خطاب «حالة الاتحاد» للرئيس أوباما ـ مراجعة للإنجازات والإخفاقات

ألقى الرئيس باراك حسين أوباما خطاب «حالة الاتحاد» الأخير الثلاثاء الماضي أمام جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب قدم فيه جرد حساب لما أنجزه لبلاده في السبع سنين الخوالي ووضع أمام الأمريكيين تصوره للسنوات المقبلة والاتجاه الذي يقترح أن تسلكه الدولة الأعظم في عالم اليوم كي تبقى قوية ومؤثرة وقائدة ومتفوقة في كافة المجالات. وكأي خطاب «حالة الاتحاد» يركز الرئيس على الإنجازات ويتجنب الإخفاقات ويرسم صورة غنية بالأمل والوعود.
قد أثير حنق بعض القراء العرب عندما أقر أن الرئيس الأمريكي أوباما حقق إنجازات عديدة لبلده وكأن المطلوب إظهار العيوب والنواقص والمثالب فقط وهو جائز في عالم الدعاية والسياسة الرخيصة ولكنه غير جائز في مجال الأكاديميا والبحث الموضوعي والنقد المسؤول، حيث يجب أن توضع الحقائق أمىام الناس دون تزوير أو تضخيم وتترك للمتلقي لتحليلها كما يريد. نحن قوم لا نرى الأمور إلا من منظارنا ومن خلال قضايانا وتوقعاتنا وتصوراتنا. وإذا كان المؤشر الذي به نحكم على رئيس ليس عربيا فشله في حل القضية الفلسطينية أو عدم شنه حربا بالوكالة لإسقاط النظام السوري أو عدم جديته في حربه على تنظيم «الدولة» فنكون إذن تجنينا على الحقائق وأفرغنا رغباتنا وهمومنا وعجزنا وتقصيرنا على الآخرين ورمينا اللوم على الغير لأننا أصلا لم نقم بواجباتنا القومية وفشلنا في حل صراعاتنا البينية وعجزنا عن منع تفاقم الخلافات بين البلد العربي والآخر من جهة وبين مكونات البلد الواحد من جهة أخرى. وإذا كنا ننتظر أن يأتي حل قضايانا من خارج حدودنا فسنبقى نهبا للقوى العالمية تمزقنا وتنهب ثرواتنا وتضربنا بعضنا ببعض وتحول دولنا إلى دول فاشلة وتمزق نسيج البلد الواحد. وهذا الذي يحصل الآن بالضبط.
رئيس أي بلد في العالم يجب أن يقيـّم حسب ما أنجزه لشعبه ووطنه والذين انتخبوه ووضعوا ثقتهم فيه لقيادة سفينة الوطن عبر الأمواج المتلاطمة والبحار العالية والقراصنة المتربصين والمطبات غير المتوقعة. وفي هذا المقال سأعرض أمام القارئ بعضا من الإنجازات والإخفاقات التي حققها أو فشل في تحقيقها أول رئيس من الأقلية السوداء ذات الجذور الأفريقية. رئيس ما زال واحد من كل ستة أمريكيين يعتقد أنه مسلم أو ليس أمريكي المولد أو الإثنين معا.
حالة البلاد عشية انتخاب أوباما وبرامج الإنقاذ
كي نقيم الأمور بطريقة سليمة يجب أن نتذكر الأوضاع التي خلفها الرئيس السابق جورج بوش والذي أوصل الاقتصاد إلى حافة الانهيار. وصفت الأزمة الاقتصادية التي كانت تعيشها الولايات المتحدة عام 2008 بالأسوأ منذ الانهيار الاقتصادي الكبير عام 1929 حيث ورط بوش والمحافظون الجدد البلاد في حربين كبيرتين في العراق وأفغانستان إستهلكت مليارات الدولارات وأغرقت البلاد في ديون فاقت 10.626 ترليون دولار. وكانت حرب أفغانستان تزحف على باكستان والوضع في القرن الأفريقي في حالة إضطراب وعناصر القاعدة تنتشر في الشمال الأفريقي والجزيرة العربية والصومال واليمن. داخليا، كانت الشركات الكبرى تعلن إفلاسها والبنوك تنهار وسوق المال ينحدر والسوق العقاري يكاد ينهار ومعدل البطالة زاد عن 10.5 في المئة ووصل سعر برميل النفط لأكثر من 145 دولارا الأعلى في التاريخ. ولم يمض على رئاسة أوباما أكثر من عام حتى غزا الشيب مفارقه وبدأ يفقد شيئا من حيويته واندفاعه.
كان مطلوبا من الرئيس الشاب عديم الخبرة أن يعمل على مسارين، إنقاذ الاقتصاد فورا وإخراج البلاد من حروب تورطت فيها. ومن ثم الالتفات إلى الوعود الأخرى التي قطعها على نفسه أثناء الحملية الانتخابية وهكذا كان.
بعد سبع سنوات في مقصورة القيادة من حقه علينا أن نذكر بعضا من أهم إنجازاته لبلده، وهي كثيرة، نلخصها في النقاط التالية:
1. أخرج البلاد من ورطتها في العراق وأفغانستان. لكن المستشارين العسكريين نصحوه أن يبقي على مجموعة من القوات في أفغانستان لأن النظام مهدد بالانهيار. لقد بر بوعوده الانتخابية لكن رياح المنطقة عادت وأجبرته أن يعود من بوابة العراق للقيام بعمليات جوية ضد تنظيم «الدولة» دون أن يورط الجيش الأمريكي في عمليات مواجهة. ويسجل لأوباما أنه أعاد 160.000 رجل وإمرأة تحت السلاح من العمليات الخارجية إلى بيوتهم.
2. سيسجل التاريخ لأوبامو أنه أول رئيس استطاع أن يجعل بمقدور كل أمريكي أن يحصل على تأمين صحي باعتماد برنامج سمي باسمه «أوباماكير» استفاد منه إلى اللحظة أكثر من 18 مليون أمريكي، رغم العراقيل التي وضعها الجمهوريون في وجهه.
3. الأوضاع الاقتصادية الآن في كامل عافيتها حيث انخفضت نسبة البطالة إلى 5.3 في المئة الأقل منذ سبع سنوات، وأضيفت 14.1 مليون وظيفة. أما العجز في الميزانية فقد خفضه بنسبة ثلاثة أرباع عما كان عليه عام 2009.
4. أنجز ما وعد به في موضوع الطاقة، إذ أصبحت الولايات المتحدة في عهده أكبر دولة منتجة للنفط ولم تعد بحاجة إلى نفط السعودية إن شاءت حيث إنخفضت نسبة البترول المستورد نحو 60 في المئة وانخفض سعر برميل النفط لنحو 30 دولارا وسعر الغالون للمستهلك إلى أقل من دولارين الأقل منذ 1988 بل توسع أوباما في إستعمال الطاقة المتجددة الشمسية والمولدة من الرياح وهي أقل تكلفة من المحروقات وقد بدأ التحول تدريجيا إلى الأنواع الجديدة من الطاقة وبالتالي أصبحت الولايات المتحدة أكبر دولة تخفض نسبة التلوث الناتج عن أكسيد الكربون.
5. استطاع أوباما رغم العراقيل الكثيرة أن يستوعب أربعة ملايين ونصف مليون مهاجر غير شرعي بعد أن أصدر مرسوما يتيح لجميع المهاجرين غير الشرعيين ممن لم يرتكبوا الجرائم البقاء في البلاد بطريقة شرعية.

في ميدان السياسة الخارجية

حققت إدارة أوباما ثلاثة إنجازات لا تخفى على عين مراقب: الاتفاق مع إيران حول البرنامج النووي وأصبحت إيران غير قادرة للاستمرار في برنامجها النووي حيث تقوم إيران الآن بشحن كميات اليورانيوم لديها إلى روسيا كما تقوم بدفن منشآتها النووية بالاسمنت. ومن يعتقد أن هذا ليس إنجازا يحسب لأوباما رغم الضغوط الإسرائيلية السعودية لضرب «رأس الأفعى» على حد تعبير الراحل سعود الفيصل، فهو خاطئ. مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية لن يتركوا حجرا في إيران دون أن يقلبوه ظهرا وبطنا للتأكد من إلتزامها باتفاق الخمسة + واحد الذي وقعه الطرفان في تشرين اثاني/نوفمبر الماضي.
الإنجاز الثاني والذي سيذكره التاريخ هو إعادة العلاقات مع كوبا بعد فشل 50 سنة من محاولة خنق الجزيرة الصامدة وعزل قياداتها الشجاعة والتي لم تكوع للضغوط الثقيلة التي مارستها كل الإدارات الأمريكية منذ جون كندي.
أما الإنجاز الثالث فيتمثل في «لطش» أوكرانيا من محور تبعيتها لروسيا وتوريط الروس في حرب القرم التي أدت إلى إنهاك الاقتصاد الروسي ثم زاد هذا التفاقم بعد تورط روسيا في سوريا حيث أصبحت تصارع اليوم على جبهتين هما آخر ما تبقى من نفوذ خارج حدود الدولة العملاقة. وفاقمت الأزمة الروسية سلة العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عليها مصحوبة بانخفاض متعمد لأسعار النفط ما أدى إلى أوضاع اقتصادية صعبة وانخفاض حاد لقيمة الروبل.
أما الإخفاقات في السياسة الخارجية فهي كثيرة، عدا عن عدم تمكنه من إغلاق سجن غوانتانمو، على رأسها فشلة المدوي في موضوع حل القضية الفلسطينية الذي وعد به بتاريخ 5 حزيران/يونيو 2009 في خطابه بجامعة القاهرة وكرره في خطابه أمام الجمعية العامة في عام 2010 عندما أكد أن الدولة الفلسطينية ستكون هنا في هذه القاعة في السنة المقبلة. لقد تم ليّ ذراعه وأجبر على أن يساوم على القضية الفلسطينية من أجل تمرير الاتفاقية الإيرانية. لقد بان ضعف أوباما أمام مدحلة اللوبي الصهيوني عندما تجاوز الكونغرس رئيس البلاد ودعا بنيامين نتنياهو للحديث أمام جلسة مشتركة ضد الصفقة الإيرانية.
أما فشله في سوريا فهو موضع خلاف. فهناك من يعتقد أن هذا الموقف المتذبذب غير المنطقي والمتغير دائما، مقصود والهدف منه إطالة أمد الحرب بهدف تدمير سوريا البلد خدمة لإسرائيل. والرأي الآخر يرى أن تعهد أوباما ألا يضع أقدام جنوده الأمريكيين في أرض الصراعات هو الذي قيد حركته وجعله مترددا مخافة أن يتورط في حرب برية تتحول إلى مستنقع آخر كالعراق وأفغانستان.
هذه الموقف من الحروب على الأرض والمواجهات جعله يعتمد على حرب الدرونز (طائرات بدون طيار) تديرها في غالب الأحيان وكالة المخابرات المركزية بالإضافة إلى الاغتيالات واستخدام القوات الخاصة كما حدث عند إغتيال أسامة بن لادن في باكستان وأنور العولقي في اليمن واعتقال أحمد أبو ختالة في طرابلس المتهم بإغتيال السفير الأمريكي في بنغازي في 11 ايلول/سبتمبر 2012.

الموقف من الإسلام والمسلمين

نحن الذين نعيش في المهجر الأمريكي نؤكد أن أوباما لم يدلِ بتصريح واحد يسيء للإسلام والمسلمين أو يتهم الكل بخطيئة البعض. ففي كل مرة تحدث واقعة يرتكبها مسلم يخرج أوباما ليدعو للتهدئة ويطالب بالتريث من أجل أن يأخذ التحقيق مجراه. ونؤكد كذلك أن الحوادث الإرهابية أو محاولات القيام بأعمال إرهابية التي جرت هنا في السنوات الثماني الأخيرة سواء في بوسطن أو سان برناردينو أو قاعدة فورتهود أو ميدان سكوير أو شيكاغو لو حدثت في عهد رئيس جمهوري على طريقة بوش أو المرشح الحالي ترامب لدفعت الجاليات العربية والإسلامية ثمنا باهظا. ونختم هذا المقال بما قاله أوباما في خطاب الاتحاد والسيد رفاعي حمو، أحد السوريين المهاجرين، موجود في القاعة بدعوة من الرئيس:
«علينا أن نرفض أي سياسة تقوم على إستهداف الناس بناء على أعراقهم وأديانهم. فالعالم يحترمنا ليس بسبب ترسانتا من السلاح بل بسبب تعدديتنا وانفتاحنا وللطريقة التي نحترم فيها جميع الأديان….فعندما يقوم سياسي بإهانة المسلمين، وعندما يتم تخريب مسجد أو عندما يتم تخويف طفل فلن نشعر بأمان أكبر. إن هذا وبصريح العبارة خطأ. بل انه يصغرنا في عيون العالم ويجعل تحقيق أهدافنا أصعب».

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز

عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية