بدلاً من النسائم الربيعية تلقى اليابانيون في مارس 1995 عملية إرهابية استخدمت غاز السارين السام في مترو الأنفاق بطوكيو، عدد الضحايا لم يكن كبيراً، قياساً بعمليات التفجير التقليدية التي استهدفت أهدافاً مماثلة في مدريد ربيع 2004 ولندن صيف 2005، ولكن أكثر من عشرين سنة تعد فترة كافية لتطوير استخدامات المواد الكيميائية في أعمال إرهابية.
هذه المسألة أثارها رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس في تحذير يليق به وصف النبوءة، حول إمكانية حدوث أعمال إرهابية تستغل الغازات السامـــة أو الأسلحة الكيميائية.
القوى الإرهابية قريبة من هذه النوعية من الأسلحة غير الاعتيادية بطريقة غير مسبوقة، وتنظيمات امتلكت القدرة ليس على مفاجأة العالم، ولكن إبهاره أيضاً، في خطاب إعلامي متقدم نوعياً في الشكل والصياغة، لا يستبعد أن تضم القدرات اللازمة لتصنيع قنابل الغاز السام، وبما يخلف وراءها مئات إن لم يكن الآلاف من الضحايا. بكثير من الواقعية المؤسفة، لا يمكن لأي دولة في العالم أن تعتقد بكفاءة الاحتياطات الأمنية، للدرجة التي تجعلها تستبعد احتمالية الهجمات الإرهابية بالكامل. في ذروة مجده كان بابلو اسكوبار يتمكن من تهريب أطنان من المخدرات بصورة شهرية لداخل الولايات المتحدة، التي وضعته على رأس قائمة أهدافها لفترة من الزمن، والقضاء على اسكوبار لم يسفر إطلاقاً عن إنهاء دخول المخدرات للولايات المتحدة، وإذا كان الحديث يدور حول عصابات من المخدرات مهما بلغت إمكانياتها، تبقى محدودة أمام إمكانيات الدولة، فإن تصور قدرات تنظيم مثل «داعش» يضم أعداداً كبيرة من المقاتلين والمنتسبين من جنسيات مختلفة ستسفر عن تصورات مرعبة.
تعتمد تجارة المخدرات على الابتكار في أساليب وقنوات التهريب، ورئيس الوزراء الفرنسي وصف مخيلة «داعش» بالمروعة، وهي كذلك بالفعل، فلا أحد يمكنه أن يتوقع إلى أي درجة يمكن أن تصل النزعات التخريبية التي تسود عقلية التنظيم، فهل تتحول مطاردة الإرهاب اليوم إلى محاولات عبثية ومضنية ومجرد حرث في البحر؟ فمهما كانت نسبة العمليات المحبطة مرتفعة إلا أن النسبة القليلة التي ستمر ستكون موجعة ومؤثرة دائماً، وحتى لو تلاشت التنظيمات التي تمثل (إلهاماً) لنزعات العنف والتدمير مثل «داعش»، فما هي الإجراءات التي يمكنها أن تحول ضد سعار «الذئاب المنفردة» وآخرهم مرتكب حادثة طعن لثلاثة من مستخدمي مترو أنفاق لندن، آخرهم لتاريخ كتابة هذه الكلمات، فـ»الذئاب المنفردة» لا توجد فقط في كاليفورنيا أو لندن أو كوبنهاغن أو باريس، بل في كل مكان وفي لا مكان أيضاً، واللامكان يأتي كناية عن عدم القدرة على توقعها، فلم يكن زملاء سيد فاروق الذين ذهبوا ضحية رصاصته يتخيلون أنهم سيقضون بهذه الطريقة.
ستواجه القوات الأمنية مشكلة المخيلة الخصبة وغير المؤطرة لـ»الذئاب المنفردة»، فالهروب من أي نظام يتطلب تأمين قنوات اتصال تقع تحت النظام، مثل التعامل المباشر عن طريق اللقاءات الشخصية، وبدون أي اتصال هاتفي أو إلكتروني يمكن رصده، أو الحصول على قنوات مشفرة بطريقة لا يمكن لأجهزة الأمن اكتشافها، وإذا كان «داعش» يعمل أحياناً (فوق) الأنظمة الأمنية، فـ»الذئاب المنفردة» تعمل في المناطق المعتمة والضيقة والسراديب، التي لا يمكن الوصول لها أو حتى التكهن بمكانها أحياناً.
أشباح الحرب حتى لو اتخذت أقنعة دبلوماسية مثلما يجري بين تركيا وروسيا، هي الجو المناسب للفعل الإرهابي، وقيام الحرب أحياناً يمكن أن يكون حلاً لإنهاء الاستنزاف التي تشكله مرحلة ما قبل الحرب، لأنه استنزاف يرتبط بمظاهر الخوف والقلق المرضي الذي يطغى على الجميع ويجعلهم على حافة ارتكاب أي عمل إيجابي لمجرد الخروج من حالة الترقب وضغوطها، فإذا حدثت الحرب فإن المجتمع يعود إلى الانتظام والتراص إلى مرحلة بعيدة، وتصبح فكرة الإرهاب مستبعدة أمام مجتمع يعيش على اليقظة ويصر على التقارب وتضييق المساحات الفارغة في وجوده، حتى السرقة أو الاغتصاب أو غيرها من الجرائم الاعتيادية تشهد عادة تراجعاً كبيراً في زمن الحرب، الحرب الفعلية والحقيقية والشجاعة.
لا يوجد في معجم الحرب ما هو أسوأ من حروب الوكالة، فالمتحاربون لا يخسرون شيئاً سوى أموالهم ويراهنون أحياناً بسمعتهم، وحتى الخسائر البشرية يمكن دائماً أن تبقى في الحدود المقبولة، التي لا تثير شهية الصحافة أو المجتمع بشكل عام، ولذلك فتحريك بيادق وخيول المتحاربين على رقعة بلد آخر، مسألة يمكن أن تستمر لفترات طويلة، وبدون أن يتحمل أي طرف خارجي أعباء نفسية أو أخلاقية زائدة، وهذه هي الحالة في سوريا، وأتى الصراع التركي – الروسي اليوم ليدخل العالم في المنطقة الرمادية لمرحلة ما قبل الحرب، فعلى الرغم من أن صداماً بين البلدين يبدو مستبعداً، مهما بدت حرارة التسخين في وسائل الإعلام التابعة لكل من أنقرة وموسكو، ولكن التوتر الزائد الذي ستخيم ظلاله على البلدين من شأنه أن يحفز البيئة الحاضنة للإرهاب بناء على شحنة كهربائية تندفع لتوقظ الخلايا النائمة للتحرك بعشوائية وعنف غير منضبط.
هل يمكن أن ينقلب الموقف بين تركيا وروسيا للتهدئة ضمن وجود وعي بضرورة الوصول إلى حل سياسي في سوريا؟ وبغض النظر عن التفاصيل التي ستتعلق باتساع الحل وعمقه ومدته، فالبقاء على حافة الحرب مسألة مرهقة للبلدين، وللحلفاء على طرفي المعركة المرتقبة، والمخرج المناسب هو أن يقوم السياسيون بإخلاء مواقعهم لرؤساء أجهزة المخابرات للجلوس إلى طاولة واحدة واستكمال القطع الناقصة في صورة «البازل» من خلال القطع التي يحتكرها كل طرف ولا يرغب بمشاركتها مع الآخرين، هذه الخطوة وحدها هي المناسبة للخروج من مأزق التهديد الذي يمثله «داعش» وأذرعه الأخطبوطية الكثيرة والخفيـــة، أما المخرج الآخر فيتمـــــثل في الدخول فعلاً في الحرب للوصول إلى نتيجة حاسمة والتفرغ من بعدها للخراب الكامل والمــــبرم، وبالمناسبة، فهو مثل الازدهار، يدفع بعجلة الاقتصاد التبادلي قدماً، ويتيح فرصاً كثـــيرة لأثرياء جدد سيقضون وقتاً طويـــلاً قــبل أن يفكروا في الدخول في معارك تتناسب معهم وتليق بهم.
أي من الطريقين يمكن أن يطرح نفسه على الساحة خلال الفترة المقبلة، ولكن استمرار الحالة الراهنة بدرجة حرارتها الفاترة والمناسبة للتكاثر الجرثومي سيرتد على أطراف الحرب بالوكالة من خلال تطور نوعي في نوعية وكثافة الأعمال الإرهابية، وهو ما لا يمكن للعديد من الدول أن تقبله المرة بعد الأخرى، فلنفترض مثلاً تكرر أحداث مشابهة لباريس في أي مدينة فرنسية أخرى؟ ما هي افتتاحية خطاب أولاند في هذه الحالة؟ ولنفترض أن هذه الأحداث ضربت في أسطنبول أو موسكو أو لندن أو نيويورك، لا أحد يبدو مستعداً فعلياً أو مؤهلاً من الناحية المعنوية أو المادية لتلقي هذه الضربة التي ستبقى محتلمة بدرجة سحابة الحرب الثقيلة نفسها التي لا تمطر ولا ترحل، عملياً لا أحد يمكنه أن يتنبأ بالرقم الذي يتوجب به العد تنازلياً لتبدأ الحرب، ولكن العد التنازلي يمكن أن يبدأ فقط بعد بداية الحرب وبناء على مناسيب الدمار التي تتحقق بين المتحاربين.
العالم يعيش جواً مشجعاً للإرهاب، وكل من لا يريد أن يبقى مهدداً باحتمالات ضربات إرهابية تزيد الموقف تعقيداً، أن يسعى لسحب السخونة كاملاً بحيث يوقف حيوية الإرهابيين، أو أن يرفعها بمواجهة شاملة وتعبوية، بحيث تنتفي الظروف المناسبة لحياة جرثومة الإرهاب، علوم الطبيعة أحياناً تفرض سطوة قوانينها على الإنسان وعالمه.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق