لوحة إعلانية مصرية كبيرة تستثمر، على نحو مقزز، صورة الطفل السوري آلان، الذي قضى غرقاً إثر محاولة اللجوء بحراً من تركيا إلى اليونان. صورة الإعلان تضع في جهة صورة آلان مرمياً على الشاطئ وفوقه عبارة تقول «طفل فقد جيشه»، وفي المقابل صورة للرئيس السيسي في مقدمة مركب بحري مرتدياً لباسه العسكري وإلى جانبه طفل يرفع العلم المصري وفوق هذا الجزء من الصورة عبارة تقول «طفل معه جيشه»!
هكذا، في الوقت الذي يجب أن تكون صورة الطفل الغريق طريقة للتعاطف والتضأمن والوقوف إلى جانب شعب جريح شقيق تصبح فرصة للشماتة والتخويف وحث للمصريين أن يعبدوا جيش السيسي كي لا يلاقوا المصير نفسه.
هنا لا مجال للحديث عن خطأ أو بشاعة في التصمييم الإعلاني، وفي استعمال الصور فنياً، فلعل العطب قبل كل شيء في الضمير.
نفايات فنية
صراخ امرأة شابة في منتصف شارع مزدحم بفرن الشباك، الحي البيروتي المعروف. الناس على الشرفات، وعلى أبواب المحال. الفرجة على أشدّها، وصراخ المرأة على أشدّه. ثلة تتجمهر حول المرأة الشابة تأخذها إلى الرصيف. إنه مخاض الولادة العسير، صراخ ودم كثير على ثياب السيدة. صوت الناس يعلو، وشهقاتهم، وعيونهم المفتوحة على آخرها. المرأة الممددة على الرصيف تلد أخيراً بمساعدة الحشد، فيكون المولود كيس قمامة أسود. تحتضن المرأة وليدها بحب، ينكشف المشهد المسرحي، ويلتم الأصحاب، صنّاع المشهد، حول المرأة ليرفعوا لافتات تقول «شو بدنا نورّث لولادنا؟»، وهذا هو عنوان المشهد على ما يبدو.
كان ذلك المشهد، المصور والمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، جزءاً من الحراك اللبناني المسمى «طلعت ريحتكم». قد يقصر الكلام في وصف كم أن المشهد مثير للغثيان، ليس النقاش الآن حول أحقية مطالب الحراك، بل حول قلة ذوقه، أي مخيلة بائسة تعترض على نفايات البلد بنفايات فنية مقززة!
لطيفة التونسية ضد الربيع
بيقين عز مثيله، قررت المطربة التونسية، المتحدرة من بلد الربيع العربي، أن «الثورات العربية جميعها عبارة عن مؤامرة غربية تستهدف الوطن العربي»، وأن ما حصل في سوريا «مؤامرة كبرى». ولم تتردد المغنية، في مقابلة على قناة «الحياة» المصرية، في توجيه التحية لجيش بشار الأسد، رغم كل القصف البراميلي غير المسبوق لنظام الأخير على المدنيين الأبرياء.
يكفي أن يشاهد المرء لطيفة مرتدية بدلة عسكرية لتحتفل بها في أفراح السيسي، ليصبح بعدها كل كلام عنها نافلاً وغير ضروري. لكن للحق، صار لا بد من البحث والدراسة؛ لماذا معظعم فناني بلادنا على هذا القدر من الانحطاط؟
حصار غزة المضاعف
مؤلم التقرير الذي بثته قناة «بي بي سي» لمشاهد من بطولة كرة السلة لذوى الاحتياجات الخاصة من أصحاب الكراسي المتحركة. صحيح أن الإرادة والإصرار وقوة الحياة من المشاركين كان رائعة وتقوّي العزيمة، إلا أن تلك العبارة في التقرير وحدها كانت مروعة «وذلك بمشاركة ثماني فرق محلية»! هذا يعني أن في تلك المدينة وحدها ثماني فرق كاملة من ذوي الاحتياجات الخاصة، بل إن التقرير أورد الرقم الأخطر وهو أن في غزة تسعة وثلاثين ألف حالة للاحتياجات الخاصة. الرقم مروع بالطبع، والمروع أكثر أن هؤلاء تحت حصار مضاعف، حصار الجسد، وحصار الإسرائيليين الذين لا يسمحون لهم بالخروج حتى للمشاركة في مباريات رياضية، أو لحاجات العلاج. هذا عدا عن الحصارات الأخرى المتعلقة بذوي القربى.
السينما السورية: اتهامات بالجملة
رد ناري أطلقه محمد الأحمد، مدير المؤسسة العامة للسينما في سوريا على انتقادات سابقة من المخرج سمير ذكرى، أحد مخرجي المؤسسة. عدا عن أن الرد تضمن آراء لاذعة بحق تجربة ذكرى، ما تحقق منها وما لم يتحقق، أي مشاريع أفلامه، فقد أطلق المدير النار في كل صوب.
أبرز ما قال المدير «إن اتهام الناس بسرقة المال العام هو عمل جسيم يمس الشرف والكرامة والنزاهة، وأن إطلاقه من دون إثبات أو دليل هو ليس فقط جريمة نكراء تخضع للمساءلة القانونية، وإنما هو، وقبل كل شيء، دليل على ضحالة فكرية وأخلاقية، وانتهاك لأصول التعامل الإنساني». لكنه بعد سطرين تماماً من هذه العظة يورد جملة اتهامات لجملة مخرجين من المفروض أنهم صنعوا تاريخ هذه المؤسسة، فهو يرد على ذكرى بالقول «إن المديرين العامين السابقين للمؤسسة العامة للسينما يتمتعون بقيم أخلاقية أعلى بكثير مما هي عند مخرجين يستشهد بهم (أفضل هنا عدم ذكر أسمائهم لئلا نكرر خطأ الاتهام جزافاً) تحتوي سجلاتهم الكثير من الملاحظات والتجاوزات، والإساءات».
يقول المدير «كنت أنتظر من المخرج ذكرى أن يعترف لنا بأن (فلاناً) قد استولى على أجره ذات يوم، وعمل على نهب مبالغ توزيع الأفلام السورية في إحدى المحطات، وأن (علاناً) قد سرق أجور الفنيين في الأفلام التي أنتجها لصالح (المحطة التلفزيونية الفلانية) بعد أن فرَّ وفي ذمته مستحقاتهم المالية»….
في الواقع، لا يستغرب المرء هجوم مدير مؤسسة رسمية سورية لمخرجين باتوا في عداد المعارضة (بالمناسبة؛ جزء كبير من هجوم المدير بدأ حتى قبل اندلاع الثورة في سوريا)، لكن الغريب هو في صمت المخرجين المعنيين، الذين حددهم الرد بالاسم الصريح. نستغرب من بعض هؤلاء كيف بإمكانهم تجنيد أنفسهم، أفراداً وقبائل لحصار اجتماعي ضد صحافي قال رأياً بعمل فني لهم، ولا يجرؤون على رفع الرأس في وجوه مدير هو الآن على الضفة الأخرى، ضفة يسمونها بالقتل والتشبيح والإجرام. أي تفسير!
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى