على جانبي الضفة السورية ـ الفلسطينية

حجم الخط
0

أقسى ما يثير الدهشة ويفتح الباب واسعا على طيف من الأسئلة الضالة في المشهد السياسي السوري بعد اندلاع ثورة 15 اذار (مارس) 2011 هو حالة الاستقطاب السياسي والفكري المصاحبة لها، التي نجحت حتى الآن في استمالة الأنظمة والمنظومات السياسية الرسمية، اقليميا ودوليا، لكنها لا تزال بعيدة كل البعد عن امكانية تشكيل محور للمقاومة الشعبية ضد أنظمة الاستبداد، لا بل ان هذه الأنظمة نفسها، وعلى رأسها النظام السوري طبعا، هي التي تمكنت، في المقابل، في غفلة من الزمن والعقل معا، من جر مواقف كثيرة تتبناها قوى عديدة تدعي التقدمية والعلمانية والقومجية إلى حظيرتها مشكلة نوعا من الرأي العام، الذي راح يتبلور، رغم هشاشته، باتجاه سرد رواية داعمة لأنظمة لطالما اعتبرتها تلك القوى، التي بدت في سبات طويل، ضمن المعسكر المناهض لها ومن ألد أعدائها.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تصلح كعينة يمكن سحبها من النسيج الهش للقوى ‘الغيورة’ على العروبة والتقدمية والحالة الثورية، التي انبثقت بوصفها بدائل لأنظمة الاستبداد في المنطقة العربية والعالم، التي خاضت غمار عملية نضالية قالت إنها طويلة الأجل، وحاولت أن تشكل لأجلها أذرعا سياسية طويلة في كل بلد عربي استطاعت إليه سبيلا، على أرضية شعار ناظم يفيد بأن الطريق إلى القدس تمر بالضرورة بالعواصم العربية مهما باعدتها المسافات عن المدينة المقدسة، فمن ينسى، على سبيل المثال، نقطة الخلاف الجوهرية بين النظامين الداخليين لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، التي تدعو إلى عدم التدخل في الشأن العربي من جهة وللجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تدعو إلى استنهاض الشارع العربي والانقلاب على أنظمته الاستبدادية، لإزالة عقبة كأداء أمام تحرير فلسطين، فضلا عن تحرر الشعوب نفسها من تلك الأنظمة.
ما الذي تغير إذا ودفع قيادة فصيل فلسطيني يساري إلى هذا المنزلق الخطير، بينما كان في وسعه على أقل تقدير اعتماد ما يسمى مبدأ النأي بالنفس عن صراع دام ضحيته الأولى والأخيرة أحد الشعوب العربية، الذي لطالما رفد الثورة الفلسطينية بالكوادر والمقاتلين والأقلام، وسالت دماء أبنائه مدرارة من أجل نصرة القضية الفلسطينية؟ وهل نسيت دوائر الجبهة وأوساطها ما تعرضت له قياداتها وكوادرها وتنظيمها منذ انطلاقتها حتى قبل عام 1967، من قمع وتنكيل وحرمان من العمل السياسي على الساحة السورية حتى عام 1980، حيث لا يشكل زج جورج حبش نفسه في سجن الشيخ حسن المخصص للسجناء السياسيين، الذي يفوق بسمعته المخيفة سجن المزّة سيئ الصيت، سوى نقطة في بحر ما أذاقه النظام السوري من ويلات للشعب الفلسطيني وفصائله الفدائية، وما وجهه من طعنات في الظهر لقضيته الوطنية العادلة؟
في محاولة الاجابة على سؤال كبير من هذا النوع وأسئلة كثيرة أخرى لا تزال الطبقة المثقفة تحاول عبثا الاجابة عنها منذ انهيار المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي، من البداهة بمكان أن تتبادر للذهن جملة من العوامل الكبرى التي راحت تطغى على المشهد السياسي العالمي إثر ذلك السقوط التاريخي المدوي، من أهمها التغيير في موازين القوى العالمية وسيطرة القطب الأحادي عليها، وما إلى ذلك من مقولات راحت تظهر تباعا مغيبة إرادة الشعوب ورغبتها في التغيير وتوقها إلى الحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية لصالح سيطرة السياسات الرسمية للدول، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فلا بد من الاشارة هنا إلى أن الكثير من شعوب العالم تمكنت خلال هذه الفترة بالذات من تحقيق نوع من التغيير الديمقراطي في أنظمتها السياسية في غير بلد من أمريكا اللاتينية والجمهوريات السابقة للاتحاد السوفييتي.
في هذا السياق، يمكن رؤية خروج صارخ لكثير من قوى التحرر والتغيير والديمقراطية في فلسطين والبلدان العربية عن جادة مشاريعها ومنطلقاتها الثورية، التي أسست لظهورها على مدار القرن العشرين وأعطتها مشروعيتها كونها بدت حبلى ببديل من شأنه أن يشكل بديلا حقيقيا عن الأنظمة الرسمية، التي باعت فلسطين وقهرت شعوبها في آن، ذلك أن هذه القوى سعت جاهدة إلى ضبط ايقاعاتها السياسية والفكرية والنفسية على أنغام النظام الرسمي العربي، كل حسب مكان وجوده ووفقا لمطلبات حياته وحياة أفراد أسرته، وهذا ما يفسر تأخر فصيل، مثل حركة حماس في الاجهار بموقفه المنحاز لقضية الشعب السوري في كفاحه المرير للتخلص من نظام الاستبداد، الذي بقي يعد عليه أنفاسه منذ أكثر من أربعين عاما، بينما لا تزال فصائل فلسطينية عديدة أخرى تعيث تشويها لطبيعة الصراع السياسي القائم في سورية وتأبى أن تسمي الأشياء بمسمياتها.
يقودنا هذا إلى معضلة لطالما شكلت بدورها، بوصلة لحراك مجمل فصائل الثورة الفلسطينية، وكلمة السر فيها هي الجغرافيات السياسية التي تتحرك في إطارها هذه الفصائل والأوضاع المالية، التي شكلت ايضا جزءا من تلك البوصلة، الأمر الذي راح يفعل فعله في انفصالها عن قضاياها التحررية والتقدمية، فظهرت بقوة حركة ‘تفريغ’ المناضلين وجعلهم يعتمدون بصورة مطلقة على الموارد المالية التي تستقيها الفصائل الفلسطينية من هذا النظام أو ذاك، فأصبح المعلم والطبيب والمهندس والعامل والمزارع، وحتى الطالب متفرغا غير منتج وطفيليا وعالة على المجتمع والقضية الوطنية، ما أدى إلى انسلاخ كامل لفئة واسعة ومهمة من الشعب الفلسطيني ليس عن واقع قضيتها الوطنية فحسب، وإنما حتى عن مجتمعها بحيث اصبحت منظومة الانتماء والولاء والانقياد تعتمد منظومة تقديس ما يتلقاه أفرادها من رواتب آخر كل شهر، فأغلقت العيون وسدت الآذان وأغلقت الأفواه وراحت لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم إلا بما تقتضيه المصلحة الفردية، بينما طويت، مرة وإلى الأبد، صفحات النضال المجيدة في إطار أخلاقيات مريضة ومنظومة عنوانها الفساد الوجداني وغياب الضمير الوطني.
وربما هذا ما يفسر ظاهرة تفوق أعداد المتظاهرين من جيش المتفرغين وأفراد عائلاتهم، الذين يخرجون للاحتجاج في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة عندما تقرر احدى الجهات المانحة إغلاق صنبور الدولارات على الفلسطينيين، قيادة وموظفين وعناصر، على نظرائهم الذين يخرجون للاحتجاج على الاعتداءات المتكررة التي تشنها قوات الاحتلال على البلاد والعباد كلمـــا راق لها ذلك، وربما هنا يمكن أن تنجلي ولو قليلا دوافع الدهشة من سلوكيات بعض الفصائل الفلسطينية حيال ثورات الربيع العربي وفي مقدمتها الثورة السورية، فمن تراجعت في ذهنه قضيته الوطنية، فإن قضية شعب آخر ستتراجع بالضرورة بدورها، ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه، كما يقال.
على ضفة أخرى من القضية، ثمة منظرون كثر، يعدون الأخطر في هذه المعادلة النادرة، يحاولون التغطية على هذه المسلكيات المدمرة باتجاه خلط أوراق استحقاقات التغيير الحتمي في النظم السياسية المستبدة، معيدين مقولات أكل عليها الدهر وشرب من نوع تقديم التحرير على الحرية وفصلهما قيصريا ووضعهما قبالة بعضهما بعضا في محاولة بائسة لايهام الناس بوجود تناقض بينهما، بينما الحقيقة الساطعة هي أنهما مترابطان حتى العظم ولا يمكن فصلهما بأي حال من الأحوال، لأن شرط الحرية مقترن بمنجز التحرر والتحرير، وهما توأمان لا انفصام في عراهما، أخذا في الاعتبار تلك المقولة القديمة والمحقة التي اطلقها المفكر عبد الرحمن الكواكبي حين بين في كتابه ‘طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد’ وبطريقة لا تدع مجالا للشك مدى خطورة ما وصفه بداء الاستبداد السياسي، موضحا طبيعة العلاقة العضوية بين الاستبداد والاستعمار بوصف الأول جاذبا للثاني وليس العكس، ومبينا عبثية الفصل بينهما.
طريق الفلسطينيين إلى ديارهم المقدسة تمر بالضرورة بكل عاصمة عربية ودرب العرب إلى الكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية، يمر بالضرورة أيضا بالعاصمة الفلسطينية المنشودة.. دربان في درب واحدة وما المسميات هنا إلا لضرورات التوضيح، وفي ظني أنه لا داعي للتذكير هنا بأن الخارطة السياسية العربية ارتبطت من نشوئها الأول بالمشروع الصهيوني العالمي، الذي يستهدف المنطقة بأسرها ولا يفرق بين فلسطيني وسوري أو بين عراقي ومصري، فالجميع يتساوون في ميزان استعمار ما كان له أن يكون لولا تغول أنظمة الاستبداد.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية