لقد أتى على التونسي حين من الدهر كان يسمع فيه عن الإرهاب عن بعد، وكأنه يتابع فيلما هوليووديا مدبلجا، ويرى شظايا العنف الدموي الحاقد والقاتل في التلفاز تضرب أماكن بعيدة عنه جغرافيا ووجدانيا. ولم يكن يتوقع – رغم عديد الإشارات والإرهاصات- أنه سيجد نفسه في مواجهة ما كان يتابعه سماعا أو مشاهدة عبر الفضائيات. ولم ترتسم أمامه قناعة بأن أن هذا الإرهاب الأعمى الذي يبدو بعيدا لا يصيب إلا الآخرين، قد أصبح كامنا قرب بيته يخشى أن يتسلل إليه من حنفية الماء، أو من النافذة! ليست الغاية من هذا التوصيف رسمَ صورة قاتمة عن الوضع في تونس، فالأكيد أن كل علامات الإقبال على الحياة ورفض ثقافة الموت والترويع، متأصلة في هذا البلد الطيب، رغم سحنة الخوف البادية على الوجوه في الأيام الأخيرة. والأكيد أن هذه الأرض التي ارتوت من معين حضارتها التي لم تذبل، وتغذت بقيم السلام والأمن والتعايش السلمي لا يمكن أن تفقد بريق الحياة المتلألئ في عيون أهلها رغم اختلافاتهم البسيطة، التي لا يمكن أن تزرع بذور الحقد وإن حادت عن مسار الاتزان أحيانا. لَكِن هل كان يجب أن تُقطَعَ الأرجلُ على وقع انفجار الألغام، وأن تُزَلْزَلَ الأرض من تحت سكانها في محيط جبل ‘الشعانبي’ بمدينة القصرين الواقعة غرب البلاد التونسية، كي يصل بعضنا إلى قناعة مُحَصلُهَا أن الإرهاب أعمى يخبط خبط عشواء لا يميز بين الأبرياء الذين يستهدفهم بالترويع والقتل؟ قد لا نحتاج إلى التذكير رغم كل ما حدث في الأيام الأخيرة غير بعيد عن الحدود الجزائرية، بأن الإسلام في جوهره وغاياته لم يكن مُحرضا على العنف، أو مدافعا عن مرتكبيه. فمن أين جاءت هذه الجماعات المتطرفة التي تتخذ من الجبال ستارا، ومن الكهوف منطلقا لنفث سمومها، بكل هذا الحقد الموغر في الصدور؟ هل من أخلاق المسلم أن يحمل سلاحا ليقتل أبرياء لا ذنبَ لهم إلا أنهم وُجِدُوا بالصدفة في طريقه. ومن أين جاء هؤلاء الذين يقتلون بلا سبب، وينتحرون على أسوار الوهم؟ ومن أي كهف قدموا ليشوهوا روح الدين القائم على ‘السلام’ لفظا ودلالة؟ وما هي هذه الأدلة الشرعية التي يعتمدونها لتبرير أفعالهم الإجرامية الشنيعة؟ بعيدا عن التجاذبات السياسية التي تنذر بغد لا يطمئن إذا ما تواصل العناد والعراك، لا اختلاف حول انتصار الأديان على اختلافها لقيم السلام والتحابب. فمرفوض أخلاقيا ودينيا أن يأتي مِن أُمة ‘الإسلام’ مَنْ يحرم الناس من ‘السلام’ في أرضهم التي بنوها بالتضحيات، وأقاموها على قيم الحرية وعلى أخلاقيات التعايش السلمي. ولا يمكن لأعداء الديمقراطية مهما كانت ألوانهم أن يجدوا لأعمالهم الإجرامية مسوغات دينية، حتى إن حاولوا زرع خطاب ديني يجنون به عطف الناس. وحقيقتهم الوحيدة أنهم مهما تلونوا وتواروا وراء الشعارات-مجرد مشاريع انتحارية يضربون بعمى، ويحولون حياة المسالمين الأبرياء إلى جحيم وفق أجندات غير بريئة، ظاهرها دعوي مسالم وباطنها مكسو بجميع ألوان الجريمة. ومن علامات النفاق عند هؤلاء الإرهابيين الذين يدعون اقتداءهم بالسلف هنداما وسلوكا، أنهم يغنمون من أموال المشركين. وفي المقابل يرفضون حق هؤلاء، ‘الكفار المشركين’ في الحياة، ويصادرون حقهم في أن يختلفوا معهم فكريا وعقائديا؟ ويتأكد هذا النفاق عندما يعلنون رفضهم لكل علامات الحضارة الغربية.. ومع ذلك لا يتورعون عن قبض أموال قادمة مِنْ بنوك ‘ربوية’ وعن التنعم بببعض عائدات نظام رأسمالي ‘كافر’! أليس من التناقض أن يفجر إنسان نفسه في محاربة ما يسميه ‘الطاغوت’ ليخلف في مسرح الجريمة حذاءه الذي يحيل الى بضاعة أمريكية الصنع؟ وإذا كان القدر قد فرض التعامل مع هذه الجماعات التي تريد فرض قناعاتها على الآخرين بقوة السلاح، فإنه من الحكمة البحث في السبل الكفيلة بتجنب المآسي التي يمكن أن تسببها هذه الجماعات المتحصنة في الجبال، من دون تهويل أو تهوين. من المفيد التذكير بأنه لم يعد مقبولا إن كانت هناك إرادة جماعية لغلق هذا الملف سريعا- أن يصدر عن بعض أئمة المساجد في تونس خطاب عنيف يحرض على العنف في الداخل أو الخارج، ويشير على المصلين بوجود فرقة وحيدة ناجية محذرا إياهم من بقية الفرق الضالة التي يجب أن تُقاوَم وتُضْرَبَ دفاعا عن الإسلام والمسلمين. إن الصراع السياسي في تونس- وإن تجاوز الحد في غالب الأحيان- ليس صراعا بين مسلمين متدينين، وبين علمانيين وكفار. إنه صراع طبيعي بين أفكار وتوجهات متباينة ميثاقه الاحترام المتبادل، والقبول بالآخر شريكا فعلا، مهما تباينت الآراء. ولعل ما يبعث على الاطمئنان اليوم هو أن تونس موحدة بإزاء الإرهاب، تحارب في جبهة واحدة لمنع تكرار السيناريو الجزائري الذي لن يستفيد منه أحد، حتى إن ظن أنه بما توفر لديه من أسباب القوة سيحسم المعركة. وما على السياسيين- يمينا ويسارا ووسطا- إلا أن يوجهوا رسالة صريحة واضحة إلى كل من تسول له نفسه زعزعة الأمن وغرز السكين في قلوب التونسيين، عنوانها الرئيسي أن كل التونسيين متضامنون ومتآزرون في مواجهة الإرهاب الأعمى، الذي كان التونسي يتنسم أخباره سماعا فإذا به يعثر عليه أمام بيته. وما يخشاه التونسي الذي يتابع ما يجري الآن على الحدود الغربية للبلاد، هو أن تكون معركة جبل ‘الشعانبي’ التي تخوضها قوات الحرس الوطني والجيش، محاولة تمويهية غايتها إشغال هذه القوات المتحفزة كي لا تتفطن لخلايا نائمة متحصنة في أماكن أخرى تنتظر ساعة الصفر لترفع الغطاء عن وجهها الذي ينذر بالموت حيثما أطل. إن تونس الضاربة في القدم، التي تغنى شاعرها أبو القاسم الشابي بإرادة الشعب، وبإرادة الحياة وذهب بيته الشعري مثلا إنسانيا كونيا، تجاوز أمة العرب إلى غيرها من الأمم لا يمكنها إلا أن تردد اليوم بصوت واحد حتى إن اختلفت الأفكار وتباينت الآراء.. ‘نعيش نعيش ليحيا الوطن’. ‘ كاتب تونسي