مشكلة اختيار طائفة ممثلي الأخرى… ومشكلة البديل

حجم الخط
0

أن تختار طائفة غالبية ممثلي الطائفة الأخرى فهذه مشكلة ما عاد جائزاً المكابرة عليها أو تمييعها في لبنان. إنّها مشكلة فخّخت «الجمهورية الثانية» المنبثقة عن اتفاق الطائف، ثم عادت وحكمت على تحالف «14 آذار» بالتشظي وصولاً إلى الانشطار الأخير.
استحضر أكثر من مبرّر لتجويز اختيار طائفة ممثلي الطائفة الأخرى في العقدين الأخيرين. منها، في حقبة الوصاية السورية، تحقيق «الانصهار الوطني» والخروج من «القوقعة».
وكذلك ما نص عليه اتفاق الطائف من اعتماد المحافظة كدائرة انتخابية، علماً ان ما من قانون انتخاب بعد الطائف اقتضى بهذا المبدأ دون زغل وانتقائية واستنسابية بحسب المناطق، ومع التذكير بأن الطائف ربط دائرية المحافظة باعادة النظر بالتقسيم الإداري.
وبعد انتهاء الوصاية، تجدّدت حجة الخروج من «القوقعة» أيضاً، ونبذ التطرف لتجويز اختيار ممثلي طائفة من لدن أخرى. لكن التطرف هنا لم يكن المقصود منه فقط التطرف في الطائفة المراد اختيار ممثلين لها برافعة الطائفة الأخرى. وانما لتقوية خط الاعتدال ضد التطرف والغلو في الطائفة المناط بها حسن الاختيار.
«المناصفة الإسلامية المسيحية» استحضرت لقول الشيء ونقيضه هنا أيضاً. في الجانب المسيحي، وفي الموسم الانتخابي الذي تلى الجلاء السوري عام 2005، شدّد مجلس المطارنة الموارنة على فهم للمناصفة، يعتبر ان حصة المسيحيين ينبغي ان يقررها المسيحيون. وفي المقابل، اعتبرت «المناصفة» في خطاب الاعتدال الإسلامي على أنها ترتبط بمركزية الاختيار التمثيلي في مقابل «وقف العد». ووقف العد هذا بات مقولة تستحضر في خطاب الغمز للايحاء بأن نسبة المسيحيين من المسلمين في لبنان ستزداد تناقصاً بشكل حتمي، وأن ليس من صلاحيات الدولة أو من مهامها الاستفسار عن هذا التفاوت الديموغرافي وان كان من عناصر واقعية ووازنة لمداواته، وكما لو انه يرتبط بدينامية بيولوجية أو بدينامية تبشيرية أو دعوية مثلاً.
أدت هذه الاشكالية إلى امتناع الاستقرار على قانون انتخاب في الجمهورية الثانية. فكل استحقاق كان «يهتدي» عشيته فقط إلى قانون انتخابي استنسابي.
إلى ان اتفقت الاطراف عشية الموعد الدستوري الاعتيادي الاخير لانتخابات نيابية، اي عام 2013، ان لا عودة إلى ما قبل مهما كان، وبالذات إلى «قانون الستين» الذي اعتمد عام 2009، ثم اختلفت هذه الاطراف بين اجماع مسيحي زائد حزب الله، يرى منطق «كل طائفة تنتخب نوابها»، في مقابل موقف سني ودرزي، وايضاً من تيار رئيس المجلس النيابي نبيه بري رافض لهذا، بحجج «لاطائفية» اعتبرها المسيحيون طائفية بامتياز، مثلما كان مفهوماً بأن موقف «حزب الله» المؤيد للطرح المسيحي آنذاك استظل بواقع انه الطرف المهيمن في المعادلة وبمقدوره أن يقدم تنازلات شكلية ليس بمستطاع «تيار المستقبل» تقديمها للمسيحيين.
منذ الاختلاف بين «تيار المستقبل» و«القوات اللبنانية» على قانون الانتخاب عام 2003، على خلفية مشروع «القانون الارثوذكسي» المطروح يومها، لم يعد هناك استمرارية سياسية جدية لقوى 14 اذار. لكن الامر احتاج لثلاث سنوات اضافية للانتقال من حالة التصدع إلى حالة مضاعفة من التردي في العلاقات بين هاتين القوتين، وصولاً إلى الترشيحين الحاليين اللذين يستفز فيهما كل واحد الآخر: «المستقبل» بترشيح سليمان فرنجية، الموالي المزمن لنظام آل الاسد، والقوات بسحب ترشيح رئيسها سمير جعجع لصالح العماد عون، مع ان ترشيح جعجع حرّك في الاصل لقطع الطريق على ما كان مطروحا ولو بشكل اولي وقتها من احتمال سير «المستقبل» بعون، لولا الفيتو السعودية.
يبقى ان بعض «المناحة» على «قوى 14 اذار» في غير محله. تحديدا لأنها في موضوعنا هنا، اختيار طائفة لممثلي الاخرى، استطاعت تحقيق شراكة من فوق، على مستوى رزمة الزعامات الاساسية، في حين لم تستطع التوصل إلى اجماع داخلها على قانون انتخابي «استقلالي» يجسد القيم الاساسية التي قام عليها هذا التحالف، لا في اوجها، ولا في خريفها، لكن اسوأ ما في الامر، انه قلما اثير هذا الموضوع بجدية، في مقابل طفرة الدعوات التحميسية، و«الاستنهاضية»، والمحاولات «النقد ذاتية» في 14 اذار.
هل يعني ان كل ما ارتبط بهذا العنوان الكبير انتهى اليوم؟ لا. بمجرد ان نزعات حزب الله الهيمنية الفئوية المسلحة والمرتبطة بإيران وسياساتها تجاه الشرق العربي هي مشكلة حقيقية، وبمجرد ان مسألة الاحتكام إلى السلاح في الداخل اللبناني هي مشكلة اساسية، والنظر في امر الاغتيالات التي حدثت، من خلال المحكمة الدولية، ليس مجرد كماليات في الوضع اللبناني من هذا الجانب. عدا ذلك، لم يكن لهذه القوى من معالجة لاشكالية أماتت الجمهورية الثانية ثم عادت وفجرت «الحركة الاستقلالية» نفسها. مشكلة اختيار طائفة ممثلي الطائفة الاخرى، ومشكلة ان الطرح الذي يرى بأن تنتخب كل طائفة نوابها على حدة، وتختار طائفة رئيس الجمهورية لوحدها، والثانية رئيس الحكومة لوحدها، وتؤبد رئاسة مجلس النواب في شخص نبيه بري بالنسبة للحالة الثالثة، ليست حلاً، وانما انفعال على هامش مشكلة.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية