يقال إن مجلس النواب اللبناني سوف ينتخب قريبا رئيسا للجمهورية، بعد سنة ونصف من الشغور الرئاسي. نقول انتخاب ونحن نعلم أن لا انتخاب، فرؤساء جمهورية لينان لم ينتخبوا إلا بعد صدور قرار التعيين من الخارج. في الماضي، أي قبل الحرب الأهلية، كانت المسألة بسيطة جدا. كان يكفي أن يهمس السفير البريطاني فينام حميد فرنجية رئيساً قبل أن يكتشف في صباح اليوم التالي أن الرئيس الذي سينتخب هو كميل شمعون. بعد حرب 1958 صار الرئيس في حاجة إلى توافق أمريكي – مصري، هكذا انتخب مجلس النواب المؤيد لشمعون خصمه فؤاد شهاب. وللحق فقد كان شهاب هو الرئيس الوحيد الذي رفض التجديد لنفسه وعين خليفته بروحية التوافق التي جاءت به إلى الرئاسة. سليمان فرنجية انتخب في ظل غياب التوافق الإقليمي لأن مصر كانت قد خرجت حطاماً من حرب حزيران 1967. اللبنانيون يفخرون بأن سليمان فرنجية انتخب بلا تدخل خارجي، لكنهم يتناسون أن عهده كان بداية الحرب التي لا تنتهي. وبعد فرنجية انتخب رئيسان في ظل الحرب: إلياس سركيس وبشير الجميل الذي خلفه شقيقه أمين بعد اغتياله. الأول انتخب بقرار سوري – أمريكي والثاني انتخب بفضل الاحتلال الإسرائيلي. وفي عهديهما استمرت الحرب التي بلغت ذراها في عهد الجميل. أمين الجميل غادر القصر الرئاسي تاركا وراءه حكومتين وجيشين، ولم تحسم الأمور إلا بعد تلزيم لبنان لسوريا. لكن اتفاق الطائف السعودي – السوري كان غامضا فاقتضى إيضاح حجم الهيمنة السورية اغتيال الرئيس رينه معوض، قبل أن يعين الانتداب السوري رئيسين: الياس الهراوي وإميل لحود. حتى هذا التعيين الذي كان يعني ان الأسد صار الآمر الناهي في لبنان، لم يخل من دور سعودي اقتضى تقسيم النفوذ، فاستحوذ النفوذ السعودي على الاقتصاد والإعمار وترك للنفوذ السوري السيادة.
كما ترون فإن السلاسة النسبية التي ميزت انتخاب شمعون وشهاب وحلو، لم تكن سوى نتيجة وضوح التوازنات الإقليمية، أما في الحرب فإن الانتخاب – التعيين جاء دموياً. الجميل انتخب وسط الاجتياح الإسرائيلي، معوض انتخب وقتل وسط تبلور الهيمنة السورية، والرئيس الأخير ميشال سليمان انتخب بعد أحداث دموية أدت إلى اتفاق الدوحة الذي رسم توازناً هشاً، تاركاً الصراع على لبنان مفتوحاً.
مفاد هذا الكلام انه لم تكن انتخابات، فاجتماع المجلس النيابي كان من أجل وضع ختم لبناني على قرار غير لبناني، وكل كلام آخر بلا معنى.
مهزلة الشغور الرئاسي اليوم تكشف آخر أوراق التين التي تحجب المشهد «الديمقراطي» اللبناني. فالأقلية المتمثلة بتحالف حزب الله مع التيار العوني عطلت نصاب الجلسة. جرى استخدام نصاب الثلثين المطلوب لالتئام المجلس النيابي من أجل انتخاب الرئيس بصفته سلاحا قتاليا. كما أن الأغلبية فقدت نصاب كونها أغلبية بعد انسحاب الزعيم الدرزي وليد جنبلاط منها. أقليتان تستخدمان الانتخاب الديموقراطي سلاحا ضد الديموقراطية، وكجزء من سياسة الحروب بين الكتل الطائفية المرتبطة بالخارج.
وحين بدأت ملامح وقوع القرعة الإقليمية على سليمان فرنجية الحفيد تلوح في الأفق، بدأ النواح على ديمقراطية لم تكن يوماً جزءا من أولويات النائحين. وفرنجية نفسه استعمل كلمة الفوز باللوتو كي يفسر اختياره من قبل الثلاثي الحريري ـ جنبلاط – بري. لم يقل المرشح أنه سيفوز لأن النواب اقتنعوا بخطه السياسي أو بشخصيته الكارزماتية، بل قال إنه ربح ورقة يانصيب. ومع مرور الوقت بدأ يتكشف أن هذا اليانصيب كان محصلة توافق دولي إقليمي قرر تحييد لبنان، ووجد مخرجاً يسمح لحزب الله بالتملص ببطء وسلاسة من التزامه مع الجنرال عون.
المراقب المحايد سوف يقول ان ما يجري على الصعيد الانتخابي لا علاقة له بالديمقراطية، وهذا صحيح. فالأكثرية النيابية التي تمثلها قوى 14 آذار وافقت على مضض على انتخاب حليف أعدائها رئيساً، وها هي اليوم تبحث عن مبررات لقرار يتناقض مع كل ما روّجت له.
بالطبع، هناك استثناء واحد يتمثل بالحظ السيئ للنائب ميخائيل الضاهر. فبعدما افترض الرجل أنه ربح ورقة اللوتو الرئاسية عبر اتفاق مورفي- الأسد على تعيينه رئيساً للبنان خلفاً لأمين الجميل، نفذ قائد الجيش بالتحالف مع غريمه، قائد القوات، نصف انقلاب عسكري أطاح هذا التعيين، وبعده افتتح مسلسل الخراب عبر حربي «التحرير» و»الإلغاء»، وهما حربان قادتا إلى إخراج المارونية السياسية من المعادلة السياسية خلال زمن الهيمنة السورية.
واليوم يحلم ميشال عون بتكرار هذا السيناريو، مستنداً إلى أن مشروع انتخاب فرنجية هو مجرد محطة في سياق الصراع على لبنان، وليس تعبيرا عن نظام إقليمي جديد لا يزال مؤجلا وغارقا في دماء حروب المنطقة.
يستطيع فرنجية أن يقول انه لا يختلف عن الرؤوساء الآخرين، هذه هي قواعد اللعبة اللبنانية، منذ بداية زوال عهد الانتداب الفرنسي، عندما نجح المفوض البريطاني الجنرال سبيرز في إيصال بشارة الخوري إلى الرئاسة عشية الاستقلال. أي ان سليمان فرنجية يكمل سلسلة الرؤوساء الذين انتخبوا «بالتعيين»، وربحوا جوائز اليانصيب قبله.
هذا هو الوجه المقرر في اللعبة، لكن هناك وجها آخر لعب دوراً في هذا اللوتو اللبناني الطويل. يتمثل هذا الوجه في شعور الطبقة الطائفية الحاكمة بأن دجاجة السلطة التي تبيض ذهباً قد تموت بسبب الانحلال الذي يضرب مفاصل الدولة.
قد يقال ولكن الدولة مفلسة، فماذا سيستفيد مجمع اللصوص من لصق المفكك، وهذا عين الخطأ. فلبنان يعيش فوق ثروة كبرى من الغاز الطبيعي، وهي ثروة مجمدة بسبب الانسداد السياسي. ولا شك أن لعاب اعضاء المجمع يسيل من أجل شفطها، مثلما تم شفط الرمول وتبليط البحر، وهذا سبب ضروري كي يقيم حداً أدنى من التوافق يسمح لعجلة المافيا بأن تدور من جديد.
إنه سبب ضروري ولكنه ليس كافيا. وما جعله كافيا هو نحن، أي التحرك الشعبي الذي خرج من قلب أزمة النفايات ليطالب بمحاسبة هذه الطبقة الفاسدة والمفسدة على ما اقترفته. هنا شعر أعضاء مجمع اللصوص بأن الخطر يقترب من هيكل النظام الطائفي الذي سمح بتحويل الديموقراطية إلى ممسحة وحول الحكم من أداة خدمة وإدارة للشأن العام إلى منهبة.
هكذا رسا يانصيب اللوتو حتى الآن على سليمان فرنجية، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمواقف، لأن الناخبين لا يمتلكون القرار، ولا يحق لهم سوى الاعتراض.
شيء مثير للضحك وزمن حزين. والحزن الأكبر أن مصير جميع سلطات المشرق العربي صارت تشبه واقع السلطة اللبنانية. الدول الكبرى والقوى الإقليمية تناقش مصير الأسد ومن سيخلفه بعد كل المجازر التي ارتكبها الدكتاتور السوري، وتتحدث عن مستقبل العبادي، وتخشى سقوط السلطة الفلسطينية، كأن القرار خرج من المنطقة ولم يعد.
الياس خوري