وجه فرنسا الجديد وسياستها العربية

حجم الخط
1

منذ فوز التحالف اليساري في الانتخابات التي قادته للرئاسة عام 1981بقيادة الحزب الاشتراكي، بدأ اليمين المعتدل الذي يقوده التجمع من أجل الجمهورية، محاولاته العودة من جديد إلى حكم فرنسا، ليتحول الصراع عبر شخصيتين تاريخيتين، هما فرانسو ميتران وجاك شيراك، إلى صراع عنيف طيلة الأربعة عشر عاما، التي حكم فيها الرئيس الاشتراكي دورتين رئاسيتين.
في بداية دورة السبع سنين الأولى لولاية ميتران، تمكن شيراك الديغولي وحزبه من الفوز في الانتخابات البرلمانية، ما أجبر رئيس الجمهورية على تعيين شيراك رئيسا للوزراء، ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة التعايش الإجباري بين رئيس اشتراكي ورئيس وزراء ديغولي أدخل فرنسا في صراع صلاحيات بين رئيس جمهورية منتخب لمدة سبع سنوات يمثل الحزب الاشتراكي، ورئيس وزراء ديغولي لمدة خمس سنوات مناهض سياسيا وله برنامج إصلاحي مختلف تماما عن برنامج الحزب الاشتراكي.
عاد الديغوليون إلى الحكم برئاسة شيراك أثر فوزهم على الاشتراكيين، لكن الاشتراكيين عادوا من جديد من خلال فوزهم بالانتخابات البرلمانية، بعد أقل من سنتين، ما جعل الرئيس الجديد يتعايش مع رئيس وزراء اشتراكي. لم تستطع فرنسا الخروج من هذه الإشكالية التي تعمقت لتعيق حركة نظام الحكم إلا في العهدة الثانية لرئاسة جاك شيراك، وذلك بتخفيضها إلى خمس سنوات كي تتوائم مع فترة الانتخابات البرلمانية من جهة، وأن تكون الأغلبية البرلمانية من حزب الرئيس المنتخب نفسه. منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي وطيلة فترة رئاسة ميتران وشيراك، ولاكثر من ربع قرن كانت الجبهة الوطنية لعبة بيد الحزبين الكبيرين اللذين حكما فرنسا، فمرة يستخدمها الاشتراكيون لإضعاف اليمين الديغولي المعتدل وأخرى يستخدمها الديغوليون انفسهم لترهيب الاشتراكيين والقبول بهم، كما حدث في العهدة الثانية لشيراك عندما اضطر اليسار لانتخاب رئيس ديغولي خوفا من الوقوع في شباك الجبهة الوطنية المتطرفة. لكن وصول الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي المنحدر من اصل هنغاري وشعار سياسته المعلنة (ملكيا اكثر من الملك وفرنسيا اكثر من الفرنسيين الاصلاء) لذا فقد حرض الفرنسيين ضد المسلمين، كونهم الحلقة الأضعف بالمجتمع، ما غير المعادلة باتجاه تقوية اليمين المتطرف، ومارس منذ توليه وزارة الداخلية في عهد شيراك سياسات صادمة تجذرت حينما انتخب رئيسا للجمهورية، إذ بدأ بالخصخصة المتوحشة لقطاعات حكومية مهمة، والاتجاه في تقليد طروحات الجبهة الوطنية العنصرية ضد المسلمين والأجانب، بمن فيهم الاوروبيون، ما جعل قسما مهما من اليمين الكلاسيكي يتحول إلى الجبهة الوطنية، لأنه لا يرى فوارق كبيرة بين خطابات اليمين العنصرية وحلوله الأمنية ومواقفه المتذبذبة تجاه اوروبا، وكرهه للمسلمين والمهاجرين من جهة، وبين خطاب اليمين المتطرف التاريخي الذي يدعو لانطواء فرنسا على نفسها وطرد المهاجرين واعتماد سياسة أمنية عنيفة من جهة اخرى.
أما الجبهة الوطنية بقيادة مؤسسها جان ماري لوبين فقد ظلت لعبة بيد الحزبين الكبيرين وفق مصالحهما الانتخابية، فلكل حزب أسلوبه وأهدافه في مراهناته للفوز في هذه الانتخابات أو تلك. إن الحزبين المتناوبين على السلطة يعلمون علم اليقين أن قائد الجبهة الوطنية لن يستطيع الفوز بالانتخابات أثر تورطه بالتصريح علنا عن موقفه المشكك بالمحرقة، التي حدثت ضد اليهود في الفترة النازية التي حكمت المانيا حتى عام 1945، لان هناك اجماعا شبه مقدس لدى مراكز اتخاذ القرار في الغرب وأمريكا يقضي بمنع أي شخص أو حزب يتجرأ على مهاجمة اليهود والتشكيك في المحرقة وعداء الصهيونية. لكن جهل أو تغاضي جان ماري لوبين هذه المعادلة كلفه عزله عن حزبه عن طريق أقرب الناس اليه ابنته مارين لوبين.
لقد ظهر أن ابنته الشقراء استوعبت الدرس أثر تسلمها رئاسة الحزب، فامتنعت ومنعت اباها من الاستمرار على النهج المعادي لليهود. لكن اللوبي الصهيوني لا يستطيع أن يمنحها براءة ذمة مبكرة خوفا من انها تمارس التقية في هذا الصنيع لأهداف تكتيكية انتخابية، أضحت اليوم الخريطة السياسية الفرنسية المتكونة من الاشتراكيين وحلفائهم الخضر والشيوعيين والجبهة اليسارية، الذي فازوا في خمسة أقاليم.
أما اليمين الذي طلق الديغولية في عهد ساركوزي فقد تحالف معه الآن الحزب الرديكالي والموديم وفازوا في سبعة أقاليم. أما الجبهة الوطنية فرغم فشلها في قيادة أي من الأقاليم الاثني عشر، لكنها باتت حاضرة رسميا بنسب مريحة في جميع مجالس الأقاليم، ولها حضور مؤثر على طول الساحة الفرنسية وعرضها. وللمرة الأولى تفرز انتخابات إقليمية في دورتها الاولى فوزا ساحقا لعائلة لوبين النسوية، ولولا تضحيات الاشتراكيين بمرشحهم لصالح اليمين في منطقتي الشمال والجنوب الفرنسي، المهددتين من قبل لوبين البنت ولوبين الحفيدة، لما تمكن مرشحو اليمين من الفوز الواضح. لقد كان اليسار واليمين المعتدلان يشتركان في قواسم مشتركة تتعلق بأهمية بناء الاتحاد الأوروبي وحرية حركة التجارة الحرة بين دوله، سواء الافراد أو البضائع أو الأموال والمحافظة على المساعدات الاجتماعية والطبية إلى عموم الشعب الفرنسي.
هناك توقعات بأن اليمين المتطرف سيقوى عوده على حساب اليمين الكلاسيكي، إذا ما بقي ساركوزي رئيسا له، فقد كان موقفه المعلن ما بين الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين أقرب إلى اليمين المتطرف منه إلى اليسار.
كما أن هناك صراعا خفيا بين خطين داخل اليمين، أحدهما الخط القريب من اليمين المتطرف، الذي ذكرناه توا، وآخر يقوده الديغولي آلان جوبيه سيبرز للعلن في الأيام القريبة المقبلة لنرى أي خط سيختاره الجمهوريون وهل سيتمكن جوبيه من فرض خط حزب جمهوري يؤمن بمبادئ الجمهورية، حرية مساواة تسامحا، أم سيبقى خط ساركوزي الذي يسير على هدى المحافظين الجدد في امريكا، لقد أفرزت نتائج الانتخابات الإقليمية وجها جديدا لفرنسا طالما حاولت الأحزاب السياسية الكلاسيكية اخفاءه طيلة اكثر من ثلاثين سنة. فها نحن الآن أمام واقع جديد بدأ يتجذر شيئا فشيئا ألا وهو أن الفكر العنصري المتعصب بات يشكل نسبة قد تزيد عن ربع أصوات الشعب الفرنسي، وهذا الفكر في تزايد مطرد وتقدم منتظم ومنسق.
لقد اضحى تطور الفكر السياسي لدى الشعب الفرنسي يعتمد بالأساس على الواقعية وعواملها الاقتصادية، فكلما ازدادت وطأة الازمة الاقتصادية نتيجة المعطيات والمتغيرات الدولية والمنافسة التجارية الصعبة للحصول على أسواق جديدة في الشرق الأوسط أثر تدمير العراق وسوريا وليبيا وغيرها، إضافة إلى تفاقم مشكلة الهجرة غير المحسوبة باتجاه أوروبا ودوام حالة الطوارئ كلما صعد تحولت خيارات الفرنسيين نحو اليمين المتطرف. ولولا معارضة اللوبي اليهودي القوي في فرنسا لأصبحت الجبهة الوطنية تتصدر المشهد السياسي في نتائج الانتخابات الإقليمية، فاليسار الجمهوري واليمين المعتدل الجمهوري يتوجب أن يطرحا البديل الاقتصادي الإنساني الوطني للحفاظ على بلد حقوق الانسان وحرية الرأي، عندها فقط يمكن قطع الطريق امام صعود العنصريين والمتطرفين. أما فيما يتعلق بسياسة فرنسا العربية فقد تغيرت هي الأخرى وفق متغيرات السياسات العالمية تجاه العرب. لقد أدركت فرنسا وغيرها من الدول الاوروبية بان وضع استراتيجية للتعامل مع الدول العربية، امر مستحيل في هذه الظروف. فالمنطقة تمر في صراعات اشبه ما تكون بصراعات القرون الوسطى في اوروبا أو الحرب الاهلية الامريكية. لقد تحولت دول عربية مهمة إلى مجاميع بشرية متعصبة دينيا وطائفيا وقوميا وعشائريا ومناطقيا. تقاتل بعضها بعضا بكل شراسة ولا تبالي في تهديم دولها، حتى أضحت عالة على الإنسانية. ما لم تنجل الغبرة لن تتمكن اي دولة تحترم نفسها، وبالخصوص فرنسا، المراهنة على حصان خاسر. كيف يمكن أن تتعامل فرنسا مع العراق مثلا، الذي اصبح ثلاثة عراقات، أو كيف يمكنها أن تراهن على الفلسطينيين الذين تمثلهم حكومتان احدهما في غزة والأخرى في الضفة الغربية، بدون الحديث عن فلسطينيي الداخل. كيف نريد من الدول غير العربية ومنها فرنسا أن تتعامل مع مجاميع فقدت هويتها. المشكلة الانكى والاصعب من ذلك أن الكثير من مسلمي فرنسا نقلوا امراض بلدانهم اليها من خلال منظمات إسلامية خاضعة لدول عربية أو منظمات حزبية أو دينية خارج الحدود.

٭ كاتب عراقي

د. نصيف الجبوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية