مثيران للجدل تعتبرهما الحكومة ضرورة والإعلاميون يرونهما تكميما: البرلمان الموريتاني يجيز قانوني مجتمع المعلومات والجريمة السيبرانية

حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»:بعد أخذ ورد طويل وبعد جدل ساخن استمر عدة أشهر، أجاز البرلمان الموريتاني نص القانون التوجيهي لمجتمع المعلومات المعروف بقانون «الميمات الثلاث» كما أجاز قانونا يتعلق بالجريمة السيبرانية.
وفيما أعتبرت الحكومة الموريتانية «أن سن هذين القانونين ضرورة لتنظيم قطاع المعلومات المتشعب» يخشى الإعلاميون الموريتانيون والمدونون أن يتحول النصان القانونيان إلى سيفين مسلطين على رقابهم.
ودافع الناني ولد اشروقة وزير الصيد والاقتصاد البحري وزير التشغيل والتكوين المهني وتقنيات الإعلام والاتصال وكالة أمام النواب، عن القانون التوجيهي لمجتمع المعلومات مؤكدا «أنه يهدف إلى رسم التوجهات الكبرى للمجتمع الموريتاني للمعلومات، وبخاصة التوجهات المتعلقة بوضع الأسس القانونية والمؤسسية».

القانون الضرورة

وأشار الوزير «إلى أن ظهور مجتمع المعلومات الذي فرضته الثورة الرقمية في ظرفية العولمة يستلزم وضع استراتيجية وطنية ومنظومة قانونية تواكب تطوير التقنيات الرقمية» مضيفا «أن موريتانيا اعتمدت استراتيجية وطنية لعصرنة الإدارة وتقنيات الإعلام».
وأكد «أن مشروع القانون التوجيهي لمجتمع المعلومات يرتكز على ثلاثة محاور تضع تعريفا محددا لمواصفات المجتمع الموريتاني للمعلومات وتأخذ في الحسبان النظام العام والأخلاق الحميدة والقيم الدينية والثقافية للمجتمع الموريتاني، إضافة لوضع الإطار المؤسسي وتحديد آليات التمويل».
وأوضح «أن إنجاز المشاريع الهامة للبنى التحتية لتقنيات الإعلام والاتصال يهدف إلى ربط المدن الكبرى بشبكة الانترنت، ومن خلال ذلك نفاذ جميع المواطنين وعلى مستوى كافة التراب الوطني لخدمات الاتصال».
وقال «إن ربط موريتانيا بالشبكة الدولية ذات التدفق العالي للمعلومات عبر الكابل البحري، ستنجم عنه وقائع جديدة ومسلكيات محظورة.

الجريمة السيبرانية

وأضاف «أن جرائم المساس بحريات الأشخاص والجرائم المخلة بالقيم والأخلاق لم يتم التعرض لها في القانون إلا من خلال مادتين تتعلق الأولى منهما بحماية الأطفال، والثانية بمحاربة الإرهاب، مشيرا إلى أنه باستثناء هاتين المادتين لا توجد أي مواد تتعلق بالجريمة السيبرانية».
وأبرز «أن قانون مجتمع المعلومات والجريمة السيبرانية جاءآ لسد هذه الثغرة ووضع منظومة قانونية لمحاربة الجريمة السيبرانية بعد أن كانا موضع تشاور مع كافة الجهات المعنية وهو ما سيسهم في اتساع مجال فرص تبادل المعلومات والاتصال».

مخاوف ومخاوف

وبخصوص المخاوف التي يثيرها القانون الجديد إزاء حرية التعبير وحرية الصحافة يقول المحامي محمد المامي ولد مولاي علي «إن القانون الجديد ألغى مستوى الحريات التي أتاحها الأمر القانوني رقم 017/2006 حول حرية الصحافة، والتعديلات اللاحقة له».
وأضاف في قراءة قانونية للنصين «تناول القانون الجديد الجرائم المرتكبة بكل وسائل البث العمومي، معرفا وسائل البث العمومي في المادة 27 بأنها: (الإذاعة والتلفزيون والسينما والصحافة والملصقات والمعارض ونشر المكتوبات أو الصور من كل نوع، والخطابات والأغاني والصيحات والتهديدات التي يطلقها في أماكن أو اجتماعات عمومية، وكل منظومة تقنية موجهة لبلوغ الجمهور، وعموما كل وسيلة اتصال بطريقة الكترونية خاصة الانترنت والهاتف)، بينما نجد المادة 4 من الأمر القانوني المتعلق بحرية الصحافة يعرف الهيئات الصحافية بأنها :(الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون ووكالات الصحافة التي تبث بشكل منتظم معلومات عامة أو متخصصة)، ثم أضاف التعديل: (الصحافة الالكترونية) ومن هنا يظهر التطابق بين مجال تطبيق قانون حرية الصحافة وتعديلاته التي ألغت عقوبة حبس الصحافيين، ومشروع قانون الجريمة السيبرانية».

مقارنة مع قانون الصحافة

وقال «إن هذا التطابق يظهر أيضا من خلال مضامين النصين، ومن أمثلة ذلك جرائم القذف والتجريح المتضمنة في المواد 35 و مابعدها من الأمر القانوني المتعلق بحرية الصحافة، والتي تناولها مشروع القانون في المادة 21، وكذا «تبرير جرائم الحرب والإبادة المنصوصة في الفقرة قبل الأخيرة من المادة 33 من الأمر القانوني المتعلق بحرية الصحافة، والتي تناولها مشروع القانون في المادة 22»، وتعليق الصحيفة أو الدورية بعد صدور الإدانة، المنصوص في المادة 65 من الأمر القانوني المتعلق بحرية الصحافة، والذي تناولته المادة 30 من مشروع القانون».
ويضيف المحامي مولاي علي «ومن هنا يظهر، تطابق النصين في مجال التطبيق وموضوعه، وبالتالي فإن مشروع القانون هذا، في حالة المصادقة عليه، يلغي مقتضيات الأمر القانوني المتعلق بحرية الصحافة وتعديلاته المخالفة لهذا المشروع، ويجعل إلغاء عقوبة الحبس عن الصحافيين ورق قديم، أو في أحسن الأحوال منسوخة معنى مطبق عليها لفظا».

مشكلة الضبابية

وتحدث في تعليقه على القانون عما سماه الضبابية في العبارات فأوضح «أنه في مجال التقنين الجزائي، تحرص التشريعات على الدقة في التعبير بحيث لا يسمح بتعدد التفسيرات والمفاهيم، باعتبار حساسية التجريم لمساسه بالحريات، وبإعتبار أن مبدأ الشرعية الذي يقوم عليه القانون الجنائي، يفترض أن يكون الجرم واضحا محددا في ذهن كل فرد قبل القيام به- ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة- لذلك لا يقبل التوسع في التفسيرات في مجال التجريم بخلاف أسباب الإباحة وموانع المسؤولية».
وقال «مما يؤخذ على القانون الجديد أنه يتضمن عبارات ضبابية عائمة تفتح المجال واسعا لاختلاف التفسيرات ولاتخاذها ذرائع لتقييد الحريات من ذلك مثلا ما ورد في المادة 2 حين عرفت البيانات العنصرية والمعادية للأخر ب: (الأفكار والنظريات التي تطري أو تشجع الكراهية أو التمييز أو العنف)، وعبارة (أفكار أو نظريات معادية للغير) الواردة في المادة 10، و(المساس بالأخلاق الحسنة) الواردة في المادة 28».

ملاءمة العقوبة للجرم

وتوقف المحامي علي عند مسألة التشديد في العقوبات دون أن تلائم الجرم فأوضح أنه «حيث وردت في القانون عقوبات قاسية تصل إلى سبع سنوات في أغلب الأحيان، دون مراعاة مبدأ جسامة العقوبة تبعا لجسامة الفعل، ومن ذلك مثلا معاقبة الافتراء والسب وإفشاء الأسرار في المادة 21 بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وبغرامة مالية، خلافا لما ذهب إليه قانون العقوبات الذي يعاقب الإفتراء فقط لدى الضباط القضائيين بهذه العقوبة في المادة 348، بينما تنص المادة 349 على أن السب أو عبارات الإهانة التي ليس لها طابع مضاعف بسبب الخطورة والعلانية لا يترتب عليها إلا عقوبات المخالفات البسيطة».
«وإذا كان الضرب والجرح العمدي ضد الأفراد، معاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات طبقا للمادة 285 من القانون الجنائي، فكيف تعاقب المادة 21 من القانون الجديد مجرد السب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات؟».

القصور الإجرائي

وتحدث عما سماه «القصور الإجرائي» فأوضح «أن الفقرة الأخيرة من المادة 21 من القانون على أن :(كل من يستمر في إرسال رسائل نصية أو صور أو في أي شكل الكتروني، من خلال نظام معلوماتي للبث العام أو بأي منظومة تقنية أخرى، رغم إنذار شفوي أو مكتوب موجه له بالتوقف عن ذلك، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وبغرامة..)، ولم تبين المادة سبب الإنذار ولا إجراءاته ولا السلطة المخولة لإصداره»، حسب توصيف المحامي.

قانون فضفاض

ويقول المدون الموريتاني البارز أحمد ولد جدو «أن القانون الجديد عبارة عن مجموعة من المواد القانونية الفضفاضة سهلة التأويل وحمالة الأوجه، تتيح للقاضي تكييف التهمة التي يريد حسب مزاجه ومزاج السلطة»؛ «فمثلا، يضيف جدو، تأتي المادة 11 من مشروع قانون مجتمع المعلومات الموريتاني لتقول أن القانون جاء لتنظيم هذا الفضاء وفق الأخلاق من دون تحديد لها وهي مقدمة لسياسة التمييع».

حبس في قضايا النشر

وأضاف «تلغى المادة 18 من القانون كلما يخالفه، أي أن قصة عدم ملاحقة الصحافيين في قضايا النشر أصبحت في خبر كان، لأن هذا القانون يتضمن الحبس في قضايا النشر والتعبير عن الأفكار والقانون حسب المادة 27 عبر : (الإذاعة والتلفزيون والسينما والصحافة والملصقات والمعارض ونشر المكتوبات أو الصور من كل نوع، والخطابات والأغاني والصيحات والتهديدات التي يطلقها في أماكن أو اجتماعات عمومية، وكل منظومة تقنية موجهة لبلوغ الجمهور، وعموما كل وسيلة اتصال بطريقة الكترونية خاصة الانترنت والهاتف).
وتابع المدون انتقاده للقانون الجديد فأكد «أن المادة 28 من مشروع القانون المتعلق بالجرائم السيبرانية تخبرنا أن أي شخص معرض للحبس من 6 أشهر إلى 7 سنوات أو بما يتراوح بين 500.000 أوقية إلى 5.000.000 أوقية، وذلك حين يخالف «الأخلاق الحسنة «وهو نزوع إلى الضبابية، فمن يحدد تلك الأخلاق الحسنة ؟.

تشريع التجسس

وأشار المدون إلى «أن القانون يشرع كذلك لتجسس النظام على مستخدمي الشبكة وفرض وصايته على مزودي الخدمة ويجعلهم تحت رحمته ويجبرهم على إعطائه كل البيانات التي يريد، وهو ما يخالف ميثاق مبادئ وأساسيات حقوق الإنسان على الشبكة الذي أصدره التحالف الدولى للحقوق والمبادئ على شبكة الانترنت والذي ينص على أن الخصوصية حق مقدس وأن مزودي الخدمة لا يجب أن يخضعوا لوصاية أي دولة أو أي جهة أخرى» .
والمضحك في القانون، هو أنه تحدث في بعض جوانبه عن الملكية الفكرية وتشدد فيها، وفي الوقت نفسه بعض من أجزائه مسروق بالحرف والفاصلة والنقطة من القانون السنغالي».

السجن في قضايا النشر

وتناول المدونون الموريتانيون بالنقد والتحليل مضامين قانون المعلومات وذلك منذ نشر مشروع نصه الأول عام 2014 حيث اعتبر المدون والناشط الموريتاني سيدي ولد محمد الأمين «أن المادة الثامنة عشرة من قانون مجتمع المعلومات هي الأخطر حيث أنها تلغي كل ما يخالف القانون الجديد وبالتالي يصبح القانون القاضي بمنع سجن الصحافيين في قضايا النشر ملغيا».
وتحدث المدون والناشط الموريتاني الحسين ولد محمد عمر عن «فرض مجموعة من القوى التقليدية قوانينها على الغلبية».

تكميم الأفواه

وطالب الشاعر الموريتاني المعروف الشيخ ولد بلعمش في تدوينة له «المثقفين الموريتانيين بالوقوف ضد القانون واعتبر أنه جاء لتكميم الأفواه وذلك قبل أن يضيف «بقراءة سريعة للإطار القانوني للمجتمع الموريتاني للمعلومات، يتضح أن صون الحريات في هذا البلد ليس قضية مبدأ بل إنه قولة مرتبطة بالطقس السياسي والإقليمي، كما يظهر بوضوح أن القانون رسالة تهديد إلى كل من يقول رأيا مخالفا لهوى السادة، وكأنهم يقولون نحن لم نستخدم القوة بعد».

الأسماء المستعارة

وتوقع الشاعر ولد بلعمش «أن تتضاعف أعداد الأسماء المستعارة، وأن تحدث حالة انفلات في السلوك والمفردات القدحية» مؤكدا أن «هنالك خياران لا ثالث لهما أمام الحكومة: إما أن تكون مقتنعة بحرية التعبير والرأي فذلك حق الناس وواجبها لا السماح علنًا بذلك والتسلل في الظلام لمضايقة الناس في حقوقهم وأرزاقهم كما فعلتْ مع كثيرين من الذين يرتادون هذا الفضاء، أو أن تكون منزعجة من نفثات المهمومين على صفحاتهم فلتغلق هذا الفضاء».
وقال «ليس هذا ليس رأي منتمٍ سياسيًا كما قلت أكثر من مرة ولكنه نطق باقتناع، فحق الناس في البوح والحلم والحديث حق مقدس، أدين هذا القانون وأدعو كل المثقفين والشعراء والكتاب وكل ذي قلم إلى إدانة هذا القانون».
وفي تعليق آخر يقول المدون النشيط مولاي عبد الله «إن مشروع قانون الجريمة السيبرانية عبارة عن 79 مادة تشرع للحكام وأعوانهم التسلط على الناس وكبت الحرية وإذلال الشعب واعتقال المنتقدين بذرائع لا تحصى».
وأضاف «إذا أقر هذا القانون فإن كل ما يكتبه الإنسان في موريتانيا أو يقوله أو ينشره ضد السلطة يمكن أن يحمله إلى السجن أو يعرضه للغرامة المالية؛ هذا قانون تسلطي فرعوني ترهيبي تكميمي».
كل هذه الآراء لم تمنع الحكومة ولا البرلمان من إجازة قانون الميمات الثلاث وقانون الجريمة السيبرانية باعتبار ذلك ضرورة في مجتمع مقبل على استخدام الانترنت بشكل كبير.

عبد الله مولود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية