ينزل فيلم «ماكبث» علينا كالصفعة التي تعيدنا لوعينا الإنساني. ونعيش مشاهد الشّر والقتل والرّعب، المشهد تلو المشهد حتى تنبثق تلك الصرخة في الأعماق: «إن كان العنف في الصورة مقزز لهذه الدّرجة فكيف به في الواقع؟».
وإن كانت الصورة مرعبة وتخترقنا مثل خنجر فكيف ترتفع أصوات تقول إن العنف التلفزيوني والسينمائي سبب عنف شعوبنا؟ أليست الشعوب التي لا تقرأ ولا تدخل المسارح ولا صالات السينما هي الأكثر عنفا على الإطلاق؟
تمزيق الكائن البشري لشبيهه بطرق وحشية ومرعبة، والمضي قدما في طريق الجريمة للحفاظ على عرش ما، يبدو سلوكا وحشيا لا أقل ولا أكثر. فالقوي في العادة لا يرعب من حوله ليبقى على عرشه، ولكن قوة الحكمة هي التي تمنحه ذلك الشرف.
لا علينا إذ يبدو أن في الثقافات كلها تربينا على مقولة إن «الأسد ملك الغابة» ليس لأن الأسد كذلك، بل لأن خوفنا من بطشه هو الذي جعلنا نعتقد ذلك، وقد وثّق الشعر والأدب لذلك على الأقل بالنسبة لعصرنا، حتى إن كان ذئب ليلى ذات القبعة الحمراء هو أشهر حيوان مخيف في تاريخ الأدب، لكنني أجزم أن من يرى فيلم «مكبث» سيدرك منذ اللحظات الأولى ألا وحوش على الأرض إلا البشر. لأنه في الغالب لا يرتكب الجرائم من أجل البقاء، بل من أجل أفكار وهمية، كأن يكون ملكا على مساحة من الأرض هي لا شيء أمام عظمة الكون الذي يعيش فيه، أو لينشر فكرة مع أن نشر الأفكار لا يحتاج لكثير من العناء، بل لقليل من الوقت والإصغاء.
لقد اعتقد السلطان سليمان مثلا أنه ملك العالم، وكل ما حققه هو البطش بالمسالمين من البشر، فقتل وأسر وعقد اتفاقات ليسلم البعض من شره حتى يرضي تلك الشهوة الفاجرة التي تملّكته حتى الموت ليكون ملكا على العالم، وقد مات مثله، مثل نابليون وهتلر وآخرين وهم لا يعرفون أن العالم أكبر من منظورهم الضيق له، وأن كل ما حققوه ليس أكثر من إنزال اللعنة على شعوبهم والشعوب المجاورة. وهذه المآسي ظلت تتكرر على مرّ الزمن، لسبب وحيد هو أن من يحكمون البشر دوما يحكمونهم من باب الجهل المطبق في التعامل مع الآخر.
علم النّفس يختصر العنف في عبارة واحدة، وهو أنه «توقيع الفاشلين». يبقى الآن أن نرى الصورة المعاكسة للعنف، لنتأكد هل العنف لغة الفاشلين فعلا؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى عنف في حياته؟ ما دام ما يتمناه دائما هو العيش بسلام؟
إن قرأنا شكسبير مجددا فسنتوغل في النّفس الإنسانية ونرى بوضوح الشياطين والملائكة تتقاتل من أجل غنائم الخير والشّر… لكن إن قرأنا همنغواي فالأمر مختلف.. إنها رحى الحرب وهدير محرّكات القلب. الرّجل حمل دوما سلاحين، بندقية وقلما، ويبدو أنّه يكون في قمّة عطائه وهو يصارع من أجل البقاء في قلب حربٍ ما.
وفيما أغلب الكتاب مسالمون وغالبا ما يتركون الحرب خلفهم ويغادرون، نجد همنغواي حمل عدّته وسافر إليها. ولم تكفه فظاعات الحربين العالميتين حتى التحق بالحرب الأهلية الإسبانية. وحين هدأت الحروب كلها حوله حمل بندقيته المفضلة وأطلق رصاصة على نفسه أنهت حياته. وغرائب الأمور أن تكون هذه البندقية هدية من والده إليه في عمر العاشرة، والوالد نفسه أنهى حياته بطلق ناري منتحرا.
همنغواي رغم نهايته المؤسفة ترك مجموعة أدبية نادرة، هي خلاصة تجاربه بين ضفاف الحرب والسلام، وقد حرص على أن يترك أيضا بصمة جميلة لقرائه عبر شخصياته القوية الصلبة المقاومة والناجحة. كل رواياته تنتهي نهايات لها التأثير العظيم في نفس القارئ. عكس ما أرّخنا له مثلا لنكسة 67، من دون وعي منا أسسنا ونمينا لأدب النكسة، وبقينا هناك عند عتبة تلك النكسة إلى اليوم. ولا أدري إلى متى سنبقى هناك؟ وهل هناك إمكانية ليقلع الأدب عكس ما تصنعه الحرب بأبنائنا وبنا؟
خاصة أن المشهد السّردي لدينا لم يرتبط كثيرا بالمتخيلات ولا بقدراتها على تحريض القارئ على تغيير واقعه، فقد أنتج الضغط الاجتماعي على الكاتب نوعا من الكتابة التي نتميز بها نحن العرب، وهي كتابة بكائية ساخطة مشحونة بالغضب تجاه المجتمع وقمع الأنظمة.
نقل لنا الأدب العربي العنف بكل أنواعه ضد الفرد، انطلاقا من العنف اللفظي إلى العنف الجسدي داخل الأسرة، ثم داخل منظومتنا الاجتماعية، ثم إلى الحروب التي تدخل فيها أمم العرب راغبة أو مرغمة. من الحرب التي لا تنتهي ضد فلسطين، إلى حرب لبنان الأهلية، إلى حروب العراق بكل أنواعها، إلى حروبنا الجديدة التي انفجرت لأسباب البعض يعتبرها ضرورية للتغيير والبعض يعتبرها حربا قذرة خدعت من خلالها الشعوب العربية لتستنزف قواها بنفسها، وهذا شبيه بعملية انتحارية لم تصب سوى حامل القنبلة. الآن إن تساءلنا لماذا كل هذا العنف؟ لن نجد جوابا فحتى أعظم المسالمين في العالم تركوا علامات استفهام كبيرة أمامنا، مثل مقولة غاندي: «إن وضعنا أمام خيارين أحدهما الجبن والآخر العنف حتما سأنصح بالعنف».
من يتكلّم؟
أليس هذا الرجل هو الذي قاد أعظم ثورة سلمية في العالم؟ تراه ندم على الطريق الوعرة التي سلكها وهو يحارب جينات العنف في جسده؟ من الصعب أن نعرف الحقيقة، فلعله قال ما قال في سياق حديث معين، لكنني أعتقد أن لكل إنسان لحظة ضعف حين يبلغ به الغضب قمة القمة، فيصبح عنيفا مهما اتسعت رقعة حكمته.
الكاتب التشيكي هيكلاف هافل يقول: «العنف يجر العنف لهذا أغلب الثورات في العالم تنتهي بأن تصبح ديكتاتوريات جديدة». وبين الرّجلين خيط مشترك وهو أن كلاهما عاش حياة سياسية وخبر الكواليس التي تُطبَخ فيها الأحداث المهمة لأي بلد، لكن هافل كان كاتبا ذكيا يمتلك الكثير من الحس السياسي لمتابعة ما يحدث واستخلاص النتائج سلفا.
وكأني بالرّجلين هنا يتجردان من عبء النظريات التي يطفح بها رأساهما ويسرّان باعتراف خطير في لحظة صفاء مع النّفس، يكشف أن العنف حلٌّ أحيانا لكنّه أسوأ حل على الإطلاق، لأنّه مرض معد سريع الانتشار، ولأن ما يبدأ بالعنف ينتهي به، وما بُني على ركائز العنف يتحوّل سريعا إلى مملكة تسيج فيها الشعوب لتدخل القفص الذهبي الذي شيدته لنفسها، ومتأخّرة جدا تكتشف أن الزمن تحرّك دائريا بها وأنها دخلت دورة جديدة من دورات اللاتغيير..! في النهاية يبدو جليا أن مبدأ العنف هو الغاية التي تبرر الوسيلة.. ومحرّك العنف الكثير من الغضب، وأن العنف قد يكون لفظيا، جارحا، مهينا في البداية ثم يتطور ليصبح محفزا للعنف الجسدي، ثم قد يشعل حربا. أمّا أن يعتقد فلاديمير بوتين أن «الجنس والعنف والإرهاب ثلاثة أشياء يجب منعها» فهذا ما لم أجد له تفسيرا، إذ يبدو أن رأس الرّوس ما عاد يتحمّل الجنس البشري ويفكر بشكل جدي للقضاء عليه.. والله أعلم!
شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب