ما أكثر التحالفات و«ما أقل بركتها»

حجم الخط
1

■ مع تكالب قوى الشر والعدوان الخارجية منها والإقليمية والعربية والداخلية، على سوريا الوطن والشعب والأرض، يزداد المشهد تعقيدا في هذا البلد العربي المنكوب، ويضاعف من تعقيده ما أعلنته السعودية قبل أيام عن تشكيل ما يسمى «التحالف الإسلامي ضد الإرهاب».
مر حوالي عام ونصف العام على بدء عدوان وغارات ما يسمى بـ»التحالف الدولي ضد الإرهاب» المشؤوم، على العراق وسوريا، الذي شاركت فيه بداية دول عربية خليجية تحت راية محاربة ما يسمى تنظيم الدولة «داعش» اللقيط. هذا التنظيم الذي جاء نتاج ظروف وتدخلات ومساعدات ودعم مالي وعسكري وغطاء سياسي من أطراف عدة عربية وإقليمية وغربية في مقدمتها أمريكا..
فهذه الأطراف وفرت لهذا التنظيم الظروف والمناخ المناسبين لكي يترعرع ويتوسع ما بين سوريا والعراق، وليبسط سلطته على منطقة جغرافية تساوي بمجملها مساحة الجزر البريطانية. وهذه الأطراف هي التي هيأت لهذا التنظيم بأنفاره ومعداته ونفطه أيضا، حرية التحرك عبر حدود البلدين، أو ما تبقى منهما وإلى العالم الخارجي.
تصور أن تقف هذه الأطراف على مدى عام ونصف العام، بطائرات من أحدث ما تنتجه مصانع السلاح الامريكية وغيرها، وأقمار صناعية تملأ فضاء المنطقة وأجهزة تجسس وتنصت أخرى، وعملاء وقوات خاصة على الأرض، عاجزة عن رصد تحركات هذا التنظيم «المعجزة»! وكأن تحركاته تتم برعاية ربانية أو تحت غطاء «طاقية إخفاء». الشيء المؤكد أن نجاحات غارات تحالف الارهاب محسوبة وبقدر ما يسمح به اصحاب القرار في واشنطن. وهذه النجاحات تحصل فقط في المناطق التي تريدها واشنطن وفيها ما يفيدها ويخدم مصالحها ومصالح حلفائها، ويسمح بترسيخ التقسيم الإثني والعرقي والطائفي، سواء في سوريا أو العراق، مثل المناطق التي يسيطر عليها الأكراد من القامشلي شمال شرق سوريا مرورا بالحسكة وحتى مدينة عين العرب إلى الغرب. فقد حالت الغارات الأمريكية عندما وجد القرار والغرض، بدون سيطرة تنظيم الدولة على هذه المناطق.. وفي حال مدينة عين العرب، فقد أجبرت الغارات الأمريكية التنظيم على التراجع والانسحاب منها. وأصبح الأكراد يبسطون سيطرتهم على حوالي 15% من سوريا مما يمهد لخلق معزل كردي يعزز التقسيم الاثني. وليس لذلك سوى تفسير واحد وهو أن وقت الخلاص من «داعش» لم يحن بعد. وكما يبدو فإن الولايات المتحدة تريد الإبقاء عليه لزمن طويل، ربما لثلاثين عاما، كما يقول مسؤولون فيها.. تصورا 30 عاما.. بينما لم تحتج الولايات المتحدة إلا لحوالي ثلاثة أسابيع قليلة لإسقاط نظام صدام حسين، الذي ضخمت قوته وخطورته لكي تبرر عدوانها على العراق.. وكذلك الامر بالنسبة لحكم طالبان في أفغانستان.. وقبل ذلك تمكنوا من إلحاق الهزيمة بالجيوش الألمانية النازية وإسقاط حكم هتلر في غضون سنوات ست.
وهذا يجعلنا نتساءل، هل المعضلة في قوة «تنظيم الدولة»؟ أم في عجز المؤسسة العسكرية الامريكية؟ الجواب طبعا لا هذا ولا ذاك، بل في غياب القرار وفقدان الإرادة وتوفر الرغبة في الابقاء على هذا التنظيم المٌفصٓل بشكل خاص لابقاء المنطقة مشتعلة ومصانع السلاح شغالة وحقول التجارب مفتوحة.
في ظل هذا «المولد» أبى الروس إلا أن يشاركوا. وللاسباب الواهية نفسها وتحت غطاء «محاربة تنظيم الدولة»، بدأوا غاراتهم الجوية على كل شيء في سوريا، والنتيجة، كما في حال غارات «التحالف»، واحدة وهي المزيد من الضحايا في صفوف الأبرياء وتدمير كل شيء وأي شيء في سوريا ما عدا مراكز ومواقع التنظيم «المحاطة بعناية ربانية». والشيء بالشيء يذكر فلا بد من الإشارة إلى التنسيق الروسي مع إسرائيل، الدولة الأكثر استفادة من الوضع في سوريا.. فباستمرار هذا التفتت تضمن اسرائيل بقاء مرتفعات الجولان في يديها ولن يكون هناك طرف من الاطراف المتناحرة، بما فيها نظام الاسد نفسه، مؤهلا سياسيا وشعبويا للمطالبة بعودة الجولان إلى الجسد السوري وستكون نسيا منسيا.
وجاءت عمليات باريس الإرهابية في 13 نوفمبر الماضي، التي نفذها ارهابيون من انتاج محلي كما يقال، وأودت بحياة حوالي 130 إنسانا بريئا، لتعطي المبرر للرئيس فرانسوا أولاند المتدهورة شعبيته، ليدخل إلى ساحة المعركة بأحدث طائراته، ويلقي بأطنان من الصواريخ والمتفجرات فوق مئات الآلاف من الاطنان التي القيت من قبل، ليدمر المدمر في سوريا وليضاعف قوائم الشهداء الابرياء.
ووجد ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني، الذي كان ينتظر أي فرصة حتى لا يبقى كـ»حميدان خارج الميدان» كما يقول المثل، ضالته في جريمة باريس ليضرب عصفورين بحجر واحد، الاول إبداء التعاطف المبالغ فيه مع فرنسا، حكومة وشعبا، لربما تدعم موقفه في الاتحاد الأوروبي. والثاني استصدار قرار من مجلس العموم لدخول الحرب مستغلا التعاطف الشعبي مع فرنسا.. فنافق وكذب وزور المعلومات كي يقنع زملاءه في المجلس، وحصل على ما يريد. المبرر الذي أعطاه أن الصواريخ البريطانية وهي من طراز « بريمستونز» الافضل والاكثر دقة وذكاء من كل الصواريخ التي أطلقت حتى الان.. وهذه الصواريخ الوحيدة القادرة على تعقب قادة تنظيم الدولة وتدمير مراكزه ومواقعه.. وهو بذلك انما يسوق لهذه الصواريخ.
ويتوقع أن تنهال عليه العقود من الدول الخليجية عموما، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، بعد تشكيل «تحالف الدول الإسلامية ضد الإرهاب» الذي أعلنه الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع وولي ولي العهد السعودي.. هذا التحالف المحكوم عليه بالفشل، اذا ما خذنا بنموذج «التحالف العربي» في اليمن، الذي لم يحقق بعد أشهر من القصف الجوي والوجود البري سوى إلحاق مزيد من التدمير في هذا البلد وقتل المزيد من المدنيين الابرياء، وهو ما نجح فيه بامتياز.
وكما «التحالف العربي» فإن التحالف الجديد هو أيضا من بنات أفكار الأمير الطموح، ولن يكون اكثر من تحالف بالاسم، كما تقول صحيفة «الاندبندنت» في مقال افتتاحي.. فهذا التحالف شُكّل، على ما يبدو، على عجل وبدون تنسيق مسبق.. فلم يأت هذا التحالف نتاج مؤتمر لبحث التفاصيل ووضع الخطط والارضية للعمل.. (والدليل على ذلك أن دولة مثل باكستان تبرأت منه في اليوم التالي وعلى لسان وزير خارجيتها الذي قال إن بلاده لا علم لها بهذا التحالف). وقالت الصحيفة إن هذا التحالف يفتقر لعامل مشترك يجمع بين معظم الدول الاعضاء وعددها 34 دولة وهي دول مختلفة ومتخالفة في كل شيء وحول كل شيء، سوى الحاجة إلى المال. ويفتقر التحالف الجديد ايضا لاستراتيجية واضحة المعالم وكذلك لآليات التنفيذ والموارد. وتضيف الصحيفة ألا اهداف محددة لهذا التحالف سوى تأكيد دور السعودية كلاعب رئيسي في المنطقة.
وأضيف أن من يريد أن يقاتل الارهاب حقا فعليه أن يجفف منابعه الفكرية والمادية أولا وقبل أي شيء، ويزيل الأسباب والمسببات… أليس «الفكر الوهابي» هو الملهم والمعـــــلم والحاضــنة الطبيعية لتنظيم الدولة؟ أليس هـــو مصدر الارهاب؟ أليس أسلوب الاعدامات بحد السيف التي تنفذ في السعودية هو الأسلوب نفسه الذي يطبقه تنظيم «داعش»؟ فكم من الرؤوس قطعت في المملكة في هذا العام وحده (151) وفي غياب قضاء عادل. ولن ادخل في التفاصيل وسأتركها لمقال اخر. واخيرا وليس آخرا ما اكثر التحالفات و»ما أقل بركتها».

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية