكم لبنان على هواه، آمراً ناهياً، صار اليوم ألعوبة بأيدي القوى الإقليمية والدولية، أما رئيس لبنان فضائع والبحث مستمر عنه منذ سنة ونصف.
رئيس سوريا الذي كانت تخشاه جميع الطوائف اللبنانية، صار اليوم رهينة إحدى الميليشيات اللبنانية وامتدادها الإيراني! يا للؤم الزمن وقسوة التاريخ. رئيس سوريا صار مجرد دمية، صحيح أن بشار الأسد نجح في تحقيق شعاره: «الأسد أو نحرق البلد»، لكنه نسي انه يمكن أن يتحول إلى لا أحد، مثلما هدد شبيحته وهم يرفعون شعار: «الأسد أو لا أحد».
أما في لبنان فإن الطبقة السياسية لم تجد حتى الآن هذا «اللا أحد»، كي يتم ترئيسه على البلد الصغير المنكوب بنفايات طبقته الحاكمة.
«اللا أحد» السوري صار استبداله حكاية دولية، فلقد نجح الاستبداد في فتح أبواب سوريا على كل الاحتلالات. فتم احتلال سورية برا بالميليشيات الأصولية المتوحشة الممولة من آبار الكاز والغاز، واجتاحت ميليشيات النظام وحلفاؤه الإيرانيون ما تبقى، وقامت الطائرات، بتحويل سماء البلد المنكوب إلى ملعب لها.
أما «اللا أحد» اللبناني فحكايته بسيطة جداً وبالغة التعقيد في آن معاً.
بسيطة، لأن الطبقة الحاكمة اللبنانية التي تتربع على نظام الحرب الأهلية تعلم أن الحرب الأهلية اللبنانية ممنوعة دولياً، لأن القوى العظمى لم تعد تجد في لبنان ما يستحق الحرب من جهة، ولأنها قوى منهكة وغير قادرة ذاتياً على إشعال الحرب، من جهة ثانية. فقامت وتقوم بتفكيك بنيان الدولة، كأنها تريد أن تصل إلى إحدى نتائج الحرب من دون حرب.
ومعقدة، لأن لعبة تفكيك بنية الدولة وصلت إلى نقطة باتت تشكّل خطراً على وجود هذه الطبقة من زعماء الطوائف وأمراء الحرب، وهذا يفترض اجتراح معجزة العثور على الرئيس. ظهرت هذه الحاجة خلال مظاهرات القوى الشبابية والشعبية في عزّ أزمة النفايات. فحين ارتفع شعار «طلعت ريحتكم» مصحوباً بشعار «كلّن يعني كلّن»، ومع تحول الاحتجاج إلى ظاهرة جماهيرية شبه يومية، بدأت ترتسم أولى بوادر «يقظة» الطبقة الحاكمة. وقد تمثلت هذه «اليقظة» في التحالف القمعي الذي جعل من ميليشيا رئيس حركة «أمل» رديفاً لقوى الأمن التي يحركها وزير الداخلية «المستقبلي». فجأة بدأت ملامح التحالف ترتسم على أجساد المتظاهرين قمعاً وضرباً وقنابل غاز وسكاكين.
الوصول إلى استعادة تحالف المصلحة المشتركة في استمرار نظام النهب، اقتضى بداية تلمس لملامح رئيس ينقذ ما تبقى من النظام، فرست الأمور على نائب زغرتا سليمان فرنجية، وبدأت معركة تمريره الصعبة والمعقدة.
الوصول إلى حل وسط يقي الطبقة الحاكمة من الاندثار مسألة باتت ضرورية، كي لا يتم تدمير الهيكل على رؤوس أصحابه. لقد ابتلع سعد الحريري سمّ التسوية التي تعيده إلى رئاسة الحكومة، وعلى حزب الله أن يبتلع هذا السمّ أيضاً. لكن العقبة الكبرى لا تزال «المارونية السياسية»، التي تجد نفسها بأقطابها الثلاثة عون وجعجع والجميل مهمّشة في المعادلة الجديدة.
المستغرب أن تكون هناك عقبة، فلا أحد يستطيع تقديم دروس في الفضيلة لأحد، لأن الجميع ملوث بالدم والنفايات والارتهان لقوى خارجية. لماذا إذاً يبدو اقتراح الثلاثي بري – الحريري – جنبلاط، بتنصيب البيك الزغرتاوي رئيساً، مستهجنا من قبل المؤسسة الطائفية المسيحية؟
سبق وأن اتفق زعماء الموارنة في بكركي على أربعة زعماء باعتبارهم مرشحين أقوياء، فلماذا حين رست الأمور على أحدهم انتفض الباقون كمن لسعته حية؟
الجواب على هذا السؤال يسمح لنا بتقديم رواية أخرى للحرب اللبنانية، وهي بالتأكيد ليست كل الرواية، لكنها جزء أساسي منها، ولا يمكن فهم الحرب من دونها.
فأحد وجوه الحرب اللبنانية هو أنها كانت حرباً قبلية بين زعماء المارونية السياسية على الرئاسة. وأن هؤلاء الزعماء، رغم ادعائهم الحداثة، هم أمراء يتصرفون بعقلية المقَدَمين والمقاطعجية.
بدأ المسلسل الدموي في 13 حزيران/يونيو 1978، حين قامت الميليشيات الكتائبية بتنفيذ «مجزرة أهدن»، التي أبيدت فيها عائلة طوني فرنجية، ولم ينج سوى نجله سليمان. وفي 7 تموز/يوليو 1980، قام بشير الجميل بتصفية ميليشيا كميل شمعون، واتخذت هذه التصفية شكل المذبحة في منتجع الصفرا. وبعد هاتين المذبحتين توالت المذابح والتصفيات داخل القوات اللبنانية ووصلت الأمور إلى ذروتها في الحرب، بين جعجع وعون، التي أطلق عليها اسم «حرب الإلغاء»، وقادت إلى احداث دمار هائل في المنطقة الشرقية، وكانت المقدمة التي سمحت للجيش السوري باجتياح لبنان.
تاريخ من التصفيات والمجازر والفشل السياسي والأخطاء، يسمح للمراقب بأن يقرأ تاريخ هذه الصراعات الدموية بصفتها شكلاً للانتحار الجماعي، الذي جاء عقب الفشل الذريع في حكم دولة لبنان الكبير التي فصّلها الانتداب الفرنسي كي يحكمها الموارنة.
اليوم، وبعد التهميش الذي تميّز به عهد الوصاية السورية، وبعد تقليص صلاحيات الرئيس الماروني في اتفاق الطائف، وبعدما صارت المارونية السياسية بلا حليف دولي أو إقليمي، يتابع أمراء الطائفة اللعب بالانتحار. ففراغ الموقع الرئاسي الأول لا سبب له سوى عطشهم إلى السلطة واستعدادهم للتضحية بكل شيء في سبيلها.
الغريب أن شعور الطبقة الحاكمة بضرورة الخروج من مأزق الفراغ، يقابله مواقف متشنجة من عون وجعجع، كأنهما بفضلان استمرار الفراغ على أن يحتل المركز الأول أحدهما أو أي شخص آخر.
لن يكون انتخاب سليمان فرنجية حلاً لأزمة نظام يحتضر، بل قد يكون باباً لتسريع هذا الاحتضار، وهو حل لا تزال دونه عقبات كبرى من الصعب تذليلها، لكن الغريب أن يكون البديل الوحيد لهذا الخيار المتذاكي هو الفراغ.
بين الفراغ والترقيع يعيش لبنان أزمة طبقة حاكمة تتمرغ في الفساد وتذهب إلى الانتحار.
عندما رفع الشبان شعار «كلّن يعني كلّن»، أعلنوا الحقيقة المرة، وأشاروا إلى ما هو أشدّ مرارة منها، وهي أن بديل هذه المزبلة السياسية ليس متوفراً، وأن شرط الخروج من الإقامة بين ضفتي الدم والنفايات هو بلورة مشروع ديمقراطي علماني جذري، يعلن أن الطريق الوحيد للخروج من المأزق هو اسقاط النظام الطائفي اللبناني الذي أعلن إفلاسه.

الياس خوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية