الإعلام بين الخرافة والتنجيم وتبادل وضعيات فضائية بين الروس والفانوس!

الحرب العالمية الثالثة تستوفي مبررات اندلاعها النووية، وها هي تمشي من تحت أقدامنا وتصعد بها إلى مسرح الملحمة الكبرى، التي تبشر بنهاية اسرائيل كما تنبأ بها سفر يوئيل وأشعياء في فيديوهات يعج بها الـ»يوتيوب»، تتحدث عن مد هائل لأمة قديرة تجتمع عليهم من أطراف الأرض، وتحقق كتابات ورباعيات المنجم نوستراداموس، الذي يستند إليها أرباحا مخيفة في سوق الفلك الغربية، خاصة بعد تحقق نبوءاته حول نابليون وهتلر والحرب العالمية وجدار برلين والهبوط على سطح القمر وبرحي التجارة في الأرض الجديدة، كما توثق قناة «ناشونال جيوغرافيك» .. التي استعانت بآراء محللين اعترفوا بأن الخرافة التي تثبت وقائعيتها أكثر من مرة تخرج من دائرة الافتراض لتدخل إلى النطاق المعلوماتي، فلماذا لا يستفيد العالم إذن من طاقة التنجيم؟
طيب! هل يؤمن الإعلام بالخرافة أم أن له حسابات أخرى غير معنية بمسائل الإيمان؟ هل معقول أن التحليل الخبري والسياسي للحدث ينقض مبدأ الاستعانة بالروايات التاريخية والدينية التي تنبأت في كتبها المقدسة بأهوال المواجهة الأخيرة في حرب القيامة وكان نوستراداموس أهم من برهنها؟ أم أن الإعلام برمته يعبر عن توجه علماني أعمى، يفصل الأخبار عن التأويلات العقائدية ويكتفي بالمؤشرات الآنية والاستشرافية للملفات الاستخباراتية والأمنية الكبرى؟
حسنا إذن، ربما علينا أن نطمئن على ضمير المواطن العربي الذي لم ينجح النطح الالكتروني ببطحه وتسديد اللكمة المغناطيسية القاضية إليه بعد سرقة ثوراته، ليس لأنه لا يستحق الحرية بل لأن الحرية لم تكن قد نضجت بعد لتليق بقيامته، بالتالي فإن عمليات شفط الدهون والزوائد الإيديولوجية حسب ما يراها الرجل الآلي الغربي، باءت بالفشل، وظل العربي متمسكا بموروثه الديني أكثر من ذي قبل، بل أنه سخر وسائل التواصل الإجتماعي لمكتبته التاريخية وذخيرته الدينية، التي يكشف بها أحابيل الألعاب الألكترونية التي استعانت بذات المكتبة لتشويه النبوءة بإجراء عمليات تجميل حديثة وما يتلاءم وأهداف الغزو الغربي، ويُرضخ الشعوب العربية بملء إرادتها لها، دون أن يترك بصمة على أية نوازع إجرامية واستعمارية سواء للكاوبوي أو الدب الأحمر أو القارة العجوز أو حتى التنين الصيني، وإنها مؤامرة يعترف بها أصحابها ويسلمون الإعلام بنود خطتها بحذافيرها، دون أن يرف للإعلام جفن، كأن المؤامرة أصبحت خبرا جانبيا أو حواشي فائضة، لا تلقى ذات الرواج الذي تحظى به المفرقعات المدوية الأكثر إثارة، فهل هزلت؟ أم أن العالم يتوق لعرض نووي يثري به أرشيف الذرة؟ أم هي صفعة لمن تعامل مع الـ«يوتيوب» كعرافة، صدمته إذ اكتشف أنه لم يقرأ فنجان المهدي المنتظر، لأن من شرب القهوة كان موساديا يتسلى بعلامات يوم القيامة على صفحة الأنبياء في الـ«فيسبوك» !

وضعيات فضائية معكوسة

في شريط فيديو كاريكاتيري للشخصية الكرتونية «سمعة»، التي يؤديها الممثل الأردني موسى حجازين، يضع أوباما و عبد الله النسور في كفة واحدة في حلقة حوار افتراضية حول راتب المواطن الأردني والأمريكي، يستهلها بالترحيب والمساءلة:
• سيد أوباما، والحكي لعبد الله النسور: ما هو الراتب الشهري للموظف في أمريكا؟
وحين يحصل على إجابة مقدارها ستة آلاف دولار شهريا ينفق منها ثلاثة ويحتفظ بثلاثة لا تسائله الحكومةعنها، يتوجه بذات السؤال إلى النسور الذي يُضحكه عندما يخبره أن راتب الموظف الأردني ثلاثمائة دينار ينفق منها ثماني مئة، مستنكرا أن تتدخل الحكومة الديمقراطية بمصدر تمويله بالفرقية بين دخله ومصاريفه مما دفع أوباما لمغادرة الأستديو.
الجميل في هذا الحوار الكرتوني ليس في كرتونيته، إنما بالتعامل مع الحكومات العربية بذات الطريقة التي تتعامل فيها الحكومة مع الحقائق، حيث تقلب الصورة رأسا على عقب، ليصبح الحق على المواطن، لدرجة تقنعك بمسؤوليته التامة عن التدخل الخارجي بشؤون الجحيم، وهي ذات الوضعية التي يتخذها نديم قطيش في «معمل التشوه الجيني للحدث»، حيث ينعت المواطن اللبناني بالهبيلة والمخرب والمأجور، وهو يستعرض بعض اللقطات للمحتجين على تعامل الجيش العنيف مع مظاهرات الشارع اللبناني ضد النفايات الوطنية، بينما هو ذاته من كان يحرض الشارع السوري على إسقاط جيشه وبأرخص الطرق وأسفلها، فلماذا تعز عليه كرامة السوريين ولم تعز عليه كرامة شعبه؟ دعك من الجيوش العربية ومن هو المسؤول عن تورطها بجرائم الحرب والإنتهاكات الأمنية والإستيراتيجية، وركز فقط على معيارية البساطير العسكرية فوق الصحون المتدلية من ذيل إعلامي لقيط !
الأمر نفسه يقال عن تغطية قناة «الجديد» لعرس التحرير اللبناني، فالتشويه الذي يقع على الأسرى المحررين لا يمكن تصوره، خاصة في سؤال مراسلة القناة لأحد الجنود عن سبب أسره وتداعياته، ليجيب أن النصرة حتى وإن كانت إرهابية لم تتعرض لهم بكلمة أو إساءة، ولما استنكرت عليه بروده وذكرته بحرقة قلب أهله، أجابها أنه يأخذ بعين الإعتبار الأسباب الخفية للصراع وما يمكن أن ينجم عنه! لا شك أن الجندي العظيم هو الذي لا يحترم سجانه ولا يعطيه مبررا لتجريده من سلاحه، ولكن الطريقة التي تعاملت بها المراسلة مع هذا الحدث المقلوب، قلبت طاقية النصرة.
ثم تأتي «بي بي سي» العربية لتشن حملة إعلامية على الإمارات، علما بأن هنالك دولا أخرى ترتكب انتهاكات حقوقية وأخلاقية تفوق التصور ولا تجد «بي بي سي» صوتا أو قحة واحدة تحرك المشهد ولو بمقدار «إحم إحم دستور يا أسيادنا»، وهو ما يثير قلقك خاصة لما ترى برنامجا بثته القناة يتعاطف مع العاملات الآسيويات في الإمارات، ضد القانون الذي يعاقب على الزنا بالسجن أو التسفير، لن أناقش الواقع الإماراتي ولا القانون، إنما سأحاجج البرنامج ومن يقفون وراءه بسؤال واحد فقط :هل نتوقع أن نرى يوما ما، برنامجا في «بي بي سي» يتعاطف مع الجالية الهندية في بريطانيا، ويطالب الحكومة البريطانية بالسماح للفيلة المقدسة بالتجوال في الشوارع وقتل الناس دون التجرؤ على إطلاق رصاصة إنقاذ واحدة للقرابين البشرية تكريما لقدسية هذا الحيوان، علما بأن أعلى معدلات وفاة سنويا تسجلها الإحصاءات العالمية هي بسبب هذا البروتوكول العقائدي الدموي؟ ثم لماذا لا تشن المحطة حملة على العنصرية الأوروبية تجاه العرب والمسلمين وعمليات التنكيل بهم وقتلهم وإحياء مراسم جنازاتهم السرية ودفنهم بعيدا عن عيون الإعلام والكاميرات؟
تداول نشطاء على الـ«فيسبوك» مشهدا مريعا للصهاينة، الذين كانوا يتصدون لمظاهرة لنشطاء عرب وغربيين مناصرين لحق الشعب الفلسطيني بالحرية ودحر الإحتلال، حيث كان الإعتداء الصهيوني سافرا ولا قانونيا، ووحشيا، يتخذ من العمليات الإرهابية في باريس ذريعة أو غطاء يبرر بها غيظه وأحقاده، ولا تجد فضائية عربية ولو مجهولة تتخذ من القائمة السوداء التي تصدرتها اسرائيل خيطا تجر به العالم وراء أكثر القضايا عدلا في التاريخ: القضية الفلسطينية؟
ربما كان الخلط بين الفتونة الإعلامية والفلتنة الإعلامية واضحا، في الحالات التي سقتها هنا على الوضعــــيات المقلوبة للمشهد برمته، كل ما يحتاجه الإعلام هو التفـــريق بين «اللواط الإعلامي» هذا وعمليات شد العضل التي تؤدي مع أخطاء في الممارسة إلى حكة جلدية مزمنة بعد تناول الصحون الفضائية !

«ذا مانيو»

أمريكا أو اسرائيل لن يهمهما أن تكشف «القائمة السوداء» عن مكان صنع الخلايا الإرهابية «الإسلامية»، لأن الإعلام العالمي سيجد لهما مبررا في صناعتها ما دامتا ستدمرانها بعد انتهاء صلاحيتها، وما دامتا ستعاقبان الشركاء العرب خاصة لأنهم طاوعوا أمريكا واسرائيل بما ذهبتا إليه حتى لو لم يكن لهم خيار برفضه أو مجرد التزام الحياد، ولهذا تحديدا تظهر القائمة السوداء الآن، فمراحل التصنيع الأولى لن تهم الإعلام، لأن أمريكا تقود تحالفا يفوق الستين دولة ضد منتوجاتها من الألعاب النارية، ولن يهم الإعلام أيضا أن يكون شركاؤها ضمن جيش تحالفها، لأن هذا ليس أكثر من تمويه يضاعف إجراءات التأديب والعقوبة لأن القانون الأمريكي لا يحمي المغفلين العرب !
الحرب ليست هي الرهان، وليست هي الحدث، لأن روسيا التي جاءت محملة بعدة أسطولية تفوق حاجتها للإبقاء على مؤخرة كرسي الرئاسة الأسدية سالما من أية خوازيق على الطريقة القذافية، لا تراهن إلا على طريق الحرير، في لعبة شد الحبل التركي بينها وبين أمريكا، فمن سيظفر بسوريا: الروس، أصحاب الأدمغة المدججة بالفراء الشائك، أم الفانوس الذي سيتم العثور عليه في قصر السلطان وحيدا بلا كراس ولا رؤوس!

٭ كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية