الإغراق في السرية وتجاهل الرأي الآخر أصبح أسلوب الحكم في مصر… وتهم «مُعلَّبة» وجاهزة تنتظر من يتلقاها لأي سبب

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: حدثان سيطرا على معظم اهتمامات الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 1 ديسمبر/كانون الأول، الأول مؤتمر المناخ الدولي في العاصمة الفرنسية باريس، وكلمة الرئيس السيسي ومقابلاته. والثاني كان اجتماع وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار بمندوبي الصحف في الوزارة للرد على أسئلتهم حول الأزمة التي نشبت مع الشرطة، بسبب وقوع عدد من حوادث اعتداء ضباط على مواطنين داخل الأقسام الأمنية، ووفاة عدد منهم، وما استتبع ذلك من قرارات للنيابة العامة بالقبض على بعضهم والتحقيق معهم.
واشتعال الصحف المستقلة والحكومية بالهجوم على الشرطة، وتحذيرها من العودة إلى السياسة التي كانت متبعة قبل ثورة يناير/كانون الثاني 2011 ومطالبة الوزارة بالتخلص من العناصر التي تسيء بأفعالها إلى زملائهم الذين يدافعون عن البلاد ضد الإرهاب، ويسقط منهم كل يوم شهداء، وكذلك يسيئون لزملائهم الذين يحسنون معاملة الجمهور في الأقسام. وأكد الوزير للصحافيين على أن كرامة المواطن فوق كل شيء، وأن جهاز الشرطة يعمل فيه أربعون ألف ضابط وجندي، ما ذنبهم إذا أساء عشرة أو خمسة عشر ضابطا أو جنديا وارتكبوا أخطاء، وحتى هؤلاء تتم معاقبتهم، سواء من الوزارة أو بإحالتهم للقضاء. واشتكي الوزير من أن وسائل الإعلام ضخمت هذه التجاوزات الفردية وصورتها على أنها سياسية من الوزارة، وأكد ألا أحد قادرا الآن على إعادة سياسات سابقة على ثورتي يناير ويونيو/حزيران .
كما واصلت الصحف المصرية عرض الأزمة بين روسيا وتركيا، بسبب إسقاط الطائرة الروسية، وكل التعليقات، وحتى ردود الأفعال الشعبية متعاطفة مع روسيا.
أيضا اهتمت الصحف ببدء انتخابات الإعادة للمرحلة الثانية لمجلس النواب في ثلاث عشرة محافظة، لانتخاب مئتين وتسعة عشر نائبا في الدوائر الفردية، وكان قد نجح في الجولة الأولى ثلاثة نواب فقط من أصل مئتين واثنين وعشرين، والإعادة بدأت أمس وستستمر اليوم الأربعاء.
وقد أخبرنا زميلنا الرسام في «الجمهورية» تاج أمس أنه توجه إلى لجنة للإدلاء بصوته فشاهد ثلاثة مرشحين من إياهم يقومون بالدعاية لأنفسهم. الأول لص ويصف نفسه بالرجل الأمين، والثاني حمار يرتدي قناع مثقف، والثالث يصف نفسه بأنه ورع ويسحب وراءه مسبحة طويلة ويخفي ذيلا واتضح أنه شيطان.
أما وزير الاستثمار فأعلن أن شركات القطاع العام حققت في ثلاثة أشهر فقط من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرين الأول من العام الحالي أرباحا بلغت مليارا ومئتي مليون جنيه. وأصدرت محكمة جنح قسم قصر النيل حكما بتغريم رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف» وأحد المحررين بمبلغ عشرة آلاف جنيه في الدعوي التي أقامها رجل الأعمال محمد أبو العينين ضدهما، بتهمة نشر أخبار كاذبة عنه. كما تسود حالة من التفاؤل بقرب عودة السائحين الروس والبريطانيين إلى شرم الشيخ والغردقة والأقصر، في احتفالات أعياد الميلاد ووصول فوج من المصريين العاملين في الإمارات وعدد من مواطني الإمارات إلى شرم الشيخ. واتفاق وزارة الكهرباء على إقامة محطة ضخمة في حلوان في جنوب القاهرة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية. وتواصلت جهود المنتجين للاستعداد لإنتاج المسلسلات التي ستعرض في شهر رمضان المقبل، وأبرزها الاتفاق الذي تم بين المنتج محمود شميس مع أسرة الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، لإنتاج جزء سادس من مسلسل ليالي الحلمية يكتبه كل من، أيمن بهجت قمر وعمرو محمود ويخرجه مجدي أبو عميرة. وإلي شيء من أشياء عديدة لدينا….

سعد الدين إبراهيم يدافع عن صلاح دياب

ونبدأ بالمعارك والردود المتنوعة التي لا رابط بينها، بحيث تنوعت وتعددت ومنها ما هو أعجب من العجب، مثل تلك المعركة التي خاضها يوم الأحد في «المصري اليوم» الدكتور سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية، ورئيس مجلس إدارة مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، ودافع فيها عن رجل الأعمال وصاحب الجريدة صلاح دياب بأن قال عنه: «أما ترويع المهندس صلاح دياب بمُداهمة منزله ليلاً واقتحام غُرفة نومه وإلقاء القبض عليه وتقييد معصمه بالسلاسل، ثم تعمد تصويره بتلك الحالة ونشر ذلك في وسائل الإعلام المملوكة للدولة، فلا يمكن تفسيره إلا بأنه إجراء تأديبي ترهيبي لأحد كبار رجال الأعمال في مصر. وكأن الرسالة هي أن الدولة العميقة يمكن أن تطال أكبر الرؤوس في مصر، ولمن لا يعرفون عن صلاح دياب غير ملكيته لأكبر صحيفة يومية في مصر وهي «المصري اليوم» فإن الرجل ينحدر من أسرة وطنية عريقة، وكان جده الأكبر توفيق دياب أحد قادة ثورة 1919 التي فجّرها سعد زغلول ضد الإنكليز، وتُشير إليه كُتب التاريخ كمؤسس لجمهورية زفتي، التي هي الآن أحد مراكز محافظة الغربية على حدودها مع الدقهلية، ويفصلها فرع دمياط عن مدينة ميت غمر، التي انضمت في ذلك الوقت إلى جمهورية زفتي، كجزء مستقل عن هيمنة كل من الإنكليز المحتلين وأسرة محمد علي المالكة والمُتعاونة مع الاحتلال، في ذلك الوقت.
أما صلاح دياب نفسه فهو أحد طلائع الرأسمالية الوطنية المُبدعة في مصر خلال الرُبع قرن الأخير. ومن مُبادراته الفذة إدخال زراعات حديثة في مصر من خلال شركة بيكو، وكذلك إنقاذ وتجديد صناعة الحلويات في مصر من خلال مخابز لبوار».

مللنا من الشعارات

كما دارت معارك خاصة بالرئيس أولها للأستاذ في كلية الطب في جامعة القاهرة والكاتب الدكتور طارق الغزالي حرب، وهو شقيق زميلنا وصديقنا في الأهرام الدكتور أسامة الغزالي حرب. طارق قال في مقاله في «المصري اليوم» عدد يوم الاثنين وهو من مؤيدي السيسي: «الغريب حقاً أن تتكرر دعوة الرئيس للمواطنين بالاصطفاف وأن يكونوا على قلب رجل واحد، في ظل هذا التجاهل للشعب وغياب المصارحة والمكاشفة بشأن التوجه العام للدولة، والأهداف التي تسعى لتحقيقها والعراقيل التي نواجهها، وخططنا في هذه المواجهة ليس بمجرد كلمات عامة أقرب للشعارات التي مللنا سماعها، ولا خلاف عليها بالتأكيد مثل، الحفاظ على الدولة ومؤسساتها ومحاربة الإرهاب وتجديد الخطاب الديني وأحاديث المؤامرات التي لا تنتهي علينا بدون تفصيلات ولا توضيحات فالإغراق في السرية والتعتيم وتجاهل الرأي الآخر أصبح أسلوب حكم هو بالتأكيد غير رشيد ويضع علامات استفهام عما يعنيه الرئيس بالاصطفاف وأن يكون الشعب على قلب رجل واحد».

لن يتنازل الناس عن حقوق مواطنة انتزعوها انتزاعاً

والمعركة الثانية الخاصة بالرئيس خاضها في يوم الاثنين نفسه زميلنا في «الأخبار» (قومية) خالد رزق بقوله: «الواضح أن نظامنا الذي شرع في بناء القوة والاقتصاد وسط حرب وطنية كلفه الشعب بخوضها ضد الإرهاب وقوى الظلم والشر العالمية، بلغت به الثقة في شعبيته حداً تصور معه أن الناس لا يحتاجون أكثر من الإيمان بحسن نواياه، ليتحملوا كل الأشياء. فأغفل أنه مهما بنى أو سعى للبناء لن يتنازل الناس عن حقوق مواطنة انتزعوها انتزاعاً. رأى شعبنا الذي خرج ذات يوم قريب في يناير/كانون الثاني الوجوه الكريهة نفسها التي لفظها، وقد قفزت إلى المشهد. استخدموا أساليب الفساد القديمة نفسها في إفساد الضمائر والعقول، وهو إفساد لو تعلمون جسيم.. وعند الناس فالذي سمح بعودتهم هو نظام، وبالأقل لم يرع مصالح الشعب والوطن على النحو المطلوب، فهل من شأن ذلك أن يوحدهم في الإيمان بصدق نوايا محاربة الفساد؟ أتصور لا»

«مفيش جهاز سيادي في البلد يقدر يتجاوز القانون»

أما الهجوم الثالث على السيسي في اليوم نفسه فكان من نصيب زميلنا في «المقال» عماد حمدي وقوله عن كلام الرئيس في افتتاح بدء مشروعات شرق قناة السويس وإسناد بعضها للجيش: «قد تكون مؤسسة الرئاسة راغبة في استثمار ثقة المصريين في قدرة الجيش على تنفيذ مثل هذه المشروعات، ومن ثم تقليل درجات الشك العام في جدوى المشروع، وبالتالي تجنب المعارضة، لكنها تبقى رسالة شديدة الخطورة لأمرين، الأول أنها تعطي انطباعا لكل مستثمر، أجنبيا كان أو مصريا، بأن الجيش يسيطر على تلابيب الاقتصاد في هذه الدولة، وبالتالي تقل الفرص الاستثمارية، خصوصا لو دخلت على خط المنافسة مع المشروعات التي ينفذها الجيش. دخول الجيش إلى ملعب الاقتصاد حتى لو بحجة التنمية يرفع درجات المخاطر الاستثمارية، ويكرس عدم الأمان لدى أصحاب رؤوس الأموال، بما يتناسب عكسيا مع معدلات جذب الاستثمار. الاعتبارات كثيرة مهما أنفقت الدولة على البنية الأساسية وتهيئة المناخ للاستثمار، أي مستثمر لا يستطيع منافسة الجيش الذي يتمتع بمزايا اقتصادية لا تتوافر لغيره، أهمها العمالة الرخيصة والإعفاءات الضريبية واستخدام مرافق ومنشآت الدولة مجانا، بالإضافة إلى أن أي نزاع بين الطرفين سيحسم في الغالب الأعم لصالح المؤسسة العسكرية، بدعوى الأمن القومي. هذه الأسباب التي يوضحها علم الاقتصاد يبدو أنها تحولت إلى تخوفات حقيقية لدى المستثمرين، وهو ما عكسته كلمة الرئيس التي أراد فيها طمأنتهم بأن «مفيش جهاز سيادي في البلد يقدر يتجاوز القانون» بحسب تعبيره طبعا».
البدء بمشروع تنمية محور قناة السويس

لكن هذه الهجمات من المحبين للسيسي لم تعجب، إلى حد ما، محبا آخر هو زميلنا في «الوطن» محمد البرغوثي لذلك قال في يوم الاثنين أيضا: «صباح السبت الماضي أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي إشارة البدء لمشروع تنمية محور قناة السويس، وقد اتضح لكل من تابع استعراض المشروع، عبر الفضائيات أو الصحف، ولكل من علم به قبل أن يذهب الرئيس إلى هناك للإعلان عنه رسمياً، أنه ليس مجرد مشروع واحد ولكنه جملة مشاريع عملاقة كل واحد منها يكفي لأن يدفع في عروقنا وأرواحنا طاقة أمل جبارة، وكل واحد منها يصلح لأن يكون نموذجاً مبهراً لإرادة البناء والتنمية في زمن الخراب الذي ضرب المنطقة كلها، ودمر دولاً بكاملها وحطم جيوشها وهدم بيوتها ومصانعها وشرد شعوبها في أرجاء المعمورة، وأن تتمكن مصر بإرادة رئيسها وبالاعتماد على قواتها المسلحة الباسلة – من تدشين هذا العدد الضخم من المشروعات العملاقة في الوقت ذاته، الذي تخوض فيه حرباً من أبشع الحروب التي عرفتها الإنسانية طيلة تاريخها، فهذا ليس مجرد إنجاز عادي إنه في الحقيقة معجزة إنسانية تتحقق أمام أعيننا».

أثر التغير المناخي على مصر خلال 10 سنوات

وإلى «المصريون» ومقال الكاتب حسام فتحي الذي عنونه بـ«عندما يتحدث العلماء» ومما جاء فيه: «ابتعاد.. أو إبعاد.. أو استبعاد عالم الفضاء المصري د.عصام حجي من منصب مستشار رئيس الجمهورية، لا يعني أن الرجل أصبح فجأة «خائناً» أو «عميلاً» أو فاقداً للوطنية! فعصام حجي سيظل «عالماً» محترماً يؤخذ برؤيته ورأيه في ما يتعلق بالمياه والاستشعار عن بُعد وعلوم الفضاء، سواء ظل مستشاراً علمياً للرئيس أو ترك منصبه. وعندما يتحدث «العلماء» في تخصصهم، فعلينا «جميعاً» أن ننصت، وأن نحاول أن نفهم ونناقش أو نستوضح على الأقل. فما بالك لو كان المتحدث «نابغة ناسا».. وما قولك لو كان الحديث متعلقاً بأحد أهم مقومات الاقتصاد المصري، وأعني قناة السويس؟ بدلاً من أن نتهم الرجل بالخيانة والعمالة والحقد.. وهي تهم «مُعلَّبة» وجاهزة تنتظر من يتلقاها في أي وقت وأي مكان ولأي سبب – أو حتى بدون أسباب – علينا أن نركز جيداً في ما قاله حجي والذي أعيد نشره حرفياً، كما نشره على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «في زيارة لبضع ساعات لمدينة باريس لحضور مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي، كان لي الشرف أن ألقي كلمة افتتاحية خاصة في اللجنة العلمية الخاصة بآثار التغير المناخي على الوطن العربي، خاصة مصر. علينا أن ندرك جميعا أن مصر ليست واحة تعيش في معزل عن التغيرات المناخية في كوكبنا وأن حجم التحديات التي ستواجهها مصر في العقد المقبل من آثار التغير المناخي في دول حوض النيل وآثارها على مواردنا المتناقصة من الماء والطاقة يفوق مستوى استعداد الدولة لمواجهة هذه المشاكل. بالإضافة إلى التغيرات المناخية في المناطق القطبية، التي فتح فيها ذوبان الجليد نتيجة ارتفاع درجات الحرارة طرقا ملاحية قصيرة بين أوروبا وآسيا، وآثار ذلك على قناة السويس والاستثمارات المحيطة بها. مصر اليوم في أمس الحاجة لكفاءاتها في الداخل والخارج لتفعيل مصادر طاقة نظيفة ومتجددة ودراسات دقيقة لتطوير وتحديث الموارد المائية والابتعاد عن تحويل مصر إلى سوق لاستيراد الصناعات ومصادر الطاقة الملوثة. أتمنى كل التوفيق للوفد المصري وكل الوفود العربية في هذا المؤتمر المهم». ..انتهى الكلام الموجز.. المقتضب للعالم «المصري» الشاب د.عصام حجي، وبحسب قامته وقيمته العلمية، وبحسب معرفتي «الشخصية» به.. فهو عندما يتحدث في شأن علمي يدرك ويعرف ويعي تماما ما يقول، وهو قد تحدث عن أثر التغير المناخي على مصر خلال «عقد» أي عشر سنوات فقط! وأن تناقص موارد الماء والطاقة يفوق مستوى استعداد الدولة! وأن ذوبان الجليد في القطب الشمالي سيفتح طرقاً ملاحية بين أوروبا وآسيا تؤثر على أهمية قناة السويس! وأن مصر بحاجة إلى كل كفاءاتها في الداخل والخارج، هل سنستمع لنصيحة عالم؟ أم أن الأسهل «قذفه» بكل التهم «مسبقة التعليب» والعودة إلى عالم الغيبوبة؟»

علاء عريبي: وطنية الكنيسة المصرية فوق كل الشبهات

وإلى المعارك التي أشعلتها الزيارة التي قام بها البابا تواضروس الثاني بطريرك الأقباط الأرثوذكس إلى القدس، لحضور جنازة والصلاة على جثمان الأنبا إبراهام، واتهامه بأنه خالف سياسة البابا شنودة الثالث، وقرار المجمع المقدس بعدم زيارة القدس وهي تحت الاحتلال الإسرائيلي، ودخولها مع المسلمين بعد تحريرها. ورغم نفي الكنيسة أنها مخالفة أو تطبيع، فقد تواصلت المعارك حيث هلل دعاة التطبيع لها، ومنهم زميلنا في «الوفد» علاء عريبي بقوله يوم الأحد: «أظن أن أغلب الذين انتقدوا البابا تواضروس بسبب سفره للمشاركة في جنازة الأنبا إبراهام مطران الكرسي الأورشليمي والشرق الأدنى في القدس، هم من أصحاب الشعارات الحنجورية، التي مازالت تعيش بثقافة الستينيات، والتي رفعت راية إلقاء إسرائيل في البحر. هؤلاء السادة شنوا هجوما على البابا تواضروس ظنا منهم أنه خرج من الصف وقرر التطبيع مع الكيان الصهيوني. بالطبع أنا لا أكتب هذا المقال للدفاع عن موقف البابا، ولا عن وطنية الكنيسة المصرية، التي هي فوق كل الشبهات وشكوك الحنجورية، بل لكي أناقش ما تبقى بعد أكثر من 30 سنة من شعار عدم التطبيع مع الكيان الصهيوني، خاصة خلال الظروف التي تمر بها المنطقة، من تفكك وتقسيم وتنازع وحرب أهلية في بعض البلدان المحيطة والمحتلة من إسرائيل، هل مازال شعار عدم التطبيع قائما؟ ولماذا؟ ومن الذي يرفعه؟ لهذا من المنطقي أن نسأل: ما هي الفائدة من التطبيع وجميع البلدان المحتلة من إسرائيل انهارت وتشهد حروباً أهلية؟ هل سوريا وفلسطين ولبنان قادرة على رفع راية لا للتطبيع؟ وما الذي ستستفيده في ظل الحروب والدماء والدمار التي تمر بها بعضها؟».
صلاح دياب: يتم تشويه سمعة البعض بكلمة «مطبعاتي»

كما وجدها رجل الأعمال وصاحب جريدة «المصري اليوم» فرصة سانحة ليقول في يوم الأحد أيضا في عموده اليومي «وجدتها» الذي يوقعه باسم نيوتن: «الهجوم الذي يتعرض له البابا لم يكن الأول من نوعه.. ولن يكون الأخير. بعض الصحف وصفت زيارة البابا بأنها شرخ في الوحدة الوطنية، ليس شرخا بل الشرخ الحقيقي هو المقاطعة بشكل عام. الشرخ هو الخوف الذي يسكننا منذ هزيمة 1967، الشرخ هو الفجوة التي جعلتنا نغيب عن أبناء جلدتنا العرب الذين يعيشون في الأراضي المحتلة، الشرخ هو التعامل بمنطق طفولي والانكفاء على ذواتنا خشية من أن نذوب في إسرائيل، وكأننا الأقلية في المنطقة وسكان إسرائيل هم الأغلبية. بعد عقود طويلة نردد الكلام ذاته. الخطابات الفجة الرنانة عن المقاطعة أي مقاطعة تلك؟ وغالبية العرب والدول الإسلامية لهم علاقات ومصالح مع إسرائيل. المقاطعون يشنون الهجوم تلو الآخر على شخصيات وطنية، اغتالوا العديد منهم معنويا الراحل علي سالم، لطفي الخولي، محمد سيد أحمد، صلاح بسيوني، وغيرهم الكثير من الوطنيين الشرفاء يتم تشويه سمعتهم بكلمة واحدة «مطبعاتي». الهَتِّيفة من القوميين العرب مازالوا في أماكنهم التي كانوا فيها قبل أربعة عقود لم يبرحوها يتكسبون منها. لن يغادروها. المقاطعة أسهل أقل تكلفة، العلاقات الطبيعية صعبة تتطلب المنافسة تتطلب بذل الجهد العمل المتواصل لكي تكون أفضل ممن تعتبره عدوك. صحيح أننا أول مَن صنع السلام ولكننا نخجل منه ونداريه فتحول السلام من نقطة قوة إلى نقطة ضعف.

زيارة تأدية الواجب عذر غير مقبول

ونترك «المصري اليوم» إلى «اليوم السابع» وزميلنا عبد الفتاح عبد المنعم الذي واصل هجومه على البابا قائلا: «الزيارة التي قام بها البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية للقدس المحتلة، عبر مطار بن جوريون بحجة الصلاة على جنازة مطرانها الراحل الأنبا إبراهام. كل أحزان الشعب المصري على رحيل حكيم المصريين البابا شنودة، رحمة الله عليه، وهو الشخصية الدينية التي بكى عليها الجميع من قلوبهم، لأنهم أحبوه باعتباره الرجل القوي داخل الكنيسة، الذي ظل حائط صد لمنع التطبيع الديني بين أقباط مصر والعدو الإسرائيلي، والذي ظلت قياداته منذ زيارة السادات المشؤومة لإسرائيل في عام 1977 تحلم بأن يزور رأس الكنيسة القبطية الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن الرجل رحل عن دنيانا وهو يرفض مثل هذه الزيارات. نعم يجب أن نتذكر الأسطورة البابا شنودة بعد أن انهار الجميع تحت زعم زيارة تأدية الواجب، وهو عذر غير مقبول، لأن الذي مات قد مات، ولكن ستبقى الزيارة الغريبة للبابا، التي ستتبعها زيارات متعددة من باقي أعضاء المجمع المقدس، ثم يكسر الأقباط قرار منع السفر للأراضي الفلسطينية المحتلة تحت زعم أن البابا عملها، فإذا كان قد ذهب ليدفن أنبا فإن زيارة المقدسات المسيحية في القدس تأتى في المرتبة الأولى لتبدأ أكبر عملية تطبيع بالحج السياحي لأقباط مصر، وهو ما كنا نخشاه من زيارة البابا».

زيارة البابا تواضروس للقدس
سابقة كنسية وتغير سياسي غير مفهوم

وإلى «الأخبار» وما زلنا في يوم الأحد والجميلة زميلتنا عبلة الرويني وقولها في عمودها اليومي «نهار»: «على امتداد السنوات كان موقف الكنيسة واضحًا من زيارة القدس في ظل الاحتلال الإسرائيلي. رفض البابا كيرلس السادس زيارة القدس حتى موته.. ورفض البابا شنودة بإصرار، معلنًا أنه لن يذهب إلى القدس إلا بصحبة شيخ الأزهر، وكان رفضه لمرافقة السادات في زيارته إلى إسرائيل بداية الخلاف السياسي، الذي انتهى به إلى تحديد إقامته في وادي النطرون.. وفي مارس/آذار 1980 كان قرار المجمع المقدس بمنع سفر المسيحيين للحج إلى الأراضي المقدسة التزامًا بموقف الشعب المصري من التطبيع. موقف البابا تواضروس المفاجئ سابقة كنسية وتغير سياسي غير مفهوم وتجاوز سياسي غير مقبول، خاصة وهو يفتح الباب أمام آلاف من المسيحيين لزيارة القدس وكسر قرار المجمع المقدس بعدم السفر.. فلماذا لا يسافرون ورأس الكنيسة ورمزها الأكبر ذهب بنفسه إلى القدس، هبط في مطار تل أبيب ومنه إلى القدس، وتصادف أيضًا أن كان على متن الطائرة التي حملت البابا السفير الإسرائيلي في القاهرة.. يا محاسن الصدف».

زيارة البابا تمت لأسباب إنسانية وشخصية

ومن محاسن الصدف إلى «أهرام» الاثنين حيث قال زميلنا أشرف أبو الهول: «حسنا فعل البابا تواضروس الثالث، بابا الأقباط عندما زار القدس في نهاية الأسبوع الماضي ليرأس مراسم دفن وتأبين الأنبا إبراهام مطران القدس والشرق الأدنى، الذي توفي في المدينة المقدسة وأوصى بان يتم دفنه هناك، فالزيارة لم ولن تكون تطبيعا لأنها تمت لأسباب إنسانية وشخصية، كما قال البابا نفسه. وكذلك لأن أصحاب الشأن وهم الفلسطينيون بشكل عام، والمقدسيون بشكل خاص، رحبوا بها وتمنوا تكرارها، بل تمنوا أن يكسر كل المصريين والعرب، مسلمين ومسيحيين العزلة العربية المفروضة عليهم. وبنظرة واحدة نكتشف أن قرار منع زيارة فلسطين، الذي يزيد عمره على 35 عاما فشل فشلا ذريعا، وكان الفلسطينيون هم الخاسر الوحيد منه حيث استغل الاحتلال الفراغ الذي تسبب فيه هذا القرار العنتري، وانفرد بأبناء القدس والضفة الغربية، وأوغل في التنكيل بهم وابتلاع أراضيهم وتغيير التركيبة السكنية لكي تميل الكفة للمستوطنين الصهاينة.
وللأسف الشديد فإنه لا أحد يجرؤ على تغيير هذا القرار أو انتقاده، رغم أن التطبيع يتم يوميا وعلى مسمع ومرأى من الجميع، سواء من خلال الفيسبوك أو الفضائيات، التي تروج لقبول إسرائيل، ولم يعد الأمر يتم من خلال السفر إلى القدس والضفة والاتصال المباشر بين العرب والإسرائيليين، ولذا بات من الضروري أن يتم كسر هذا القرار حتى نتمكن قبل فوات الأوان من الحفاظ على ما تبقى من القدس، من خلال دعم أهلها مباشرة بدلا من عزلها حاليا وإفقار أهلها ماديا نتيجة الموقف العربى منها. ودعوني اذكركم أن للأقباط المصريين سبع كنائس في القدس، وأربعا خارجها، ومن حق البابا تواضروس أن يتفقد حال رعاياه فيها، وأن يدعمهم في مواجهة الضغوط الإسرائيلية لإجبارهم على الرحيل وهجر كنائسهم وبيوتهم».

يوسف القعيد: هل نحن إزاء
موقف مصري جديد من التطبيع؟

المهم أنه في العدد نفسه من «الأهرام» قام زميلنا وصديقنا الأديب يوسف القعيد في مقاله الأسبوعي بمهاجمة الزيارة وعدم اقتناعه بمبرراتها وقال وكأنه يرد على أشرف: «ما الذي جد حتى يتخذ الأنبا تواضروس قراره الخطير بهدم جدار رفض سفر المسيحيين إلى القدس، من دون أي مقابل من العدو الصهيوني؟ هل نحن أمام موقف مصري جديد من قضية التطبيع مع العدو الصهيوني؟ لا أقحم موضوعا في موضوع لكنني أربط بين سفر البابا وموقف آخر مع أنه قد لا تكون ثمة علاقة بينهما، فمازلت عاجزا عن استيعاب تصويت مصر في الأمم المتحدة لمصلحة إسرائيل، حتى تصبح عضوا في إحدى لجان المنظمة الدولية. قيل إن التصويت سببه أن إسرائيل لم تدخل اللجنة وحدها، لكن كان معها ثلاث دول عربية، وقد نشر في ما بعد أن الدول العربية التي تدعي الدولة المصرية أنها جاملتها صوتت ضد القرار، فما هي المستجدات التي دفعت البابا تواضروس لاتخاذ قراره الخطير وتنفيذه؟ هل نحن إزاء موقف مصري جديد من التطبيع؟».

مشروعية المقاطعة كسلاح ضد الدول المعتدية

ومن «الأهرام» إلى «أخبار» الاثنين وزميلنا علاء عبد الوهاب الذي جمع مقالات علاء ودياب وأبو الهول، وقرأها جيدا، حيث قال عنهم من دون ذكر أسمائهم ومركزا أكثر على صلاح دياب: «فرصة لم يفوِّتها أنصار التطبيع مع الكيان الصهيوني، أقصد ترؤس البابا تواضروس قُداس جنازة الأنبا إبراهام مطران القدس، واعتبروا الزيارة ثغرة يمررون من خلالها حججهم الفاسدة في محاولة تفضح طبيعة مصالحهم المرتبطة بالصهاينة، وبينهم من أثرى عبر شراكات مع مؤسسات صهيونية، لاسيما في مجال الزراعة، وبينما راكم هؤلاء أرباحا حراما، دفع المصريون بالملايين ثمنا باهظا جراء أسمدة مسمومة وتقاوٍ مهرمنة، وانبري أحدهم بمنتهى البجاحة ليصف المقاطعة بـالشرخ الحقيقي الذي يسكننا منذ هزيمة 67 هذا الصوت لا يعكس ما بداخله وحده، لكن هناك طابورا طويلا من المطبعين بعضهم لا يعنيه أن يداري سوأته، وآخرون يفضلون الاستمرار في غيهم بعيدا عن الأضواء، لكن الفريقين لا يدعيان ما يتصورانه فرصة تفوتهم – كزيارة البابا لأداء واجب إنساني – من دون الترويج للتطبيع والدعوة لنبذ المقاطعة! أذكّر هؤلاء بعدة حقائق يتعامون عنها: المقاطعة العربيــــة بدأت بمــــبادرات شــــعبية منذ عام 1936 رداً على سياسات التهويد، نص ميثاق عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة على مشروعية المقاطعة كسلاح ضد الدول المعتدية. أمريكا – ولية نعمهم – أكثر من انتهج أسلوب المقاطعة لعقود طويلة ضد كل دولة تمثل تهديدا لمصالحها أو يعود من حصارها ثمارا تصب في المصلحة الأمريكية، تبقى المقاطعة سلاحا رمزيا في ظل صراع وجودي ذي حمولة معنوية ثقيلة. وأخيرا فإن من يكسرون المقاطعة لا يمكن أن يمثلوا حجة على المطالبين بدعمها واستمرارها، بل أن العكس هو الصحيح لو كانوا يعقلون».

القمص بولس حليم: لا زيارة للقدس
إلا مع جموع المصريين يدا بيد

وأخيرا إلى موقف الكنيسة وكان قد شرحه يوم الأحد في مقال له في «المصري اليوم» المتحدث باسم الكنيسة القمص بولس حليم وأبرز ما فيه: «موقف الكنيسة من زيارة القدس ثابت، ولم ولن يتغير فلا زيارة للقدس إلا مع جموع المصريين يدا بيد، وهذا واضح جلي من أول لحظة اتخاذ القرار، سواء عن طريق قداسة البابا نفسه، أو المتحدث الرسمي. ولو كان قداسة البابا يريد إعادة النظر في القرار فما الذي يمنعه من عقد مجمع مقدس وطرح الموضوع واتخاذ قرار بشأن ذلك؟! لكن الأمر واضح وقاطع وحاسم، وهو لا تغيير في موقف الكنيسة من زيارة القدس، لأن سفر قداسة البابا مقصور على صلاة الجنازة فقط. والجدير بالذكر أن قداسته مقيم في مقر الكرسي الأورشليمي في بطريركية الأقباط الأرثوذكس في القدس الشرقية ولم يذهب لأي زيارات دينية أو سياسية. لماذا يرأس قداسة البابا بنفسه صلاة الجنازة؟ مطران الكرسي الأورشليمي له مكانة خاصة في المجمع المقدس للكنيسة القبطية، وهو الرجل الثاني بعد قداسة البابا، وكان المفترض أن يأتي الجثمان إلى مصر ويصلي عليه قداسة البابا، ولكن وصية الأنبا إبراهام بأن يدفن في القدس حالت دون ذلك، ولولا الوصية ما كان هناك داع لسفر قداسة البابا، فلا مجال هنا للمزايدة والتكهنات بترويج فكرة التطبيع. الشعب القبطي واع بتقاليد الكنيسة وقوانينها ويعلم أن رئاسة قداسة البابا للجنازة واجب رعوي يجب أن يقوم به. وأن هذا لا يعني السماح له بالزيارة فلا مجال للتشكيك في أن الشعب سينتهز بذلك الفرصة لزيارة القدس».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية