القاهرة ـ «القدس العربي» : ركزت الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 3 ديسمبر/كانون الثاني على انتهاء انتخابات الإعادة في المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب، وغدا ستعلن اللجنة العليا للانتخابات النتائج الرسمية باستثناء ثلاثة عشر مقعدا متبقية ستتم الإعادة فيها.
كما واصلت الصحف كتابة الحكايات والوقائع ونشر الصور عن الرشاوى وشراء الأصوات والمساومات حول الأسعار، لدرجة أن زميلنا الرسام في جريدة «الأخبار» أحمد عبد النعيم، أخبرنا أمس أنه شاهد وسمع أمام إحدى اللجان مرشحا يقدم مبلغا من المال لناخب بائس ومعه زوجته الحامل وثلاثة من أولاده ويقول للمرشح:
– ما فيش فصال الصوت بألف جنيه وأعمل حسابك المدام حامل في توأم.
أما أبرز الأخبار بالنسبة للدولة ورجال الأعمال، فكان اجتماع الرئيس مع طارق عامر محافظ البنك المركزي، الذي أكد أن الاحتياطي النقدي الأجنبي مطمئن، وأن الوضع الاقتصادي يتطور للأفضل، وما تبقى من مشاكل للمستثمرين يتم حلها.
والخبر الثاني البارز أنه رغم المعارك بين الصحافيين المصريين والسعوديين، فقد تم في الرياض توقيع الاتفاق بين رئيس الوزراء شريف إسماعيل وولي العهد وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، لبحث نتيجة اجتماع اللجنة التنسيقية المصرية ـ السعودية، والتأكيد على ما جاء في محضر أمناء مجلس التنسيق لتنفيذ ما جاء في إعلان القاهرة وتنمية العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
أما الموضوع الأكثر اجتذابا لاهتمامات الأغلبية فهو السلع المخفضة في المجمعات الاستهلاكية، والمطالبة بزيادة عرض الوجبة الغذائية التي تبيعها وزارة التموين، التي قال عنها يوم الاثنين زميلنا في «الأخبار» أحمد جلال: «وزير التموين مدلعنا على الآخر، والناس بتحلف بحياته.. كل السلع على بطاقة التموين، والرغيف زي الفل كبير ويملي العين، وبنظام النقاط يعني لو مش عايز عيش تحوش نقاط، وممكن يكون عندك نقاط أكثر من الأهلي والزمالك وتاخد الدوري!.. ودلوقتي عمل وجبة لأربعة أفراد بـ30 جنيها فقط، لحمة وفراخ وسمك والكل حياكل وينبسط، يمكن تكون أيدين الوزير ماسكة شوية في تقطيع اللحمة، ويا دوبك تشوفها بعينيك لو نظرك سليم، لكن كتر خيره وأحسن من مفيش.. والناس متعشمة في الوزير أن الوجبة يوم الخميس تكون مرة كوارع ومرة جمبري ومعاها قرص فياغرا لزوم الشقاوة!.. ربنا يديم العز يا معالي الوزير». وإلى بعض مما عندنا….
العلاقات المصرية السعودية يسودها الغموض
نبدأ تقريرنا لهذا اليوم بمعارك الصحافيين، وهذه المرة بين السعوديين والمصريين وتبادل الغمزات والهجمات بينهما، التي تكشف عن خلافات في بعض المواقف، وبالذات من الأوضاع في سوريا، وعلى كل حال فلم يعد سرا بعد أن أعلن الرئيس السيسي معارضة مصر لإسقاط نظام بشار الأسد، لأنه سيؤدي إلى سقوط الدولة، وهو ما يتناقض مع الموقف السعودي، وأعلن تأييد مصر للتدخل الروسي، وكانت مقالات زميلنا الكاتب السعودي جمال خاشقجي في جريدة «الحياة» عن محور جديد ستقيمه السعودية في المنطقة لتغيير خريطة الشرق يضمها مع قطر وتركيا وقوى وأحزاب إسلامية، وأن على مصر أن تلتحق به أو سيتم عزلها، اعتبره الكثيرون استفزازا من جناح في النظام السعودي لا يمكن احتماله أو تفويته، من دون رد عليه، بحيث يكون في النهاية معركة بين صحافيين وكتاب يعبرون عن أنفسهم، وهو ما قاله السفير السعودي في القاهرة أحمد القطان من حوالي شهرين، في لقاء مع صحافيين مصريين، بأن خاشقجي يعبر عن نفسه، بل أن المملكة غير راضية عما يكتبه. وبالمثل تعرض الصحافيون الذين انتقدوا سياسات السعودية إلى هجمات بأنهم يريدون الإساءة للعلاقات القوية بين البلدين. وهدأت الأمور إلا أن مقالا آخر في جريدة «الحياة» لزميلنا الكاتب السعودي خالد الدخيل، أثار الغضب وكان على شاكلة مقالات خاشقجي في حكاية الترتيبات لشرق عربي جديد، والتعامل مع مصر على أن عليها أن تلتحق به واتهامها بأنها تريد العودة لزعامة المنطقة. فرد عليه يوم الأربعاء الدكتور محمد السعدني الأستاذ في جامعة الأزهر في مقاله الأسبوعي في جريدة «الأخبار» قائلا: «هناك ما يشبه الإجماع على أن العلاقات السعودية المصرية يسودها غموض من النوع الذي لا يخدم أياً من طرفيها. كل منهما يقول للآخر ما يود سماعه، ويفعل ما يرى أن يفعله. لماذا هذا الغموض؟ هل السعودية هي السبب في ذلك أم مصر؟…مصر هي السبب. هي من يريد للعلاقة مع السعودية أن تبقي غامضة، قابلة لأن تتسع للموقف ونقيضه. ومرد ذلك إلى دور افتقدته مصر وتحلم باستعادته، لكنها لا تجد إلى ذلك سبيلاً، هكذا بدأ خالد الدخيل مقاله في «الحياة» الأحد الماضي 29 نوفمبر/تشرين الثاني، تحت عنوان «السعودية ومصر: مصالح مشتركة وسياسات رمادية». والدخيل لمن لا يعرفه، أكاديمي سعودي وكاتب، وأستاذ زائر في مؤسسة كارنيغي للسلام في واشنطن، يكتسب أهميته باعتباره واحداً من المحافظين الجدد حول الإدارة السعودية الجديدة، يشكل مع زميله جمال خاشقجي محوراً يبدو مناوئاً للعلاقات المصرية السعودية، وهما أقرب للتصور الأمريكي لمستقبل المنطقة العربية، إذ يريا أن مصلحة السياسة السعودية أن تدور في الفلك الأمريكي وحلف الناتو، وأن تكون العلاقات السعودية – التركية هي ركيزة السياسات الإقليمية والدولية للمملكة السعودية بديلاً للدور المصري – السعودي في الإقليم، أو على الأقل هذا ما يرشح من مقالاتهما في «الحياة» اللندنية. التحرك المصري العاجل حيال هذه «السياسات الرمادية» المدعاة في ظل المشهد الدولي المرتبك، ربما أسكت أصواتاً مثل الدخيل وخاشقجي المرتبطين بالمراكز الأمريكية، التي تلعب طوال الوقت على تخريب العلاقات المصرية السعودية. وفي تقديري أنهما لن ينجحا في ذلك، شريطة أن تلعب مصر كل أوراقها الإستراتيجية وأن تتخلى عن حساسيتها المفرطة في علاقاتها العربية والإقليمية وربما الدولية».
القيادة الإقليمية
نموذج وليست طلب وصاية
ومن «الأخبار» إلى «الوطن» ومقال زميلنا في «الأهرام» حسن أبو طالب يوم الأربعاء أيضا وقوله فيه: «هؤلاء الكُتّاب يعكسون توجهات داخل المراكز العليا للقيادة السعودية، أو أنهم يكتبون بتوجيهات لغرض توصيل رسائل لمصر ولرئيسها تحديداً، مفادها أنهم غير راضين عن تحركات مصر في بعض الملفات، التي تعتبر ذات أولوية قصوى للمملكة السعودية، لاسيما الملفيْن السوري واليمني، لأنها تطور علاقاتها بالدب الروسي، فهم أيضاً يفعلون الشيء نفسه وأكثر، فهناك حوار متكرر بين المسؤولين السعوديين ونظرائهم الروس، وهناك صفقات بالمليارات في السلاح وغيره، وهناك علاقات تجارية واقتصادية هائلة بين تركيا وروسيا تفوق 40 مليار دولار، ولم يطالب أي من هؤلاء الكُتّاب السعوديين أنقرة أن تقطع هذه العلاقات، للتعبير عن رفض التدخل الروسي العسكري في سوريا! نعرف أن هناك مشروعاً إستراتيجياً تم استثمار الكثير فيه أموالاً ودعاية وتسليحاً لجماعة الإخوان في سوريا وأعوانها من «القاعدة»، ولكنه لم يَفلح في هز عرش الرئيس بشار الأسد، بل وصل هذا المشروع إلى نهايته المحتومة، أي الفشل الذريع، وهو فشل لا علاقة لمصر به، وإنما طبيعة المشروع نفسه هي التي انتهت به إلى هذا المصير المتوقع منذ زمن، وبالتالي فإن محاولة إلقاء اللوم على مصر تبدو عبثية إلى أبعد مدى، وتدل على عُقم التفكير السياسي الرصين. بدلاً من أن يراجع هؤلاء الكُتّاب الأسباب البنيوية لفشل مشروع الإخوان في سوريا رغم كل المليارات والمناورات والأسلحة والأفراد والدعاية السخية، ومن قبل في مصر وتونس وغيرهما من البلدان العربية، ويعترفوا بالخطأ الجسيم، فإنهم يريدون أن يغسلوا أيديهم مرددين أن مصر لم ترد الجميل. وكأن على المصريين لكى ينجح الآخرون أن يتنازلوا عن هويتهم وأمنهم وتاريخهم ويقدموا كل ذلك قرباناً من أجل تدشين قيادة إقليمية لهذا الطرف أو ذاك… والغريب في الأمر أن يتصور أحد أن القيادة في النطاق الإقليمي هي أمر يُطلب أو يُفرض بالوصاية، أو أن مجرد التدخل في شأن الآخرين يعني أن تلك قيادة إقليمية، وأن صرف عدة مليارات لشراء مجموعات مسلحة لهدم نظام في بلد آخر، يؤكد تلك القيادة. كل ذلك قد يسبب توتراً ويثير المشكلات، ولكنه لا يصنع القيادة الإقليمية، التي ترتبط أولاً وأخيراً بالنموذج الحضاري والإنساني والسياسي الجاذب الذي يقدمه البلد لنفسه وللعالم كله. ولا ينكر أحد أن لدى مصر مشكلات عويصة تحول دون تقديم هذا النموذج الجاذب الآن، ولكنها تجتهد في ظل ظروف معقدة لكي تطور من داخلها النموذج الذي يرتضيه المصريون أولا وأخيراً، من دون وصاية أو تدخل أو توجيه خارجي. ويعرف هؤلاء الكُتّاب السعوديون قبل غيرهم أن تراجع النموذج التركي الذي تم التبشير به قبل عقد من الزمن ناتج أساساً من هوس القيادة الأردوغانية بالتسلط على شعبه وعلى شعوب المنطقة حوله، وأنه الآن فقد بريقه حتى بين الأتراك أنفسهم. وإذا كان على أحد آخر في المنطقة أن يتقدم للقيادة الإقليمية فليُظهر لنا نموذجه الحضاري والإنساني والسياسي قبل أي شيء آخر».
مرسي عطاالله: مصر لن تدفع
ثمن المساعدات الخليجية
أما الرد الأبرز في يوم الأربعاء نفسه فكان لزميلنا وصديقنا في «الأهرام» رئيس مجلس إدارتها الأسبق والمحرر العسكري الأسبق مرسي عطاالله وقوله في عموده اليومي «كل يوم»: «أغلب الشعب المصري يحب المملكة العربية السعودية ويحترم قيادتها، ويتفهم خصوصيتها الدينية والثقافية والاجتماعية، ولكن ذلك لا ينسحب على سياسة السعودية في بعض الأحيان، من نوع عدم تجاوب الشعب المصري مع الإصرار السعودي على تنحية بشار الأسد، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير ما تبقى من الدولة السورية، وتمكين جماعة الإخوان من ركوب سدة الحكم في دمشق. وأقول بكل صراحة ووضوح أن المزاج العام في مصر كان ـ ولا يزال – رافضا لمجمل توجهات نظام بشار الأسد في السنوات العشر الأخيرة، ولكن هذا المزاج المصري العام لا يستسيغ فكرة أن الحل الوحيد للأزمة السورية يتمثل في إسقاط نظام الأسد، حتى لا تتكرر المأساة ذاتها التي يعانيها شعب العراق، نتيجة سياسة اجتثاث البعث وإعدام صدام حسين. أظن أنه من غير اللائق وغير المقبول أن يقول كاتب كبير مثل خالد الدخيل في صحيفة «الحياة» اللندنية السعودية يوم الأحد الماضي، أن مصر تحاول استعادة دورها القيادي في المنطقة وتخشى من منازعة السعودية لها، لأن الأمر لا يتعلق بالأماني والأحلام، ومصر لم تعد في مقدمة المنطقة لا في الاقتصاد ولا في السياسة ولا حتى في التنمية والعلم.. بل أن الأخ الدخيل ينزلق إلى مستنقع الْمَنُّ عندما يقول أن مصر تنتهج سياسات لا تصب في صالح اعتراف إقليمي بتبلور قيادة سعودية للمنطقة على حسابها.. مصر تريد المساعدات المالية السعودية والخليجية، لكنها لا تريد أن يكون لهذا ثمن عليها أن تدفعه ضمن معادلة المصالح العربية المتبادلة، التي لا يمكن أن تتحقق مع بقاء نظام الأسد. وبكل حب للسعودية وشعبها أقول وبكل الصدق – ولست وحدي – يا كتاب السعودية ومثقفيها راجعوا أنفسكم حتى يستمر الود قائما بيننا!».
مصر ليست مع بقاء بشار الأسد في السلطة
وفي اليوم التالي أي أمس الخميس، واصل مرسي توضيح موقف مصر من سوريا بأن رفض الاقتراح الذي تقدم به عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي ليندس جراهام وجون ماكين بتشكيل قوة عسكرية من دول عربية سنية، من بينها مصر، قوامها مئة ألف جندي لإسقاط النظام السوري وقال: «مصر كانت واضحة تماما في إعلان موقفها من الأزمة السورية خلال محادثات الرئيس عبد الفتاح السيسي في باريس مع المسؤولين الفرنسيين، على هامش قمة المناخ. مصر مع محاربة تنظيم «داعش» لكن الحرب على الإرهاب ينبغي أن تشمل كافة المنظمات الإرهابية التي تهدد أمن العالم واستقراره… مصر وهي ترى أن الحرب ضد «داعش» ضرورية تريد عملية انتقالية في سوريا، ولكن بشرط حماية مؤسسات الدولة.. مصر ليست مع بقاء بشار الأسد في السلطة، ولكن لا ينبغي أن يكون رحيله شرطا مسبقا لبدء المسار السياسي لحل الأزمة. والذي قاله الرئيس السيسي يغني عن أي إيضاح جديد للموقف المصري ويعزز من ثقتي وقناعاتي بأن مصر لن تذهب للقتال فوق أي أرض عربية.. وعلى الجميع أن يفهم ذلك جيدا «.
نتراجع إلى الوراء حينا بعد حين
ونبقى في الموضوع السوري الذي تناوله الكاتب فهمي هويدي يوم أمس الخميس في «الشروق» من ناحية ثانية قائلا: «قرر أحد رجال الأعمال الكنديين دفع 1.5 مليون دولار كندي لاستقبال 50 عائلة سورية ومساعدتها على الاستقرار في مدينة «جولف» في ضواحي تورنتو، وقبل ذلك أعلن عروس وعريس إلغاء حفل زفافهما والتبرع بما لديهما من أموال خصصت للمناسبة، لتمكين عائلة سورية من الاستقرار في كندا.
موقع «هنتجتون» العربي نقل تفاصيل القصة عن الصحف الكندية كالتالي: المليونير اسمه جيم استيل روعته الصور التي شاهدها والقصص التي طالعها بخصوص كارثة اللاجئين السوريين، فطرأت له فكرة دعوة أصدقائه والمقربين منه إلى التطوع لتوفير منازل كافية تأوى 50 عائلة سورية. كما طلب منهم جمع الملابس التي تحميهم من برد الشتاء في كندا، وبدأ في البحث عن الأماكن التي سيتم فيها تعليمهم اللغة الإنكليزية. أي أنه لم يعلن قراره الشجاع فحسب، وإنما بادر إلى اتخاذ الخطوات العملية لتنفيذ المشروع. ذلك أن تحمل مسؤولية 50 عائلة سورية ليس بالأمر الهين. الرجل ــ جيم استيل ــ أعلن عن حدود التزامه المالي، وقال أن العبء أثقل من أن يتحمله وحده. لذلك فإنه وجه نداء إلى سكان مدينته الصغيرة «جولف» من أجل مساعدته على إنجاح مشروعه. ولم يخيب السكان ظنه لأنهم بادروا بتقديم المعونات المالية والثياب وتوفير مختلف الاحتياجات المطلوبة لاستقرار الوافدين…. في الوقت ذاته تبرع مدير شركة للعقارات والفنادق في فانكوفر وتورنتو وأوتاوا بإعمار وصيانة 12 شقة في أحد الأبراج السكنية لاستقبال اللاجئين السوريين في الجهة الغربية من مدينة فانكوفر. وقام الرجل ــ واسمه ايان جيليسبى ــ بعرض تلك الشقق على جمعية خدمات المهاجرين في المدينة بعد تأثيثها بالأثاث اللازم لاستقبال اللاجئين. جدير بالذكر أن الحكومة الكندية أعلنت عن أنها ستعتبر كل من يطأ أراضيها من السوريين أو العراقيين لاجئا دون انتظار للإجراءات التي تتبعها الأمم المتحدة في هذا الصدد. كما خصصت صفحة في موقعها على الإنترنت تضمنت الإرشادات الكاملة لكيفية مساعدة اللاجئين السوريين من خلال برنامج تم وضع تفاصيله على الموقع.
تفاصيل التقرير مفرحة ومحزنة في الوقت ذاته. مفرحة لأن المشاعر النبيلة التي عبر عنها هؤلاء أكدت أن منابع الخير موجودة في كل مكان، لكننا بحاجة إلى الوصول إليها واستنهاضها. أما المحزن في الأمر فهو حصيلة المقارنة مع العالم العربي الذي نعرف جيدا أنه أكثر سخاء ولجماهيره والقادرين فيه دورهم الذي لا ينكر في الإغاثة والبر. إلا أننا لم نشهد موقفا واضحا من جانب الأثرياء العرب في إغاثة اللاجئين، باستثناء العرض الذي قدمه رجل الأعمال المصرى نجيب ساويرس لشراء إحدى الجزر في البحر الأبيض لإسكان اللاجئين فيها، وأوقف المشروع حين لم تتم الصفقة. واقتصر دورنا على أن نصفق للخيرين في العالم الخارجي وأن نعبر عن الأسف ونذرف الدمع حزنا على الضحايا. إننا نتراجع إلى الوراء حينا بعد حين، في حين ينطلق العالم إلى المستقبل بسرعة الصارخ في مختلف المجالات».
جميل مطر: نعيش أردأ مراحل التاريخ
ويظهر أن جميل مطر التقط كلام فهمي هويدي عن تراجعنا إلى الوراء فكتب مقاله في عدد الخميس أيضا من «الشروق» الذي قال فيه: «لا يخالجني شك في أننا نعيش أردأ مراحل التاريخ العربي الحديث. كانت مرحلة الاستعمار العثماني سيئة وتجاوزناها إلى مرحلة الاستعمار الأوروبي، وكانت أيضا سيئة. هذه أيضا تجاوزناها إلى الاستقلال. ورثنا عن الغرب لبعض الوقت فكرة الدولة القومية، وألقينا جانبا القيم الطيبة في حضارة الغرب، وسلمنا أنفسنا لرجال مستبدين ومؤسسات تسلطية. كانت مرحلة الهزيمة العسكرية رديئة ولكننا تجاوزناها بأداء جيد أعاد فتح شهيتنا لتحقيق إنجازات أخرى، تحقق منها القليل وتباطأنا في تحقيق الكثير ــ عشنا بعدها نجتر تداعيات الهزيمة حتى نسينا أن نصرا ما تحقق. انتصرت الهزيمة في النفوس وانهزم النصر في الأداء. المرحلة الراهنة هي الأردأ، ليس فقط لأن الأداء الجماعي للدول العربية ظل يتردى ويتردى حتى انفض العالم عن الاهتمام بقضايانا وأوضاع شعوبنا وحقها في العيش الحر والكريم، ولكن أيضا لأن هذا العالم صار في حالات كثيرة يتعامل معنا كما يتعامل مع مصادر الأوبئة وفي أحسن الأحوال يتعامل معنا كقُصر أو ناقصي أهلية. نحن أنفسنا وفي داخلنا انفض شملنا وانتفض أكثرنا ضد حكام من بيننا وأوضاع ظالمة ولا مساواة رهيبة. تعمقت مشاعر عدم الثقة بين النخب العربية الحاكمة ونراها الآن تتسرب بفعل فاعلين إلى الشعوب… لا أبرئ القيادات الحاكمة في بلادنا العربية من مسؤولية الفوضى الأخلاقية في الإعلام العربي، وبالتالي لا أعفيهم من مسؤولية تدهور العلاقات بين الشعوب العربية. آن لهذه المرحلة الرديئة أن تنتهي. آن للحكام العرب أن يدركوا أن مصائر دولهم وشعوبها في مهب الريح. آن أن يدرك الجميع وأن يعرفوا أن أحداث الخمس سنوات الماضية لم تكن سوى تجربة مهذبة وناعمة إذا قورنت بما يمكن أن تحمله لنا السنوات القليلة المقبلة. لا سبيل أمامنا لوقف التردي إلا الاعتراف بسوء الحال وإصلاحه بسرعة وكفاءة…».
الذكاء الأمني المفقود
ونواصل جولتنا الخميسية فنخرج من «الشروق» وندخل «اليوم السابع» لنطالع مقالة الكاتب محمد الدسوقي رشدي عن الذكاء الأمني المفقود التي يقول فيها: «كيف تمنح خصمك فرصة من دون مقابل؟ تستمد الأنظمة السياسية احترامها وقوتها من جلال ووقار تحركات أجهزتها الأمنية، وتتحول الدولة إلى مرمى يستوعب أهداف النقد والسخرية، إن رزقها الله بقيادات أمنية تمارس عملها على طريقة «الفيل في المنديل»، أو «العملية في النملية»، كما كان الحال فى رائعة فؤاد المهندس «شنبو في المصيدة». لا أبخس رجال الأمن حقهم وهم يواجهون الإرهاب ويقدمون عشرات الشهداء دفاعا عن هذا الوطن ومستقبله، ولكن على الجميع إدراك أن قرارا ضبطيا واحدا غير مدروس، أو تصرفا أمنيا واحدا غير منطقي في ظروف صعبة مثل تلك التي تعيشها مصر،. أقول لك ذلك لأن المنطق ومن اخترعه ربما يسقطان ضحية السكتة القلبية لو وصلهما خبر أن بعض المواطنين في مصر يتم إلقاء القبض عليهم بتهمة حيازة ملصقات أو ارتداء تيشرتات عليها عبارات ضد المحاكمة العسكرية، أو كتب ومجلدات إخوانية التأليف أو الهوى، أو لأن أحدهم قال كلمة معارضة لـ30 يونيو/حزيران في منتدى أوروبي. أسمعك تقول إننا نتكلم عن حوادث فردية لا تستحق التعليق أو التحقيق أو الخوف؟ لا يا سيدي نحن نتكلم عن مأزق وعقلية تنتمي لقوائم المهازل التي تضاعف مساحات الرقع السوداء في ثياب السلطة، وتمنحها خصومها فرصة للهجوم. يا سيدي الرغبة الأمنية فى التعملق تحت شعار محاربة الإرهاب أصابها هوس دفعنا لأن نفقد طعم إحساسنا بالأمل الموجود في مشروع تنمية شرق بورسعيد، بسبب بعض التجاوزات الأمنية التي تسببت في تعذيب وقتل مواطنين في الأقصر والإسماعيلية وغيرهما، ووصلت إلى درجة القبض غير المدروس على بعض الباحثين والكتاب ربما يكونوا متهمين وربما لا، تلك حقيقة توضحها الأدلة، ولكن تبقى الكارثة موجودة في طريقة إلقاء القبض عليهم وطبيعة الاتهامات المنطقية التي توجه إليهم، ثم طريقة الإفراج الفجائية عنهم، بعد أن تعلو أصوات الانتقاد فى الخارج.. هي إذن لعنة أمنية تبحث عن الخلاص السريع من صداع الإخوان بجمعهم في السجون دفعة واحدة، من دون تحريات واقعية وحقيقية عن ارتكاب جرائم دموية أو تحريضية أو اختراق لقانون الدولة».
نواب جاهزون للتأييد
ونبقى في «اليوم السابع» ومع مقال الكاتب أكرم القصاص وتساؤله عن «مين هيعارض مين؟ يقول: «يمين بلا يسار.. أكبر من تأييد ومعارضة قبل أن تضع الانتخابات كلمة النهاية، خرج السؤال التائه: أين ستكون المعارضة في مجلس النواب، الذي يستعد للعمل خلال أيام؟ طبعا الكلام عمن سوف يقوم بمعارضة الحكومة وانتقادها ومراقبتها وتفجير الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات. هناك توقع بأن يكون التأييد هو الغالب. وعلى عكس المتصور، نتوقع أن نرى استجوابات وطلبات إحاطة وصرخات واتهامات تحت القبة منذ الأيام الأولى، ونحن نعرف بالتجربة أن إذاعة الجلسات على قنوات التلفزيون، تصاب بحالة من النشاط البرلماني تدفع كثيرا من النواب إلى الصراخ، وتقديم فقرات استعراضية لن يفتقدها المواطن، ناهيك عن تصفيات وملفات وخلافات سوف تنعكس على تحركات وكلمات النواب. مع الأخذ فى الاعتبار أن هناك نوابا فازوا أو مرشحين للفوز لكل منهم مواهب في الاستعراض وإطلاق الإفيهات، لكن كل هذا ليس معارضة، وإنما أقرب للاستعراضات، التي يمكن أن تضيع الوقت من دون التوصل لشيء. قد يكون لدينا نواب جاهزون للتأييد الأقرب للاشتياق. لكن القضية ربما لا تكون ثنائية، تأييدا ومعارضة، بقدر ما هي أن يصبح مجلس النواب مكانا للحوار والبحث الجاد عن القضايا والحاجات الضرورية التي ينتظر المواطن أن تتحول إلى تشريعات تحل أزمات مزمنة، وأن يتم قراءة وتطبيق الدستور في زوايا مهمة، كالتعليم والعلاج على الأقل، ورفع مخصصات القطاعات الخدمية، وابتكار طرق جديدة للرقابة والتمويل للحاجات الأساسية، وهي قضايا لا تتعلق بتأييد أو معارضة، وإنما تتعلق بوعي حقيقي يتجاوز الاستعراضات. اللافت في التشكيلة الحالية أنها تتضمن إما رجال أعمال أو نوابا يمثلون أحزابا يمينية، تدفع نحو اقتصاد السوق، وهو اتجاه عالمي صحيح، لكنه استقر في مجتمعات أوروبا مصحوبا بإجراءات اجتماعية واقتصادية تتيح قدرا من العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص، بينما نحن نتحدث عن نظام اقتصادي مختلط بين الاقتصاد الحر والموجه، ولا يوجد اتجاه اقتصادي واضح يمكن وصفه، بالإضافة للاختلال الاجتماعي. القضية ليست التأييد والمعارضة داخل مجلس النواب، وإنما تمثيل المصالح، وأي برلمان في العالم يقوم على توازن المصالح في المجتمع، وهو ما يبدو غائبا في مجلس النواب الحالي، حيث الغلبة لرجال الأعمال، ومن يمكن تصنيفهم على الاقتصاد الحر، بينما يغيب ممثلو العمال والفئات الاجتماعية الأضعف، وحتى ما كان معروفا بنسبة ممثلي العمال والفلاحين، الذي تم التلاعب بها، وإنما هؤلاء الذين يمكن أن يمثلوا اليسار ببرامجه الاجتماعية والاقتصادية… إن القوى التي تمثل المطالب الاجتماعية والتي تجتمع عادة تحت راية اليسار غير ممثلة في مجلس النواب. وهو ما يمثل خللا أكبر من مجرد تأييد ومعارضة، ويمكن أن نرى من يطالبون بقوانين الاستثمار من دون منافسة، أو حوافز من دون مراعاة لحقوق العمال، والاحتكارات، وكيف يمكن توفير الضمانات الاجتماعية، أو تخفيف تأثيرات البطالة على شباب يواجه الضياع، وهو خلل يهدد البنيان الاجتماعي. يعني السؤال: مين هيعارض مين في مجلس نواب يفتقد توازن المصالح؟».
مصر بلد طارد للخبرات
وننهي تقريرنا لهذا اليوم مع مقال الكاتب مصطفى الفقي في «اليوم السابع» عن إهدار الموارد البشرية المصرية يقول: «لا أعرف دولة في عالمنا المعاصر أهدرت مواردها البشرية مثلما فعلنا، نحن المصريين، فقد عودتنا الإدارات الحكومية المتعاقبة على أن تكون «مصر» بلدًا طاردًا للخبرات، قاتلاً للكفاءات، مهدرًا لما يملكه الوطن من مقومات. إن «مصر» تتيح تعليمًا حكوميًا مجانيًا، بما فى ذلك كليات الطب والصيدلة والهندسة، ويبحث الخريجون بعد ذلك عن المطارات هاربين من وطن قدم لهم التعليم العالي ـ رغم رداءته ـ ولكنهم يصبحون قادرين بما يحملون من درجات علمية، ولو شكلية على الحصول على مواقع عمل ومقاعد دراسات عليا، وتحصد الدول الغنية عرق الدول الفقيرة ودماء أبنائها لتبني هي قواعد التميز، إذ أن اللافت للنظر هو أن المصريين الذين لم ترحب بهم بلدهم ولم تستوعبهم أرضها خرجوا منها بحثًا عن الرزق أو طلبًا للحرية أو رغبة في إرضاء طموحات مشروعة. و«مصر» في كل الحالات هي الخاسر الأكبر، فهي التي فرطت في جيش ضخم من العلماء والمفكرين وذوي الكفاءات المتميزة، لأنها لم تكن حريصة في الوقت المناسب على استيعاب من تعلمهم ولم تربط أبدًا بين معدلات التشغيل المتاح ومعدلات التعليم الممكن، وركز المصريون في بلاهة ملحوظة على الألقاب العلمية الكبيرة والدرجات الأكاديمية الصاخبة، على حساب البناء الفعلي لدولة عصرية حديثة بينما «الطيور المهاجرة» تحلق في سموات الدول الأخرى….. إن الإقصاء لأسباب سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية هو إهدار مباشر لما نملكه من كفاءات، فما أكثر ما حرمت «مصر» نفسها من خبرة كبيرة أو كفاءة عالية نتيجة القطيعة مع الماضي، أو وضع حواجز تحول دون مرور الأقليات العددية نحو صدارة المشهد، وهنا أتذكر «الهند» مرة أخرى التي تعاقب عليها ثلاثة أو أربعة من رؤساء الجمهورية المسلمين، لبلد تمثل الأغلبية الساحقة فيه الديانة «الهندوسية»، بل لقد وصل إلى موقع رئاسة الوزراء مواطن من «السيخ» الذين يمثلون 2٪ من السكان، فالموانع التي تتصل بالانتماء السياسي أو العقيدة الدينية أو الوضع الطبقي يجب أن تزول، لأن فيها نوعا من التفرقة والتمييز الذي يؤدي إلى تهميش الكفاءات وإهدار القدرات وحرمان الخبرات. تلك قراءتنا لهذا الملف الشائك الذي يجب أن نتقدم نحوه في جسارة وشفافية ووضوح قبل فوات الأوان».
حسنين كروم