القنطار استشهد في «الجزيرة» ودُفن في «الميادين»… وكريشان أمسك الدب من خناقه

هذا ما يفعله يهود روسيا المليون اليوم، فهل تتمنى أن تكون مثلهم؟
الأمر بالمناسبة لا يتعلق بـ «البزنس» وتجارة السلاح في عاصمة القياصرة، فعظماء الأدب والشعر والثقافة الروس عبر التاريخ في معظمهم كانوا يهودا، أضاءت لهم روسيا شمعدان الكرملين وبحيرات البجع، فما كان منهم إلا أن يهجروها بعد تفككها الجغرافي وانهيارها الاقتصادي ويفروا إلى اسرائيل، التي رأت فيهم عبئا جالياتيا، أكثر منه منحة سكانية!
ربما أرادت «روسيا اليوم» كرمى لشموع القياصرة، التكفير عن ذنوب الكسندر الثالث، الذي أبادهم في القرن التاسع عشر لإثارتهم أعمال الشغب في البلاد، عندما تعاملت مع خبر استشهاد (سمير القنطار) بطريقة لميس الحديدي، التي أدخلت جميع الأخبار المحلية والعربية إلى مشرحتها الإعلامية وأفرزتها خبرا خبرا، فما أن وصلت لعميد الأسرى حتى ترهلت همتها، وغص حلقها، وزغللت عيناها، وهي تقول: أنا عايزة أضيف: لقد قتل سمير القنطار» .
إن كان الإعلامان الروسي والإسرائيلي يمارسان مهمة إنقاذ مزدوجة، لطبيعة الوجود الروسي في الشام، والتحالف بين الدببة ومصاصي الدماء، فإن «العربية» من حيث تدري أو لا تدري أنقذت الطرفين بهبوط مظلي مارست فيه رياضتها الباراشوتية المفضلة ألا وهي تشويه المقاومة واللعب بكواليس الوثبات الهوائية المنفرجة!
ولكن من هو الشهيد؟ هل هو رتبة إعلامية تمنحها الفضايئات لمن ترى فيهم مواصفات كاريزماتيكية، أم أنها مكرمة استخبارتية يحظى بها من عقد صفقة شهادة مع الجهة التي ينتمي إليها لتبييض وجهها، كلما اسود من تناقضات المراحل، ليصبح الشهيد غسولا كيميائيا لا أكثر!

خوخة «العربية»

خوخ «العربية» لا يشبه خوخة الخلود للعملاق «كوا فو» الذي أمضى عمره يلاحق الشمس، فلما عجز ألقى بعصاه على فراش الموت لتعيش الصين، لأن الهدف من ملاحقة الخبر في «العربية» وإن اعتمد على لعبة إلقاء العصي السحرية، هو ضخ السموم اللازمة لصهر الوعي، حتى لو اضطر المشاهد لأكل لحم الخوخ ميتا!
«كفاح كيال»، التي يقال إنها طليقة الشهيد القنطار، لم تراع الثلاثين عاما التي قضاها صامدا في سجون الإحتلال، ولا مهمتها الوطنية في متابعة قضية الأسرى، ولا استشهاده على يد عدو تقف هي ضد انتهاكاته الجرائمية في السجون، ولم تذكر حسنة واحدة من محاسن الميت كأضعف الإيمان، كل ما رأيناه في تقرير «العربية»، تخوين الشهيد واتهامه بالتودد لشمعون بيريز في الأسر، ثم بقتل الشعبين الفلسطيني والسوري، وهو ما تأنفه النفس البشرية، والتعاليم الإنسانية، وتتصدى له الفطرة، لأنه اعتداء لا أخلاقي على جثة!
أين كانت كيال قبل استشهاد القنطار؟ فنحن لم نسمع بها من قبل، ولم نحس بسخونة هذا الدم بالدفاع عن الشعب السوري والفلسطيني عندما كان القنطار حيا، فمن أين جاءت «العربية» بهذه الخوخة المصابة بتورم برعمي!
لن أتحيز في هذه الدحرجة الإعلامية سوى لقامة الشهيد، التي تُسقط الجميع لتعلو فوقهم، وتقتلع الوجوه لتمزق الأقنعة ولا أستثني أحدا!

القنطار بين لعبة الأمم و«الحوار المفتوح»

هل شارك القنطار بقتل الشعب السوري؟ «الجزيرة»: يُقال، أما الشهيد فقد اعترف في يوليو هذا العام على «الميادين» في برنامج لعبة الأمم، أنه شريك المقاومة في حرب سوريا، والبينة كعين الشمس على لسان شهيدها، وعلى لسان كليب، الذي قال حرفيا إن المقاومة اكتسبت خبرات على الأرض في الحرب السورية تمنكها من مواجهة اسرائيل، فهل في هذا ما يبرر التدرب على الشعب السوري وذبحه أيها الأحمق؟
أما اعتراف الشهيد أتى في إطار توليه مهمة لم يفصح عن تفاصيلها للتحسب الأمني، هدفها تصفية مجموعة من المرتزقة « المعارضين» حسب تعبيره – الذين سيطروا على الحدود وتعاونوا مع اسرائيل ولم يتركوا لقنطار سوى ثمانية كيلو مترات حاول سامي كليب وقتها أن يحمله مسؤولية إخفاقات إدارية وعسكرية قلصت مساحة سيطرته، فلم يَلُم إعلام النظام من تحدثوا عن هذا بعد رحيل الشهيد؟
الأمر مبدئي، والمبدأ لا يتجزأ، إن كان القاتل عدوي فالقتيل شهيدي، إنما بما يقتضي تعديلا بالوضعية الزمنية للشهادة، فإن عدت للعام 2008، وتحديدا برنامج «حوار مفتوح» لغسان بن جدو على «الجزيرة»، ترى قنطارا حرا، احتفلت «الجزيرة» بعيد ميلاده وحريته احتفالا أسطوريا وتوجته عميدا للأسرى الأبطال، ولم تكن الفرقة العربية قد أخذت منا كل مأخذ، كان للأسير هيبته، وللبطولة الكلمة العليا!
وبكامل فلسطينيتي سأعتبر عملية اغتيال القنطار في جرمانا تمت بفارق إعلامي مرتد، يتوقف فيه الشهيد عن ممارسة مهامه يوم تحريره على «الجزيرة»، فهو يوم الشهادة الحقيقي، قبل أن تدفنه «الميادين» في مقبرة المحاصصة الإعلامية، وشاء أم أبى يدخل الشهيد لعبة شد حبل بين الجنة والجحيم، بينما اسرائيل تتفرج على العرض.

كريشان وغلمان القياصرة

لإعلامي بقامة محمد كريشان، أن يقود الدفة فوق مستنقعات إعلامية مختمرة، لأنه قادر على الخروج منها بكامل أناقته، ومهارته مستبدلا مجدافيه بمراوح دماغية تنتشل ما وراء الخبر من البرك الآسنة!
ففي حين ازبهل سامي كليب في برنامج «نهاركم سعيد»، حين سألته المذيعة عن تجنب السيد حسن نصر الله للخوض في مسألة تغاضي روسيا عن اقتحام اسرائيل للأجواء السورية، برع كريشان بالإمساك «بخناق» أندريه فرولوف المحلل الروسي، حين سأله عن تناقضات التصريحات الإعلامية للحلفاء، فعجز عن إيجاد تفسير استراتيجي، ورغم أن كريشان طنش المليون يهودي الذين أتيتُ عليهم في أول المقالة، وطنش أي تساؤل يتعلق بمغزى تبني الجهة المحسوبة على الجيش الحر هذه العملية بأشرطة فيديو، ولمصلحة من وبالتنسيق مع من تتحمل مسؤولية جريمة اسرائيلية، إلا أنه يحسب لكريشان ما يلي:
1- إحراج الضيف الروسي باحتفاظ النظام السوري بحق الرد، ثم التنسيق بين روسيا واسرائيل بما يحرج الحليف السوري، ثم معيارية السيطرة الروسية على أجواء «شامستان»، بين تركيا واسرائيل، وفات كريشان لبنان الذي تلقى أوامر من الجيش الروسي قبل فترة بإغلاق أجوائه لكي لا يكدر مزاج الطلعات الروسية!
إن كان الإعلام ينتقد ما يسمى بحق الرد الذي لا يأتي أبدا، فهل هذا يعني أنه يعطي الحق لحزب الله بالرد على الجيش الحر بعد تبنيه العملية؟ ثم إن كان النظام يلصق التهمة بالمعارضة ليخلص نفسه من حرج التنسيق الروسي الاسرائيلي، فلماذا لم يتواطأ الروس معه في هذه التمثيلية ولو لحفظ ماء وجهه!؟
1- أوقع كريشان ضيفه في فخ التناقض والعدول عن تصريحاته، فقد استنكر سكوت روسيا، وألح بطلب تفسير لهذا التنسيق الذي اعتبره ضيفه غير رسمي وخطأ لا يعرف أسبابه، معترفا بأن المصالح المشتركة بين الطرفين هي أولويات وطنية لدى الدببة، مبررا العملية الاسرائيلية بحق تحين الفرص للإنقضاض على أعداء اسرائيل، أو على شخص غامض أو إرهابي أو قائد ميداني، فيا الله، هل كان الضيف غبيا إلى هذا الحد أم هو وقح؟ أم أنها بطولة إعلامية تسجل لكريشان؟
2- اعترف فرولوف أن روسيا تفاجأت بالضربة الإسرائيلية لما سخر كريشان منه، فالمصيبة عظيمة وأعظم سواء علم الروس أو لم يعلموا، لكن فرولوف جاء بمصيبة ثالثة حين قلل من أهمية الأمر بما أنه لم تكن في المنطقة قوات روسية تشكل الغارات الإسرائيلية خطرا عليها!
3- كريشان رأى في تصريحات ضيفه خطرا كبيرا لأنه يتمسك بالحليف الاسرائيلي ويعطيه مبررا لاستباحة الحليف السوري.. وطلب تفكيك هذه الأحجية المذلة التي تثير السخرية والدهشة!
حسنا إذن، نتقدم بأحر التعازي لأولئك الذين طبلوا وصفقوا لروسيا حليفة الصهاينة، نكاية بأمريكا مرضعة بني صهيون، لا بل ندينهم ونتهمهم بالتحريض على غزو روسيا لسوريا، وهم إذ يدينون الصمت الروسي يقرون ويعترفون باحتلال روسيا للشام، وتحميلها مسؤولية الضربة الإسرائيلية التي اقتحمت الأجواء السورية مما يعني إسقاطا علنيا لنظام الأسد بأيديهم وبأقلامهم التي تدعي الوقوف في خندقه وهي تلغيه من المشهد وتتوج بوتن رئيسا فعليا وجديدا للجمهورية العربية السورية، ألا لعنكم الله يا غلمان الدببة.. والشهيد أنتم قتلتموه!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

لينا أبو بكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية