إيران الأخرى: وردة السنتيفوليا

في حياة كثيرين منا كتب نديم قراءتها ونلزم صحبتها، وربّما صرفنا عنها عارض من الحياة أو طارئ؛ إلا أننا نعود إليها لنكتشف فيها كل مرة، ما لم نكتشفه في سابقتها. من هذه الكتب رباعيّات الخياّم (1044/ 1124م) التي شغفت بها منذ زمن بعيد. وأظنّ أن تأثيرها في كثير منّا، ليس ممّا يندثر أو يزول بسهولة.
منتصفَ التسعينيات من القرن الماضي، التقيت في مرسية باسبانيا؛ في»عيد الشعر العالمي» الشاعر المصري بدر توفيق (1934/2014). وهو من جيل الستينيات. وكنّا العربيّين الوحيدين من بين أكثر من مئة شاعر، فتلازمنا ملازمة صديقين قديمين.
وفي الراحل بدر ناحية إنسانيّة ملحوظة ورقّة طبع، يسّرتا لي أن أتحدّث اليه في موضوعات شتّى. وكان معنا شاعران من إيران: رجل وامرأة. وقد قادنا الحديث إلى «رباعياّت الخيام»؛ فإذا بدر يخبرني أنّه ترجمها نثرا عن إدوارد فيتزجرالد الشاعر الإنكليزي المعروف (1809/1883)، ووعدني بنسخة منها في أوّل فرصة أخرى تجمعنا. ولكنّنا لاحظنا من نبرة الشاعر الإيراني أن الخيّام شاعر إشكاليّ في إيران، فله أنصار مثلما له خصوم. ومن المعروف أن مؤّلفات الخيّام، حرّمت في حياته، في المدارس والجامعات، بل أحرقت؛ باعتبارها مخالفة للشرع. وربّما لم يعد بالميسور، لهذه الأسباب وغيرها، أن نعيد ترتيب القراءة في هذا الشعر وفي غيره، أو أن نتميّز تلك الأزمنة الثـّلاثة التي يقول بها الآخذون بـ»جماليّة التلقّي» التي يمكن أن نستدلّ بها على مدارج القراءة والطّريقة التي تتقدّم بها إلى النصّ، وهي: الإدراك أي اكتشاف النصّ، والفهم أي استذكار النصّ أو استعادته، على نحو يتملاّه لا في مجرى اكتشافه، وإنّما من حيث هو كليّة معطاة، فالتّأويل يعيد النصّ إلى أفق كتابته من جهة، وإلى شتّى آفاق القراءات المتعاقبة عليه من جهة أخرى. وربّما لا مسوّغ لهذا الموقف، سوى غياب ما يسمّى بـ»التّصفّح الزّمني»لا في قراءات القدماء فحسب، وإنّما في قراءاتنا ـ نحن المعاصرين ـ أيضا للخيّام وغيره.
ولعلّ هذا ممّا جعل الخيّام غائبا في شتّى مراحل الدراسة، في «إيران الإسلاميّة»؛ إذ لم تُقرأ تجربته في سياقها التاريخي، أو ربّما لأنّ هذه الرباعيّات هي في تقدير الذين لا يفصلون بين الخطاب الشعري والخطاب الديني؛ من الكلام «غير المفيد» أو»الهذر» أو»اللّغو» عديم الجدوى، أو ربّما لأنّ الخيّام يتحدّر من أصول عربيّة، كما يقول بعض المستشرقين الألمان؛ وأنّ أسرته التجأت إلى منطقة خراسان، هروبا من العنف الديني السياسي.
أمّا إذا انتقلنا إلى الخاصّ الشّعريّ، فإنّ الخطاب الشعري حتى لو نُعت بـ»غير المفيد» فعل لغويّ «ترابطيّ» أو «علائقيّ» خالص، فقد يقارب الهمس أو السّرّ أو النّجوى، وقد يلامس الصّائت من الكلام، وكأنّه يحلّ محلّ الصّمت؛ بل لعلّه في الرباعيّات أشبه بالموسيقى التي يمكن أن يسمعها المرء من دون أن يستمع إليها، أو بصلاة الجماعة وما يتخلّلها من تلاوة أو ترانيم كثيرا ما تؤدّى بصورة لا إراديّة. لعلّ ميزة الخيّام، ومزيّته أنّه لا يبحث عن شكل من التّماثل أو المحاكاة في الصورة، وإنّما يحاول أن يبلغ بها منطقة تتجاور فيها الأشياء أو يتلبّس بعضها ببعض؛ وهو يفلح في ذلك؛ ربّما لمعرفته بالعربيّة أيضا وبآدابها، وهي لغة «رياضيّة» وله شعر بها. وربّما لاحت الصورة عنده تركيبة انفلات تجعلها تتوارى حتّى على تشكّلها الخاصّ. ولكن قد يكون من المفيد ها هنا أن نقرأ هذا الشعر من حيث هو مدوّنة واحدة، وإن تعدّدت الأصوات وتنوّعتْ، بل قد لا تكون الرباعيّة الواحدة، متى تملّيناها في أبعادها الزّمنيّة؛ سوى «قصائدَ» تشكّلُ اللّحظاتُ الزّمنيّةُ مجتمعةً، مختلفَ عناصرها ومكوّناتِها.
شتاء 1996 كنت في القاهرة للمشاركة في الاحتفال بها عاصمة للثقافة العربيّة، وكان بدر هو الذي قدّم الشعراء في أمسية الافتتاح (محمود درويش وسعدي يوسف وسامي مهدي وعبد اللطيف اللعبي وأحمد عبد المعطي حجازي وشوقي بزيع وصاحب هذا المقال). وفي الفندق كان بدر أنيقا كعادته، إلاّ أنني لاحظت أنّها أناقة «زائدة عن اللزوم» فاستفسرته ضاحكا. فقال نسيت أن أخبرك أنّني تزوّجت، أنا الذي أضربت عن الزواج حتى الستين؛ ورهنت حياتي للكتابة، ثم أهداني مجموعة من كتبه وترجماته: ديوانه «اليمامة الخضراء» وسونيتات شكسبير» الكاملة و»رباعيات الخيام» (مع النص الإنكليزي). وهي إحدى الروائع الخمس في كلّ ما تمّت ترجمته إلى الإنكليزيّة: الإنجيل وأفلاطون لجوديت، وهوميروس لتشابمان، وهوميروس لبوب، وهذه الرباعيّات لفيتز جيرالد.
ولقد أحببت هذه الترجمة، خاصّة أنّني لم أحبّ قطّ الشعر الأجنبي مترجما إلى العربيّة؛ في وزن وقافية. وبدر شاعر ذو حسّ مرهف، يدرك أن الشاعر – متى استتبّت له الأدوات- هو خير من يترجم الشعر. وأقدّر أنّه أثبت ذلك في حديثه عن الشاعر الإنكليزي فيتزجرالد الذي ظلّ يتعهّد الرباعياّت من طبعة إلى أخرى؛ حتى أصدرها في شكلها الأخير وقد استوفاها كأتمّ ما يكون الشعر.
ومن يومها صار هذا الكتاب في ترجمته هذه، لا يفارق مكتبي . وصار الخيام مثل فيتزجرالد مثل بدر، رفيقا غامضا – كظلي- يمسك بالريشة ويكتب، أو يحدّثني بصمت أقلّ. اكتشفت الخيام، كأنّني لم أقرأه من قبل. ولأوّل مرّة، وجدتني لا اطمئنّ لذاكرتي التي لم تهرم. فأنا أحبّ لهذا الشعر أن يظل مثبّتا في فضاء الكتابة، لا على لوح الذاكرة. وصرت أصوّر لنفسي أيّ روح كانت تسكن جسم الخيام، وهو في الثامنة والأربعين؛ وقد فقد كلّ شيء: مرصده في نيسابور الذي سمّاه «بيت النجوم»، حيث أنجز تقويما شمسيّا بدل التقويم القمري، يضاهي في دقّته التقويم الجريجوري المستخدم الآن.. صديقه «رحيم» الذي استشهد في معركة اشتركا فيها، في أواخر عهد السلطان ألب أرسلان.. ياسمين المرأة التي أحبّها، ثم ضيّعها، ثم التقى بها في حلب؛ وقد نهشها المرض، فتزوّجها واصطحبها إلى نيسابور، ولكنّها ماتت في الطريق؛ وما إلى ذلك من شوارد وتفاصيل في سيرة هذا الشاعر العالم الفذّ.
أحببت توماس هاردي الروائي الإنكليزي، يطلب من زوجته إيفلين، وهو على فراش الموت، أن تقرأ له الرباعيّة الحادية والثمانين: «يا من خلقت الإنسان من تراب مهان ومع الجنة التي خلقتها، خلقت الثعبان رغم الخطيئة التي من أجلها يسود وجه الناس؛ الأمر في يديك في الصفح، وفي الحرمان».
أحببت دي اتش . لورانس الذي اعتاد أن يقرأ الرباعيّات بصوت مرتفع، كما يذكر في كتابه «أوراق الغرفة» حتى إذا وصل إلى الرباعية الثانية والسبعين:
«هذه الكأس المقلوبة التي يسمّونها السماء حيث نحيا ونموت تحتها، زاحفين في رقعة ضيّقة، لا ترفع يديك إليها طلبا للمساعدة.
لأنّها تتحرك حركة بطيئة مثلنا: أنا أو أنت!»
وكانت أمّه تطلب منه أن يخفض صوته، حتى لا تبلغ هذه الرباعية سمع أخيه الصغير في الغرفة المجاورة. ويذكر ت.س. إليوت أن الرباعيّات كانت من الأعمال الأولى التي وسمت تجربته. ويشير مارك توين إلى أن الرباعيّات تتمثّل بكلمات قليلة، أعمق الأفكار الوجوديّة وأبعدها منالا. وللروائي والمؤرّخ الأمريكي هارولد لام (1893/1962) رواية عنوانها « قصّة حياة عمر الخيّام» استلهم فيها الرباعيّات. أحببت الشباب الذين انتشرت، في دفاترهم ورسائلهم المتبادلة، في إنكلترا وأمريكا، في الثلث الأوّل من القرن الماضي؛ الرباعية الثانية عشر:
« ديوان شعر تحت غصن شجرة
زجاجة من النبيذ.. رغيف خبز
وأنت إلى جانبي في القفار نغنّي،
آه! أن القفار وقتئذ تكون جنّتنا»
وربّما أحببت أكثر فيتزجرالد الذي تظلّل قبره في ساحة كنيسة بولج، شجرة ورد السنتيفوليا التي لا أدري ما إذا كانت في مكانها؛ تظلّل قبر الخيام في نيسابور. هذه الشجرة الفارسيّة التي تنمو بين جبال القوقاز، الضاربة في جذور الأرض. تلك التي تفرّعت منها « زهرة الكاباج، وزهرة الموص، وزهرة البومبون. وينقل بدر أن الفنّان الإنكليزي وليم سيمسون، زار نيسابور عام 1884 واهتدى بعد عنت كبير، إلى قبر الخيّام؛ إذ لم يبق شيء يذكر من معالم نيسابور القديمة، فالمغول أبادوها كسائر المدن الأخرى؛ عندما اجتاحوا المنطقة بأسرها في القرن الثالث عشر. ولكن من حسن الحظ أنّهم لم يجتاحوا القبور، فظلّ ضريح الخيّام في مكانه. وقد اقتطع من «السنتيفوليا» بضعة أجزاء، وأرسلها إلى لندن حيث زرعت في حدائق كيو التجريبيّة. ويقول الخبراء إنّها زهرة بريّة تتفتّح في شكل مزدوج، وتنموعلى ارتفاع 3550 قدم بين جبال القوقاز.
أجل هذه هي إيران الأدب والشعر التي يمكن أن نتواصل معها حقّا. أمّا إيران الأخرى فلها شأن آخر!

ناقد تونسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية