■ لم يكن القذافي شخصية يمكنها بناء الصداقات أو الحصول على ثقة أي طرف، فالرجل كان كلامه في جملته هذراً لا يعبأ به ولا مجال للتعويل عليه، وفي الأردن ثمة تجربة توضح ذلك، فالرئيس الذي استقبل مع المئات من مرافقيه في ترتيبات استثنائية لتمرير تفاهم حول دعم الأردن مالياً لإنجاز مشروع جر مياه حوض الديسي من جنوب المملكة إلى عمان، أعطى وعوداً غير واضحة تنصل منها كعادته، مع أن كثيراً من الدعم كان سيتوجه من خلال آليات ومعدات كانت ليبيا استخدمتها في مشروع النهر الصناعي (العظيم)، وكان طبيعياً لرجل من طراز القذافي أن يتنصل الجميع من مساندته، وفي مقدمة المتنصلين كانت دول افريقيا التي نصب نفسه ملكاً لملوكها ومؤسساً ملهماً لمشروع ولاياتها المتحدة.
المستغرب ليس أن يصل القذافي إلى السلطة في انقلاب الفاتح من سبتمبر 1969، ولكن ذروة العبث أتت مع استمراره في موقعه، أما الصعود والاستيلاء على الحكم بعشرات الضباط والجنود فكان يرجع إلى أن السلطة في ليبيا كانت، كغيرها من الدول العربية، متاحة لمن يتمكن من الوصول أولاً إلى الإذاعة ليعلن بيانه الأول، وكان السنوسيون الذين لعبوا دورهم في مرحلة واسعة من تاريخ ليبيا وصلوا إلى مرحلة حرجة جعلتهم يرتبطون بصورة أو بأخرى لدى العامة في ليبيا بالوجود الاستعماري الذي تحولت معه البلاد لقاعدة كبيرة للقوات الأجنبية ولتستحوذ فئات محدودة من الليبيين بامتيازات استثنائية بناء على علاقتها مع القوى التي تواجدت عسكرياً في ليبيا على الرغم من الاستقلال الشكلي في مطلع الخمسينيات، ومع أن نظاماً كالذي أرساه العقيد لم يكن لائقاً بقيمة ليبيا الاستراتيجية وطموحاتها الوطنية، إلا أن العقيد تمكن من المحافظة على موقعه لأكثر من أربعة عقود حاكماً مطلقاً لا ترد له إرادة أو مشيئة، فكان يشكل فروعاً وأجنحة في الجيش ليوزعها على أبنائه بما لا يختلف عن الأب الذي يحضر لأطفاله الملابس العسكرية والمسدسات البلاستيكية ليشعرهم ببعض الهيبة والسلطة التي تشلكت عن رجال الجيش والشرطة في المنطقة العربية، الفرق، أن تسلية القذافي وأبنائه كانت تكلف المليارات التي انضافت لعشرات المليارات الأخرى التي أهدرها القذافي هنا وهناك من أجل أن يستقبل (فاتحاً) بملابسه الغريبة المبهرجة.
ليبيا الدولة لم تكن محصلة لواقع جغرافي يفرض عليها أن تتشكل فيه بوصفها دولة مستقلة أو على الأقل يساعدها على ذلك، ليست جزيرة أو هضبة، كما أنها لم تتمكن من اختلاق شعب يعتقد بانفصاله بمزايا خاصة تجعله يسعى للحصول على دولته الخاصة، ولكن ليبيا أتت لتكون حلاً لاحتواء قبائل صعبة المراس سكنت المنطقة الممتدة من وادي النيل إلى الأجزاء الأكثر صعوبة من الصحراء الكبرى، هذه قريحة استعمارية ارتأت أن تبحث عن خرائط مربعة أو مثلثة تعبر عن تقاسم الأراضي بوصفها أوعية إنتاجية أو خطوط تماس عسكرية، دون أن تكون بالضرورة تمثيلاً لتطور تاريخي وحضاري متماسك لشعب ما، ووجد الليبيون أنفسهم بعد الاستقلال مندمجين على أساس ثلاث وحدات تحصلت تاريخياً على هويات مستقلة إلى حد ما، برقة وطرابلس وفزان، وكانت رؤية القذافي لليبيا استئنافاً لفكر المستعمر على الرغم من تقديمه لنفسه مناضلاً ضد الاستعمار ومنافحاً عن الاستقلال الوطني، فسيف الإسلام القذافي، النسخة المحسنة قليلاً عن أبيه لم يجد ما يدافع به عن شرعية الدولة في ليبيا سوى دورها في بيع النفط نيابة عن القبائل، ملوحاً بإصبع السبابة بما يفيد التحذير والتهديد أن زوال الدولة سيجعل مهمة بيع النفط مناطة بكل قبيلة على حدة، وذلك يوضح تماماً اللعبة أو الخديعة التي انتهجها القذافي طاعماً كاسياً للشعب الليبي ووكيلاً عنهم في بيع ثروات الأرض التي تصادف وجودهم عليها!!
سقوط القذافي والانهيار الرأسي لنظامه أعاد ليبيا إلى زمن الولايات الثلاث برقة وطرابلس وفزان، وخلال فترة وجيزة أصبحت ليبيا تخضع لحكومتين ومجلسين تشريعيين في بنغازي، طبرق مؤقتاً لغايات أمنية، وطرابلس في المقابل، وعلى الرغم من الاتفاق الأخير حول حكومة وفاق، فإن غفلة واضحة تعتري الجميع بخصوص الولاية الثالثة التي بقيت إلى اليوم في منطقة رمادية تغيب وراء اشتعال الموقف بشتى ألوان الخطر والغموض في برقة وطرابلس، فزان ربما تكون، وغالباً ما ستكون إن لم يلتفت العالم بجدية إلى واقعها، الأرض الجديدة التي ستشهد تلاقحاً وحشياً بين عصابات داعش وقطعان بوكو حرام، مسخاً جديداً متعدد الرؤوس يستغل تربة من الجهل والفقر والفوضى لينمو سرطانياً في أرض على قدر من الجدب والصعوبة بحيث تجعله يتسلل فيها كماء أريق على تراب.
داعش تنظيم يتبع منهجية حرب العصابات، موجود في كل مكان دون أن يكون موجوداً في مكان بعينه، تتأتى من هذه النقطة صعوبة القضاء عليه من خلال الضربات الجوية، وحتى لو نجحت هذه الضربات في تحويل سوريا والعراق إلى أرض محروقة بالنسبة للتنظيم فإن ذلك سيدفع عناصره للانسحاب تحت غطاء الفوضى ليصلوا إلى مناطق آمنة، ولكن دون أن يغامروا بالعودة إلى مناطق خروجهم حيث ستنتظرهم الأجهزة الأمنية التي بدأت تتخفف كثيراً من محددات الحقوق القانونية وتحولت للتعامل مع المتورطين في الأعمال الإرهابية خارج الأطر القانونية التي يمكن أن تمنحهم ثغرات للتهرب من تبعات جرائمهم أو على الأقل التخفيف منها، وعليه، سيبحثون عن أرض جديدة، فالعراق ورثت تركة أفغانستان، وليبيا تشهد من الأساس تواجداً كثيفاً لمناصري داعش وتمتلك سواحل طويلة يمكنها أن تستقبل آلافا منهم مثلما صدرت أعداداً غفيرة من المهاجرين غير الشرعيين لأوروبا خلال العقدين الماضيين، وفوق ذلك فهي تنفتح في فزان على الصحراء الكبرى التي يمكن أن يسلكها أتباع بوكو حرام والحركات المتطرفة في مالي والنيجر وغيرها من أجل الحصول على أرض جديدة تحمل تركة العراق وسوريا.
افريقيا معادلة أخرى، فالقارة من واقعها الجغرافي ليست على تماس مباشر مع أوروبا أو روسيا أو الصين أو القوى الإقليمية من الدرجة الثانية مثل ايران وتركيا، ومع ذلك فجميع هذه الدول تمتلك مصالح في افريقيا، ولكنها مصالح على قدر كبير من المرونة وخسارة هذه المصالح تضر بالدول الإفريقية أكثر من المستثمرين المتدفقين من مختلف أنحاء العالم، ولذلك فليس من المتوقع أن تلقي هذه الدول بثقلها لتنقذ منطقة فزان والجنوب الليبي بعامة من وجود كتلة ارهابية كبيرة وشرسة، ومع وجود حقيقة أن فرنسا تحاول أن تضرب وجود الجماعات المتطرفة في حديقتها الاستعمارية القديمة، فإن فزان والجنوب الليبي بعامة سيكون مخرجاً محتملاً لهذه الجماعات مع صعوبة أن تتوغل في المنطقة الاستوائية في افريقيا لطبيعة التركيبة القبلية المسيحية وأحياناً الوثنية، مع وجود مخاطر الأمراض المتفشية، وعليه، فإن العالم الذي يلتفت لبرقة الثرية بالنفط، وطرابلس القريبة من الشواطئ الأوروبية، يتناسى أن المشكلة الليبية تكمن في منطقة أبعد كثيراً مع نوعية مختلفة من المشاكل والتحديات التي تظهر في كل ما تشتمل عليه من تعقيدات قبلية بين العرب والأمازيغ (الطوارق) والأفارقة وواقع قضايا الفقر والجفاف والتنمية المتعثرة والبنية التحتية المهترئة.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق