نحن العرب مشغولون بالفتنة وانواع الرشاش والرصاص .. ومن باعونا الرصاص مشغولون بالمعرفة وقلم الرصاص حكمة من نسج خيالي، ذكرتني بكوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة التي اطلقت مشكورة مصطلح ‘الفوضى الخلاقة’ على ما وصفته بدعم مسارات الديمقراطية في الشرق الأوسط وفق نمط سياسي ناعم وخلاق.. مبهورة بنتائج سقوط النظام العراقي السابق باعتباره حجرا في سد مائي عربي يؤرخ لسقوط حجارة أخرى وانهيارات شاقولية متتالية… لكن كوندي لم توفق في تقدير حجم الانهيارات ودرجات تسارعها وتوافقية النماذج الأفغانية الجديدة في سحبها على الجيولوجيا السياسية للشرق الأوسط وربما أمريكا وبدل إن تصدر تجربة كرزأي للعرب نسيت وقدمت لهم نسخة طالبان الإشكالية الجوهرية أن العرب لا يتعلمون من دروس التاريخ لان العلوم لديهم رفاهية تساعد على النوم ويعتقدون إنهم بثرواتهم الناضبة يمكنهم شراء الكون بيد أن العالم صار معجبا بهذا الكسب المشروع عن طريق تضخيم التهديد الذي يواجه حكام العرب فيتضاعف إنفاقهم العسكري وفسادهم العائلي الرسمي والتضييق على الحريات ودفع الشعوب إلى مخارج حادة تترك خروز وتراكمات سندفع ثمنها مستقبلا.
اعتقد أن إعدام صدام بتلك الطريقة الفجة والإخراج السريالي الدموي ساهم كثيرا في الاصطفاف الطائفي بين السنة والشيعة هدأت منه قليلا الحرب على لبنان ثم عاد في مشهد أكثر قبحا وتقيحا ليس غيرة على الدين والقيم السلوكية بل لان المسرح السياسي العربي صار يفتقد جمهوره إلى مواضيع سياسية جديدة ومقنعة ووجد الزعماء أن أفضل المواضيع هو التسنين الطائفي. هذه الفوضى الخناقة اكتملت بعد انطلاق موسم الجحيم في جميع الدول العربية وأعاد فقط توزيع الأدوار في المنتظمات الجديدة وتحول الحاكم السابق إلى مقهور والمقهور السابق إلى مشروع ديكتاتور بصندوق ديمقراطي.. رغم إن هتلر مثلا وصل الحكم عن طريق الصندوق، وتمثل حالتا تونس ومصر أكثر النماذج التي ساهمت في الشحن الإعلامي السياسي بين العلمانيين المتشددين والإسلاميين السلفيين وبين الإخوان والليبراليين مما دفع كل الإطراف إلى مخارج متعصبة لصالح الاستعباد والإلغاء والتشكيك في الأخر وهي أولى مظاهر الاستبداد والانسداد. المصريون والتونسيون والليبيون قالوا انهم صنعوا ثورتهم لكن المشكل أن الوزير في الحكومة المقالة اخذ منصبا جديدا في المشروع السياسي الجديد باعتباره ثوري والمساكين والفقراء حافظوا على فقهرهم القهري وحال جميع الدول العربية حقيقة يدعو للأسى والاكتئاب من نهاية مشاريع ناصرية بومدينية إلى هذا الشكل المخزي من الولع بالاستعمار وبتوصيف سياسي وفتاوى حول تسخير ‘الكفار’ لخدمتنا ويعيشون فوضى خنقت أحلامهم وآمالهم وسكناتهم وأرواحهم أما ليبيا وسوريا فقد انتقلت من الفوضى الخناقة إلى جهنم مباشرة.. والسخرية أن العرب يتمنون أشياء لا يعملون وفق مساراتها كحال من يتمنى الموت ساجدا ولم يصلي في حياته ركعة واحدة وعلى نقيضه مجاهدو الحور العين ممن لا ترضاهم عجوز في السبعين.
لحسن حرمة – الجزائر