قبل خمس سنوات كان العالم العربي يعيش موجة من الانبعاث والطاقة المتجددة والأمل، بانبلاج فجر جديد بعد نحو أكثر من ثلاثين سنة من الضياع والجمود والتراجع والهزائم والتشتت والحروب والاحتلالات والفساد. تلك الطاقة التي انبعثت في الأمة على إثر موجة الانتفاضات المتتالية التي انطلقت من سيدي بوزيد في تونس، ضد أعتى طغاة العصر، فيما سمي بالربيع العربي كادت أن تغير كثيرا من المفاهيم الراسخة التي كانت تعامل العالم العربي على أنه الاستثناء، لعالم يتجه كله نحو الديمقراطية والتعددية وسيادة القانون وتمكين الشعوب.
تعود تلك الذكرى هذه الأيام والعالم العربي يعيش أرذل أيامه، ربما منذ عهد المغول، الذين دمروا بغداد عام 1258، غير أن مغول اليوم لم يكتفوا بتدمير بغداد بل أجهزوا على سوريا والعراق واليمن وليبيا، والحبل ما زال منفلتا على غاربه.
ربيع فتح شهيتنا لعالم نتمناه
لقد فتحت تلك الهبّات الشعبية الصادقة شهيتنا لعالم عربي جديد وجميل، حنون على أبنائه شديد على أعدائه يستثمر خيراته في الإنسان ويوزع ثرواته على بنيه وبناته، ويبني مستقبلا لملايين الشباب الذين يبحثون عن لقمة عيش شريفة، فلا يضطرهم العوز وانسداد قنوات الأمل إلى هجرة أوطانهم. عالم عربي يفتح حدوده لأبنائه ويغلقها أمام أعدائه. عالم عربي يقلع أشواكه بيديه ولا يستنجد بالغريب ليقهر أخاه القريب. عالم عربي يضم بعضه بعضا ويوحد جهوده ويضع إمكانياته لإعادة الاعتبار لقضية العرب الأولى، التي همشتها أنظمة الفساد والخنوع. عالم عربي يتجه نحو التنمية الرشيدة التي تستثمر في الإنسان أولا، وفي استقلال الاقتصاد والفكاك من التبعية. عالم عربي يقوده شباب مثقفون واعون يعرفون علوم العصر ولا يضطرون لصباغة شعرهم كي يخفوا شيب الثمانين حولا أو أزيد. عالم عربي يفتح المجال للإبداع والمبادرات وينصف المرأة ويدمج الأقليات وتصبح المواطنة المتساوية حقيقة لا حلما، فلا يبقى فيه «بدون» ولا مهاجر بوثيقة سفر فقط، ولا مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، ولا أحد يـُعرّف عليه بأصوله أو دينه أو مذهبه، بل بوطنه وأمته. لكن الحلم شيء والواقع الذي وصلنا إليه الآن شيء آخر. بعد سنوات خمس عجاف تبدد الحلم وصحونا على واقع مرير ما زال الطغاة والعسكر والتكفيريون يهدون أركانه يوما بعد يوم. تبين لنا بعد خمس سنوات أنه بمقدار ما كانت الثورات أصيلة وحقيقية، إلا أن خيوط المؤامرات عليها كانت أكبر، وبدأت تحاك من أول يوم من أعداء الأمة وممثليهم الأكثر تخلفا ورجعية وقمعا حتى لا يصلهم الطوفان.
في هذه الذكرى الحزينة نسترجع الصورة التي جسدتها صرخات ملايين الشباب العربي قبل خمس سنين، ونقارنها بما نراه اليوم، بعد أن تمكن الطغاة وقوى الردة والرجعية والتكفيريون ومساندوهم من خارج الحدود من إجهاض أعظم حركة شعبية في العصر الحديث، التي لو كتب لها أن تنجح لغيرت وجه التاريخ وأدت إلى انبعاث جديد في أمة تكالبت عليها قوى الهيمنة الخارجية وقوى القمع الداخلية، كما قال الشاعر اليمني الكبيرعبد الله البردوني «فمن مستعمر غازٍ إلى مستعمر وطني».
ثورة أم مؤامرة؟
وقف العالم مشدوها نهاية عام 2010 وأوائل عام 2011 وهو يرى ملايين الشباب العربي وهم يتدفقون على ميادين الحرية والتحرير، في تونس والقاهرة وبنغازي وصنعاء والمنامة والرباط والجزائر ودرعا وحماة وعمان وصلالة والسليمانية والقطيف، ليعدلوا تلك الصورة النمطية التي كانت ترسم العرب على أنهم شعوب خاملة يقبلون بالضيم ويستمرئون الذل ويحولون القادة إلى أصنام يقبلون أياديهم. لقد رسمت تلك المسيرات المليونية صورة جديدة للشباب العربي المعتد بكرامته والمطالب بحقوقه في الحرية والكرامة والعيش الكريم والمواطنة المتساوية والتعددية وتناوب السلطة وسيادة القانون ورفض عصابات الفساد واحترام الحقوق الأساسية ومساواة الرجل بالمرأة.
إن الترويج لنظرية المؤامرة، التي تعتبر أن كل ما جرى حرفيا صنع في الخارج، إهانة للشعوب العربية التي نزلت بالملايين إلى الشوارع لتغلق ملف بعض الطغاة، نعتبره من الخطايا غير المغفورة. فمن غير المقبول أن نتهم هذه الملايين بأنها تتحرك بناء على تعليمات ديفد ليفي أو سركوزي أو السي آي أيه. إنها ثورات حقيقية شريفة حاولت جادة أن تحقق الانتقال السلمي نحو الدولة المدنية، رغم العديد من الأخطاء والمطبات. لكن قوى الشر لم تقف على السياج تتفرج، وعناصر الثورة المضادة لم تبق مكتوفة الأيدي بانتظار نجاح الثورة، بل انقضت عليها وهي ما زالت في طور البراعم، حتى لا يشتد عودها، فوقع الشباب فريسة العسكر والطاغية والتكفيري وبئر النفط والقوى المرتبطة بالخارج، وهكذا تم إجهاض الثورات جميعها، بينما ظلت تونس تمثل الاستثناء.
الأسباب الحقيقية لثورات
الربيع الربيع العربي عام2011
ليست المؤامرة من سبب هذا الانفجار المدوي، بل حالة اليأس ومسلسل الهزائم وتفتت الأمة بعد اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة، التي جرّت على الأمة وما زالت مصائب لا أول لها ولا آخر. بدأت الانقسامات تتعمق في جسم الأمة واشتعلت الحروب البينية والعابرة للحدود، وتغولت إسرائيل ووصلت ذراعها الطويلة إلى بيروت وبغداد وتونس ودير الزور ودبي. حرب أهلية في لبنان وحرب بين العراق وإيران وحروب إسرائيلية على غزة وحرب على لبنان أدت إلى رحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن آخر نقطة تماس مع العدو، وانهارت جبهة الصمود والتصدي، وكلل النظام العراقي مسلسل التفتيت باحتلاله للكويت، ما أعطى المبرر للولايات المتحدة، التي انفردت في موقع الدولة العظمى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أن تكبل العراق تحت طائلة العقوبات وصولا إلى الاحتلال المباشر. كوّعت منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيعها اتفاقية أوسلو الكارثية، تلتها اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. انفصل جنوب السودان عن السودان، ودخل العراق في ما يشبه الحرب الأهلية، وغابت مصر عن التاريخ والجغرافيا وكأنها غير موجودة. لقد استقر اليأس عميقا في النفوس، رغم محاولات فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين أن تنعش شيئا من الروح، إلا أن المواطن شاهد تدمير الجنوب اللبناني وغزة والعراق، وشاهد تلك الوجوه الكالحة لرؤساء تكلسوا على كراسيهم يقفون إلى جانب من دمر العراق وأحرق غزة والجنوب اللبناني. انتشر الفساد وأصبح التنافس بين رجال الأعمال على من ينهب البلد ويسرق ثرواتها ويكدسها في الخارج. وانتشر الفكر الظلامي المتخلف والفتاوى الغريبة المهووسة بجسد المرأة وتعداد عوراتها. تسيفي ليفني أعلنت الحرب على غزة من القاهرة يوم 26 ديسمبر 2008، والوفود الإسرائيلية تجوب البلاد في تجارة أو رياضة أو فن. لقد أصبح النظام العربي المحنط جزءا من مأساتنا اليومية، ويكفي أن نعرف أن الرؤساء الأربعة الذين أًسقطوا حكموا 128 سنة بمعدل 32 سنة لكل واحد منهم لنعرف حجم المأساة التي عاشتها الأمة.
صورة العالم العربي اليوم
بعد خمس سنوات تم إجهاض الثورات جميعا ما عدا تونس، التي رغم كثير من العثرات تمكنت من الوقوف أمام العواصف العاتية. استطاع العسكر في مصر أن يوقفوا مسيرة التحول السلمية نحو الديمقراطية، مستغلين فشل أول حكومة يقودها الإخوان المسلمون منذ إنشاء الحركة عام 1928، وتم التراجع عن كل ما أنجزته ثورة 25 يناير، بل أن فلول مبارك عادوا إلى الحكم وببطش أكبر وبشهية نهب أكثر، حيث نشر أخيرا (تقرير هشام جنينة 23 ديسمبر 2015) أن مجموع الأموال المنهوبة في السنوات الثلاث الأخيرة فقط تجاوز 600 مليار جنيه مصري. ولا يكاد يمر يوم بدون انفجار أو عملية إرهابية أو اغتيال. ليبيا تتقاسمها الميليشيات وبها حكومتان وبرلمانان وتنظيم «الدولة» يسيطر على مدينة سرت. واليمن تتجزأ ويصل عدد المحتاجين إلى مساعدات خارجية نحو 21 مليونا، أي 80٪ . ميليشيات الحوثيين وعساكر علي عبد الله صالح تقتل اليمنيين من الأرض، وطائرات التحالف تقتلهم من الجو، والشعب اليمني وقع بين فكي كماشة يحاول إسماعيل ولد الشيخ أن يخلصهم منها بدون فائدة. أما ثورة البحرين فأجهضتها قوات ما يسمى درع الجزيرة من باكستانيين وسودانيين وأردنيين.
سوريا ما زالت تحتل الموقع الأول في حجم الكوارث الإنسانية العالمية، لهول ما تعرض له الشعب السوري في السنوات الخمس الأخيرة، لدرجة أن سلاح التجويع حتى الموت دخل إلى جانب البراميل والصواريخ والملغمات والانتحاريين وجز الرؤوس . فقد وصل عدد المشردين داخليا وخارجيا نحو 13.5 مليون إنسان، أي ما يعادل سوري من بين اثنين إما لاجئ أو مشرد. زاد عدد القتلى عن 300000 وعدد السجناء يصل إلى 80000 وعدد الأطفال الذين انقطعوا عن المدارس أكثر من أربعة ملايين. تخردقت الخريطة السورية وأصبحت أشبه بقطعة جبنة سويسرية صفراء يتقاسمها النظام مع الجماعات الإرهابية. فلا النظام قادر على إعادة السيطرة على البلاد، ولا توجد معارضة ذات رؤية موحدة تعمل على إعادة تفعيل موقف سياسي موحد، ومع هذا سنبقى نأمل أن يكون جنيف 3، إن عقد، بداية حلحلة الحل السلمي للكارثة السورية.
أما العراق فقد أثمرت سنوات المالكي القاسية دولة مفككة قائمة على الفساد والطائفية وتغول الأجهزة الأمنية. فلا يعجبن أحد من سرعة انهيار تلك الدولة الهشة التي أورثها المحتل للمالكي وأورثها المالكي للعبادي مع أول تحدٍ حقيقي تمثل في قيام «داعش» باحتلال الأنبار ونينوى وأجزاء من صلاح الدين وديالى. لقد عجزت الدولة العراقية عن حماية الحدود والشعب والسيادة الوطنية فماذا بقي من الدولة.
والآن إلى أين؟
قد لا يختلف الكثيرون على أن إسقاط أربعة من أعتى الطغاة العرب يعد إنجازا عظيما في حد ذاته، ومكسبا للأمة العربية وشعوبها المضطهدة المهمشة والمسلوبة، إلا أن عملية الارتداد عن الثورات العربية ومهاجمتها وإعادة الاعتبار لبعض رموز العهود السابقة وإغراق بعضها في الدم أو الفوضى أو الطائفية المقيتة أو سيطرة التكفيريين أو قمعها بالقوة المسلحة قد تمت، وتم كذلك وقف زحف الثوارت بعيدا عن تلك البلاد حتى لا يحصل المحظور ويدخل نسيم الثورة كل مكان بما فيها «مدن الملح»، كما وصفها المرحوم عبد الرحمن منيف، ما أدى في النهاية إلى انفضاض كثير من الجماهير العربية عن الثورات، مفضلين بذلك الاستقرار والأمن على التغيير والديمقراطية.
إن خمس سنوات من عمر أي ثورة أو حركة تغيير جذرية، تعتبر أقصر من رمشة عين في كتاب التاريخ. فلا توجد ثورة تولد كاملة وتنتقل إلى الاستقرار فورا. فكما كانت مرحلة الميلاد طويلة وعسيرة، فلا شك أن الفترة الانتقالية التي تعبرها كل ثورة لتصل إلى شاطئ الاستقرار قد تطول وتقصر بناء على عوامل ذاتية وأخرى موضوعية خارج سيطرتها. فالقوى المعادية للثورة والقوى العميلة المرتبطة بأجندات خارجية، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة كلها تلعب دورا في تسريع أو تأجيل التحول النهائي نحو دولة الاستقرار والقانون والتعددية واحترام حقوق الإنسان والانتقال السلمي للسلطة، لكن تلك المرحلة آتية لا ريب فيها فالشعوب الحية لا تنتحر كما تعلمنا من كتب التاريخ.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز
د. عبد الحميد صيام