طنجة ـ ‘القدس العربي’ ـ من مصعب السوسي: يحرص المعرض الدولي للكتاب والفنون منذ انطلاقه سنة 1996 على ألا يكون مجرد معرض للكتب، بل تظاهرة أدبية وثقافية كبرى وملتقى للتبادل الثقافي والحوار الفكري والفني.
دورة 2012 شملت كلا من تطوان والعرائش إلى جانب طنجة، وكان عنوانها ‘العالم الرقمي، عهد جديد؟’: فبعد عهد غوتنبورغ وبداية عهد ماركوني كثيرة هي الأشياء التي تتغير وبسرعة. السرعة اليوم تفرض تغييرات جيوسياسية ومناخية، حيث رسخت العولمة التقنيات الحديثة للإعلام والتواصل، وجعلت منهما قاعدة لصناعة جديدة أحدثت ثورة كبرى على النظم التقليدية في الإبداع الثقافي والفني كما في الإنتاج الإعلامي بمختلف فروعه المكتوبة والمسموعة والمرئية مما يؤثر عميقا في المجتمع.
في دورة هذه السنة اختارت عاصمة الثقافة ‘مدح التأني’ كشعار للدورة 17 لمعرضها الدولي للكتاب والفنون، الذي أصبح منذ العام 2011 نشاطا دائما في برمجة الموسم الثقافي الفرنسي المغربي للمركز الثقافي الفرنسي بالمغرب وبشراكة مع جمعية طنجة الجهة، وفي البرنامج العام لهذه الدورة التي امتدت من 8 إلى 12 من أيار/مايو، افتتح المعرض بندوة فكرية حول إشكالية حتمية السرعة في حياتنا، مع افتتاح معرض فني تشكيلي للفنان سعيد ورزاز من مدينة الصويرة. وحمل عنوان اليوم الثاني: الإبداع والتاريخ، حيث نظمت موائد مستديرة حول: ‘الزمن في التاريخ’ و’زمن الكتابة’. وثالثة حول: ‘الفن الخام والفن الفردي: أهي فنون خارج الزمن؟’ كما عرف اليوم الثاني تنظيم لقاء مع الكاتب والأديب الجزائري رشيد بوجدرة بعنوان: الزمن المتوسطي. كما تم الاحتفاء بالسنوية المائة لثانوية رينو سانت أولير الفرنسية بطنجة. وفي المساء الفني استمتع الزوار بحفل لموسيقى الجاز من إحياء فرقة الموسيقار الفرنسي باتيست تروتينيون.
في اليوم الثالث تم ‘تكريم الكاتب الطنجي أنخيل فازكيز’ (طنجة 1929- مدريد 1980) بشراكة مع مؤسسة سربانتس. ونظم لقاء مع الكاتب والإعلامي الفرنسي دانييل بيكولي حول نصه المسرحي: ‘الأخطاء الإملائية هي لغتي الأم’ حيث يتذكر بيكولي الفتى دانييل، التلميذ ذا الخيال الخصب وعلاقته بالتعلم وكيف انتقلت إليه المعرفة، وعلاقته بالقراءة وبالكتابة. وكان لضيوف المعرض هذه المرة موعد مع الموسيقى الكلاسيكية بمقطوعات للبيانو من تقديم العازفة المغربية دينا بنسعيد. وفي اليوم الرابع بشعار: ‘أخذ الوقت الكافي: مسألة سياسية’. كان موضوع المائدة المستديرة الأولى: ‘سياسة الاستعجال’، وموضوع الثانية: ‘الاقتصاد والمجتمع: النمو بأي ثمن؟’. ونظم لقاء مع كاتب طنجة وعاشقها الأول ومؤرخها رشيد التفرسيتي حول كتابه المرجع: ‘طنجة، حقائق أسطورة’. كما تم تكريم الشاعر المغربي الكبير محمد بنيس في لقاء من تنشيط الشاعر والناقد المغربي عز الدين الشنتوف. وقد عرضت الأعمال التي خلدت المسار الإبداعي لمحمد بنيس في أروقة المعرض طيلة أيامه الخمسة. كما نظم لقاء آخر مع الكاتب والصحافي الفرنسي سيلفان تيسون. وكان المساء الفني لليوم الرابع جامعا بين الحسنيين: الأدب والموسيقى، إذ تم تخليد ذكرى ألبير كامو (1913- 1960) الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي والروائي الفرنسي الشهير المولود بمدينة الذرعان الجزائرية (كانت تسمى إذاك ‘مندوفي’، وهي اليوم إحدى أهم بلديات ولاية الطارف شرق عنابة على الحدود التونسية) والذي انخرط في المقاومة الفرنسية أثناء الاحتلال الألماني، وأصدر مع رفاقه في خلية الكفاح نشرة باسمها ما لبثت بعد تحرير باريس أن تحولت إلى صحيفة Combat (الكفاح) اليومية التي تتحدث باسم المقاومة الشعبية، واشترك في تحريرها الفيلسوف جان بول سارتر. ورغم كونه روائيا وكاتبا مسرحيا في المقام الأول إلا أن كامو فيلسوف كانت مسرحياته ورواياته عرضا أمينا لفلسفته في الوجود والحب والموت والثورة والمقاومة والحرية والسياسة، وكانت فلسفته مواكبة لعصرها، وأهلته لجائزة نوبل فكان أصغر من نالها في الأدب بعد الأسترالي وليم لورنس براغ في الفيزياء. وتم تخليد ذكراه في حفل فني متميز بعنوان: ألبير كامو يقرأ ‘الغريب’، حيث تقرأ مقاطع من روايته Lâtranger (الغريب) بصوت الكاتب نفسه، والتي تم تسجيلها على اسطوانة فينيل سنة 1954، على إيقاعات موسيقى عصرية من توزيع بيير دو مييولينير، الذي إلى جانب كونه موزعا موسيقيا فهو يعد من أوائل الناشرين الأدبيين الرقميين في بلجيكا، مستفيدا من خبرته كصاحب مكتبة لينشئ بشراكة مع الأديب البلجيكي بونوا ديبون (يوقع أعماله باسم إدغار كوسما) مجلة أدبية رقمية منذ العام 2006 باسم Onlit (نقرأ). لتصير فيما بعد ONLIT EDITIONS أول دار نشر مائة بالمائة رقمية في بلجيكا الفرانكفونية، وتبدأ منذ 2008 سلسلة من النشاطات الفنية المتنوعة التي تمزج الأدب بالموسيقى وفنون الفيديو. ويأتي هذا العرض احتفاء بالذكرى المائة لميلاد الكاتب والفيلسوف ألبير كامو. وهذه المحطة السابعة لعرض: ألبير كامو يقرأ ‘الغريب’، بعد كل من بلجيكا وفرنسا وهولندا ولوكسمبورغ وتركيا وكندا على التوالي. ورافقت الموزع بيير دو مييولينير كل من صابرينا إنكيريهاري وألكسيا دو فيل من’Orchid Bite’ لفنون الفيديو.
اليوم الخامس والأخير للمعرض الدولي كان تحت شعار: ‘أخذ الوقت الكافي: مسألة حياة’ بمائدة مستديرة حول الشريط الوثائقي: قصة الوجبات البطيئة/Story food Slow، للمخرج الإيطالي ستيفانو ساردو بمشاركة عالم الاجتماع الإيطالي كارلو بيتريني رائد الوجبة البطيئة أو ‘سلو فود’، وهي حركة تدعو إلى ثقافة غذائية مناهضة للأطعمة السريعة بالعودة إلى الطبيعة سواء في إنتاج أو تجهيز وجبات الأطعمة، وتحضير وجبات ذات طابع محلي. وأصبحت ‘سلو فود’، التي تتخذ من الحلزونة شعارا لها، حركة دولية ابتداء من 1989 بعشرات الأعضاء والأصدقاء عبر العالم. وقد بدأ كل شيء ببيان بسيط نشره بيتريني عام 1986 في بلدته ‘برا’ القريبة من مدينة تورينو في مقاطعة كونيو بشمال إيطاليا مؤذنا بانطلاق الحركة ردا على الوجبات السيئة التي تعد بغير تأن إضافة للوجبات السريعة أو ‘ Food Fast ‘. وبعد 18 عاما من انطلاقتها، تجمع هذه الحركة الفلسفية الغذائية التي تؤمن بمطبخ يجمع حول مائدة مضيافة لذة الأكل المتقن واختيار المنتجات الطبيعية والتقليدية، فالعقل السليم في غذاء جسد سليم. بعدها عرض الشريط للزوار، ثم تم تقديم كتاب ‘المغرب الصحراوي’ للكاتب الصحافي المغربي سعد التازي، وهو عمل تصويري أدبي يبرز أصالة الصحراء المغربية وطبيعتها الجمالية. ليكون آخر مساء فني عرضا موسيقيا حسانيا (لهجة أهل الصحراء) مع المطربة الصحراوية منت عيشة بعنوان ‘سلام يا مداح’ وبشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان.